عندما يحتفي حاضر الكلام بماضي الزمان
تونس: quot;أصوات قرطاجquot;، المسرحيّة الشعريّة، الصادرة حديثا عن دار 'تبر الزّمان' والتي التقى في تأليفها الرّوائيّ عبد الواحد براهم والشّاعر يوسف رزوقة، كانت محور لقاء نظّمته مكتبة آرت- لبريس في صلامبو/ الكرم (إحدى ضواحي تونس العاصمة) وذلك يوم الجمعة 13 يونيو/جوان 2008 في السّادسة والنّصف مساء.تداول على مقاربة الكتاب،بحضور مؤلّفيه وجمهور هذه المناسبة، كلّ من الدكتور محمّد حسين فنطر، مختصّ في دراسة الحضارات الفينيقية وحضارات ما قبل الميلاد في شمال إفريقيا وهو إلى ذلك، رئيس كرسيّ بن علي لحوار الحضارات والأديان و صاحب عديد المؤلفات في مجال اختصاصه والدّكتور محمود الماجري، باحث وناقد، يعمل أستاذا في المعهد العالي للمسرح، انصرف باكرا عن كتابة الشعر إلى دراسة المسرح. من تآليفه في المجال المسرحي، مسرحية quot; وقائع حرب لم تقعquot;.
امرأة تصنع التاريخ
أشاد د.فنطر بهذه المسرحية الشعريّة، مشيرا إلى أن مأتى إعجابه بها كون المسرحية متمحورة حول قرطاج التي هو عاشق لها ثمّ أفاض في الحديث عن قرطاج التي أسهمت في بناء المتوسّط وفي دمقرطة المعرفة عبر شيوع أبجديتها لتدخل من ثمة غربيي البحر الأبيض المتوسط إلى التّاريخ في إشارة إلى أنّ الفينيقيين ابتدعوا الإنسان الفرد الذي يصنع مصيره بنفسه، دون لجوء إلى القبيلة، معلّقا على ذلك بقوله: لم تكن هناك قبائل في قرطاج بل كان هناك الفرد القرطاجنّيّ، متوقّفا عند 'دستور قرطاجة' الذي اعتبره متقدّما على 'دستور أثينا'، موضّحا أنّ أثينا كانت في ذلك الوقت مجرّد قرية مقارنة بقرطاج التي كانت في عنفوان نفوذها.
واستخلص أنّ قرطاج هي المدينة الوحيدة في المتوسط التي تنسب إلى امرأة هي عليسة التي كانت لها كلمة في صناعة تاريخ شمال إفريقيا.
وفي معرض حديثه عن 'أصوات قرطاج'، ركّز د.فنطر على ضرورة العودة إلى الأصول بعين ثاقبة، مستشهدا بفلوبار الذي استوحى عمله 'صلامبو' من التراث القرطاجنّيّ ومعلّقا على 'أصوات قرطاج' بأنّها هي الأخرى تنطلق من تراثنا الزّاخر، فهي 'ملحمة شعريّة رأيت فيها أثرا لأثر فطربت وغمرتني سعادة من يؤمن أنّ التّراث يثري الخيال ويخصب المبدعين'.
شعرية احتفاء الكلمة بالتّاريخ
أمّا الدكتور محمود الماجري، فقد اعترف في مداخلته الواردة تحت عنوان 'أصوات قرطاج أو شعريّة احتفاء الكلمة بالتّاريخ'، بأنه أسير كتابة شعرية متشابكة بين القديم والحديث، بين عمود شعريّ عتيق وأفق كلام جديد ينهلان معا من ماض فينيقيّ مازال يسكننا ولا نزال حيارى أمام أمجاده الغابرة.وأضاف: النّصّ هو استعراض لتاريخ قرطاج، من مرحلة التأسيس إلى يوم انتحار حنّبعل، حاول المؤلّفان من خلاله تقديم مسيرة المدينة دون ارتباط بتفاصيل الأحداث وأعطيا الكلمة فيه لثماني عشرة شخصيّة من بينها ثلاث شخصيّات نسائيّة وقطّعاه إلى تسع لوحات تنطلق من الأطلال لتنتهي إلى بريق أمل.
يفتح النّصّ بسيدي محرز واقفا على الأطلال، لا ليبكيها بل ليعطي إشارة البدء في قصّ تفاصيل الحكاية. إنّها حكاية فرار علّيسة، ديدون المرأة الهائمة كما سمّاها أبناء البلد، لتأسيس مملكة أخرى على مساحة جلد ثور ولحكاية جلد الثور هذه قصّة أخرى، إذ تنقل لنا كتب الفولكلور أنّ هذه الأسطورة خرجت من شمس المتوسّط وانتقلت إلى ثلوج الشمال ليصنّفها المصنّفون ضمن حكايات الخداع.
أرضا نريد
بحجم جلد الثّور تكفي
كي نكون معا
ونحلم بالقمر
هل خدعت علّيسة ملك البربر أم برهنت على قدرة فائقة في الهندسة؟
لئن حشر دانتي علّيسة في جحيمه بدعوى شهوانيّتها فلا شكّ لأنها عذبت آنيوس وفرضت على الرّومان فحولة المرأة أمام ضعف الملوك، فحولة دفعتها إلى الارتماء في لهيب النّار احتراقا وإضاءة لما سيأتي من شؤون. تفاصيل أخرى غصّ بها النّصّ، فيها سيفاكس وصوفونيبا ولكنّ قمّتها حنّبعل الذي يبقى، على انهزامه وانتحاره في نهاية النّصّ، بطلا إيجابيّا موسوما بهالة من الشّجاعة والإقدام.
ويستشهد الماجري بما جرى على لسان حنّبعل:
أمّا أنا
فلم يعد لي في هذه الدّنيا ما أمدّ له يدا
أو ما به أحيا
إذن، إليّ بالسّمّ الزّعاف
لقد تخيّرت انتصار المنهزم
لأمت
لتكتب لي الحياة (ص 141)
ليخلص في استنتاجه إلى أنّ 'أصوات قرطاج' هي 'نصّ شعريّ وسمه كاتباه بمسرحية شعرية فلم يخطئا في ذلك ولعل انسياب الشّعر فيه هو الذي جعله ينأى عن ضوابط النّصّ المسرحيّ، التقليدي الذي يقوم على جانبين اثنين، جانب الحوار حيث نسمع الشخوص تنطق وجانب الإشارات الركحية حيث نقرأ إرشادات المؤلّف. أليس في هذا الاختيار تأكيدا على ما يذهب إليه المسرحيّون من أنّ النّصّ المسرحيّ النّموذجيّ هو النّصّ الذي يولد وهو في حالة انتظار إخراج محتمل؟
إنّ 'أصوات قرطاج' لتحتوي على إمكانات عديدة لتدخّل مشهديّ يجعل منه نشيدا ركحيّا مليئا بالصّور ومزدحما بالحركة والجمال.
ويتساءل الماجري: هل نصدّق الكاتب حينما يدّعي أنّه كتب نصّا تاريخيّا؟ أم نصدّق المسرح حين يرتبط بالآن وهنا؟ هل من معنى لكتابة نصّ تاريخيّ لا يجعل منّا قرّاء لدقائق حاضرنا؟ كيف يمكن أن نقرأ أو نؤوّل تلك الخاتمة الجميلة، المربكة ضمن لوحة ' لا بدّ من أمل'؟، جاء فيها:
انظري أيتها الآلهة
لا ضمير لهم هؤلاء الملوك
عبيد وإن توجوهم
وهم خدم طيعون لروما
أذلاّء أنفسهم قبل أن يفرض الذل فرضا عليهم
تموت المدائن لكنّ نبع المبادئ لا، لن يموت (ص 141)
ولأنّ النصّ مسبوك سبكا شعريّا، رقيقا فإنّ خير ما نختم به هو هذا الخطاب الرّاقي في صوره وبليغ معانيه وفي مشهديّته ذات التّفاصيل السّينمائيّة:
على غير عادته، باكرا حلّ فصل الخريف ليغمرنا الثّلج من كلّ صوب / رياح الصّقيع اخترقت ndash; وهي تعصف عصفا ndash; جلود الجنود. / بدأنا التّسلّق والألب يبدو عنيدا على غير عادته.. النّتوءات أدمت أصابعنا ومناكبنا / لنواصل! يمنع حتّى التّلفّت نحو الوراء! / الصّفوف الطّويلة تصعد، تصعد.../ تهوي الصّخور العظيمة من تحت أقدام بعض الجنود / يفرّ الأدلاّء / أمّا الدّوابّ فكانت تنوء بما حملت / فهي لا تتقدّم إلاّ لتجفل نحو الوراء / وقد نتلفّت حينا لنبصر حينا بكلّ حمولته يتخبّط في هوّة فيضجّ الجميع ويعلو الصّراخ./ أخيرا وصلنا، نعم../ من على قمّة الألب، لاح لنا الأفق الأزرق اللاّنهائيّ / فلننحدر حذرين! هو السّفح أخضر، أخضر يبدو لنا وقريبا / ولكننا للوصول إلى ذلك السّفح، لا بدّ من بعض صبر! ولا بدّ أن نهزم العقبات: الجليد، الصّخور، إلى غير ذلك../ صبرا إذن! هذه الألب عشرين ألفا من الجند قد أكلت /وتركنا بها نصف ما عندنا من خيول ومن فيلة / جبال هي أم هي عين الجحيم؟ / ولكننا رغم كلّ الصّعاب، انتصرنا على الجبل المستحيل / نعم وكأنّا أطحنا بأعتى الجيوش./ افرحوا الآن يا جند قرطاج.. يا من قهرتم معا جبل المستحيل! إلى قلب روما الطّريق أمامكم الآن مفتوحة / فازحفوا نحوها / فهي منّي لكم هبة فادخلوها.(ص 89).
إنّ احتفاء حاضر الكلام بماضي الزمان، يختم الماجري، لهو من بين أسباب ارتياحي إلى هذا النّصّ وما أكثر الأسباب الأخرى التي تدعو إلى الإقبال عليه قراءة وتحليلا وتجسيدا مشهديا.
ذاكرة الجرح
من جهته، أشار يوسف رزوقة إلى أنّه أراد من خلال هذه المسرحية التي ساهم في صوغها شعريا أن ينتصر لجدته عليسة ولجده حنبعل فكلاهما جرح في تلافيف ذاكرته وهو يفعل ذلك ثأرا من الرومان على خلفية أن هذه المسرحية تنفض الغبار عما لم يقله مؤرخو روما.
في حين ذكّر عبد الواحد براهم بدوافع إنجاز هذه المسرحية وبالظروف التي حفّت بها حتى تستوي نصّا مسرحيّا.
ويذكر أنّ عبد الواحد براهم، واضع النّصّ الأصل لهذه المسرحيّة هو كاتب روائيّ، عمل سنوات في مهنة التّعليم، في وزارة الثّقافة ثمّ بالألكسو، أرسى قواعد عدّة مؤسّسات للنّشر كما ترأس اتّحاد النّاشرين لثلاث سنوات و ترأس شركة تصدير الكتاب التّونسي لمدّة ست سنوات
نشر على مدى 40 سنة عددا لا يحصى من البحوث والقصص والرّوايات نذكر منها: في بلاد كسرى، ظلال على الأرض، مربّعات بلاستيك، حب الزّمن المجنون، بنزرت تاريخ وذاكرة، بحر هادئ سماء زرقاء، تغريبة أحمد الحجري كما حاز على العديد من الجوائز الأدبيّة منها الجائزة الأولى لمسابقة مدينة quot;المدينةquot; للرّواية لسنة 2002 عن رواية quot; قبة آخر الزمان quot;.
أمّا الطّرف الثّاني، مسوّغ هذا التّأليف المسرحيّ شعريّا فهو الشّاعر يوسف رزوقة، باحث في الشّعريّات وأمين عام شعراء العالم بأمريكا اللاّتينيّة وصاحب العديد من المؤلّفات الشعريّة نذكر منها: أمتاز عليك بأحزاني، برنامج الوردة، إسطرلاب يوسف المسافر، الذئب في العبارة، بلاد ما بين اليدين،أزهار ثاني أوكسيد التاريخ، إعلان حالة الطوارئ، الأعمال الشعرية (الجزء الأول)، يوغانا: كتاب اليوغا الشعرية، الفراشة والديناميت، أرض الصفر والأعمال الشعرية في جزئها الثاني إلى جانب مؤلفات أخرى بالفرنسية والإسبانيّة والبرتغاليّة.