ترجمة عمار سلمان داود: بعد مقالي التحليلي لعمله quot;الزجاجة الكبيرةquot;، هنا جزء من حوارمعه أجراه احد الصحفيين.. ويدور حول هذا العمل بالذات الذي يعتبرواحدامن أهم المنجزات الفنية في القرن العشرين إضافة إلى الأهمية الكبرى التي يمثلها دوشامب بالنسبة إلى الكثير من التيارات والمذاهب الفنية مثل فن البوب Pop art وأعمال الإلصاق الثلاثية الأبعاد والحلول الفنية التي تنهل من فكرة الفن الجاهز إضافة إلى التجارب التي تغلب (المفهوم) على شكل العمل الفني كما هو حاصل في الفن المفاهيمي والتي ظهرت في الستينات وانتعشت في المراحل اللاحقة حتى قرننا الحالي.المقطع مأخوذ من كتاب عنوانه quot;حوار مع دوشامبquot; أجراه الصحافي بيير كابان مع دوشامب. والترجمة هي عن النسخة السويدية له. صدر الكتاب الأصلي باللغة الفرنسية في شهر نيسان عام 1977عن دار نشر(Editions Pierre Belfond)

Cabanne: كيف ابتدعت الفكرة العبقرية للزجاجة الكبيرة؟
Duchamp: لا اعرف. لقد كانت هناك اولا، وباستمرار انشغالات لايجاد حلول لمشكلات التقنية. الشيء الذي كان مهما بالنسبة لي هو الزجاج لذاته، اذ ان شفافيته كانت تعنى لي الكثير، واذا ما وضعت الصبغة عليه فستكون بالطبع محكومة بان ترى من خلفه، اضافة الى عدم تأكسدها بيسر، فالزجاج يغلق منافذ الهواء اليها- ان كانت الصبغة محصورة بين صفحتين منه - مما يؤدي الى ان يكون لونها نقيا وجليا، هذا

عمار سلمان داود : عروس مارسيل دوشامب المعراة من قبل فتيانها

يعني انني كنت مهتما بمنح التقنية وزنا اكبر، اضف الى ذلك اهتمامي الكبير بعلم المنظور آنذاك. الزجاجة الكبيرة كانت بمثابة مبتدأ لاصلاح علم المنظور من خلال تجاهله اوالاقلال من قيمته. لقد كان بالنسبة لي علما ذا مكانة خاصة.
Cabanne: هل يعني هذا انكم لم تتعاملوا مع علم المنظور الواقعي؟
Duchamp: كلا، بل مع علم منظور رياضي.
Cabanne: هل كان ذلك العلم قائماً على الحساب الرياضي؟
Duchamp: نعم وعلى الابعاد والقياس، وهذا كان مهما جدا، انا من قام بكل هذه البلبلة، فماذا تعتقدون؟ لقد قمت بخلط كل من عملية التلقي واللعب بالكلمات مع المعطيات البصرية ولكن مع اهتمام اقل بهذه الاخيرة - اعني اقل مما يقوم به الرسام في حالة الرسم - ومن خلال هذا كنت اريد التحرر من اللغة البصرية.
Cabanne: quot; التهاب شبكية العين quot;!
Duchamp: نعم استفزازاً للفن الموجه الى شبكية العين وهذا ادى بي الى الانحدار في اتجاه الاهتمام بمفاهيمية العمل وليس قيمته البصرية.
Cabanne: ثمة انطباع لدى متلقي اعمالك يفضي الى الاعتقاد باشتغالك على المفهوم اكثر من الشكل.
Duchamp: نعم، لقد حدث هذا مرارا، وكثيرا ما كانت فكرة العمل الفني بسيطة وفي احوال كثيرة كان الهدف من العمل هو ايجاد الحلول التقنية في مواجهة المادة التي اتعامل معها مثل الزجاج، وهذا ما اجبرني على الوصول الى درجة عالية من الاتقان لعملي.
Cabanne: هذا يعني انكم وبعد ان تمكنتم من ان تكونوا فنانا منظرا وصلتم بالامر الى مقارعة الاشكاليات التقنية.
Duchamp: هذا صحيح، ان شيئا من رجل الحرفة اليدوية يوجد في شخصية الرسام.
Cabanne: بالاضافة الى التقنية، كانت لديكم بعض من المشاكل العلمية للمعالجة مثل: العلاقات والحساب.
Duchamp: كان الرسم الذي انبثق من الانطباعية غير علمي، لا استثني (Seurat) (سورا هو فنان يحسب ضمن اتجاه ما بعد الانطباعية وينعت أسلوبه بالتنقيطية/ المترجم)، لقد كنت اريد، وبشكل ملح، ان اضع الجانب العلمي على المحك في العملية الابداعية وهو ما قل وجوده، حتى انه لم يكن هناك من يريد طرح هذا الموضوع، ولم يكن حبي للعلم هو ما دعاني الى ذلك بل بالعكس انه شكي به. ورغبتي في الكشف عن تلك المعاني التافهة فيه بمساعدة عامل السخرية.
Cabanne: ونتيجة اهتمامكم هذا بالعلم حصلنا على اعمال جديرة بالمشاهدة.
Duchamp: لم يكن لدي اهتمام كبير بالعلم، اذن لم اكن من هذا النوع الذي عنيت.
Cabanne: لم يكن لديك علم كثير؟ اذن ما قولنا في مواهبك في الرياضيات التي تمتلكها وبدون شهادة عليا.
Duchamp: لا لا لم اكن كما تعتقد، الذي اهتممت به في تلك الفترة كان البعد الرابع. انظر الى تلك العلبة الخضراء التي توجد فيها اكوام من التخطيطات حول البعد الرابع أتتذكرون شخصا اسمه (Pavolowski) كان ناشرا في شارع (Rue Bonaparte) لقد كتب عدداً من المقالات حول البعد الرابع وقد جاءنا بفكرة ان هناك كائنات ذات بعدين، لقد كان هذا ممتعا للقراءة في زمن التكعيبية و (Princet).
Cabanne: هذا الاخير كان يصنع الدعابات حول علم الحساب.
Duchamp: نعم، مرارا ولم نكن نحن رياضيين لكننا كنا نؤمن به. لقد اعطى انطباعا حول نفسه بكونه متمكنا من علم الرياضيات لهذا اعتقدت بأنة كان مدرسا لها، لقد حاولت ان اقرأ كمية لا بأس بها من نصوص (Pavolowski)، حيث وضع ايضاحات مهمة حول القياس، الخطوط المستقيمة والاقواس، هذا كله تفاعل في ذهني اثناء عملي مع الرسم ولكن بالرغم من كل هذا لم تنعكس هذه الامور على تجربتي مع الزجاجة الكبيرة. انا آمنت بفكرة تجسيد البعد الرابع غير المرئي في عملي ومثل هذا الشيء لا يمكن ادراكه من خلال العين. ثمة اعتقاد كان عندي، فحواه هو: بما ان المرء يستطيع ان يحصل على ظل لأي شيء ثلاثي الابعاد وتماما مثلما تفعل الشمس مع الارض حيث تمنح الاشياء ذات الابعاد الثلاثة ظلالا ذات بعدين، اعتقدت بعد عملية فكرية بسيطة ان البعد الرابع يستطيع ان ياتي لنا بشيء ذي ثلاث ابعاد كنتاج له، وبعبارات اخرى ان الشيء الثلاثي الابعاد يمكن له ان يكون نتاج لشيء رباعي الابعاد نجهله. (العروس) وهي احدى شخصيات الزجاجة الكبيرة كانت قائمة على اساس هذا المبدأ بمعنى انها كما لو كانت نتيجة لشيء ذي ابعاد اربع.
Cabanne: انتم تطلقون تسمية quot; الاعاقة في الزجاجquot; على العروس.
Duchamp: نعم، في ذلك القول نوع من الروح الشعرية وهو ما احببته، لقد اردت ان امنح كلمة (الاعاقة) معنىً شعرياً، كان لدي صعوبة في ايصاله، وهذا كان من أجل تجنب تسمية العمل ب(رسم على الزجاج) او (تخطيط على الزجاج) او (شيء مرسوم على الزجاج) وهكذا، اعتقد انكم تفهمون؟ كلمة اعاقة كان لها تأثير كبير علي في ذلك الوقت، المرء يكتشف فيها نوعا من التعبير، لقد كان هذا شاعرياً بالمعنى (المالرمياوي) (من (Mallarme) وهو الشاعر الفرنسي المعروف/المترجم).
Cabanne: في العنوان: quot; العروس منزوعة الثياب من قبل فتيانها، hellip;الخ quot; ماذا تعنون ب(، hellip;الخ)؟
Duchamp: العناوين كانت وقبل كل شيء محط اعجابي، حتى انني كنت قد اشرفت على ان اكون اديباً، الكلمة كانت مركزاً لاهتمامي والعلاقات بين الكلمات وعدا ذلك لم اجد غضاضة من وضع اشارة الفاصلة اضافة الى (hellip;الخ) وهي لا تلعب أي دور في هذا العنوان الخاص بهذا العمل، كان هذا تجلّ جميل في هذه الجملة الظرفية وهو لم يكن يعني شيئاً بدوره، هذا اللامعقول أسرني على المستوى الشعري للمعنى المضمَر، و اندريه بروتون كان مقتنعاً جداً بهذا وبالنسبة لي كان في الامر شيء من المفاجأة حيث ان هذا الذي كتبته لم تكن لي أي دراية حول قيمته.
Cabanne: يبدو انكم كنتم تحبون اللعب بالكلمات في ذلك الوقت؟
Duchamp: نعم، ولكن باستحياء، فانا لم اكن كاتباً.
Cabanne: هل انقطعتم عن كل النشاطات الفنية لكي تنكبوا على عملكم في (الزجاجة الكبيرة)؟
Duchamp: نعم، الفن كان فصلا منتهياً بالنسبة لي، عدا الزجاجة الكبيرة فقد كنت منقاداً اليها، ولم تكن هناك أي اسباب بالنسبة لي لعرض اعمالي السابقة، كنت اريد ان احرر نفسي من الحاجة المادية، لقد اخترت طريقاً آخر وهو حصولي على عمل كمكتبي في المكتبة العامة لكي اتخلص من الضغوط الاجتماعية، وقد كان هذا قراراً نهائياً لم اعمل في مجال الرسم او ممارسة بيع لوحاتي، لقد كانت سنوات قطيعة مع عملي.
Cabanne: كنتم تحصلون على خمسة فرنكات في اليوم لقاء عملكم في المكتبة، اليس كذلك؟
Duchamp: نعم، لانني كنت بحاجة الى العمل، حتى لو مجاناً تقريباً، وذلك لأجل الشعور بالطمأنينة وكنت مهيئاً لأخذ حصص دراسية في مجال العمل في المكتبات.
Cabanne: لقد تعاملتم اذن بجدية مع هذا الامر؟
Duchamp: نعم، واعتقدت ان ذلك سوف يدوم، وقد استوعبت جيداً انني لن استطع تجاوز الامتحان في مجال تلك الدراسة، ولكنني واصلت مع ذلك وهذا كان عبارة عن محاولة من قبلي للتحكم بواقعي - اذ ما قارنت هذا الواقع مع واقع اخر اشعر به بالعبودية كفنان - ومع ذلك تم لي الاستمرار في تطوير مشروعي في (الزجاجة الكبيرة).
Cabanne: كيف توصلتم الى التفكير في استخدام الزجاج؟
Duchamp: من خلال العمل مع الالوان. فحين كنت الون رسومي اعمد الى استخدام لوحة اصباغ (باليت) من الزجاج السميك وحينها اكتشفت كيف تظهر الالوان من الجهة الاخرى، ومن خلال ذلك وجدت حلولاً اخرى جديدة لمشاكل التقنية في الرسم. لقد وجدت ان اللوحات المرسومة تتعرض بسرعة الى الاتساخ والالوان الى الاصفرار بعد مرور فترة من الزمن، او انها تبدو قديمة لان الالوان تتأكسد ومن خلال وضع اللون بين زجاجتين تمكنت من حمايته، اما الزجاج فيبقى شفافاً ولا يتغير لزمن طويل.
Cabanne: هل للزجاج مزايا اخرى؟
Duchamp: لا، شفافية الزجاج اعطتني التأثير الاكبر لذلك المنظور الصارم والغت ايضا عنصر الاحساس بالعمل اليدوي الكامن في المادة الملونة، لقد اردت ان اتحرر وان اجد سبلاً اخرى.
Cabanne: هناك العديد من التفسيرات ل(الزجاجة الكبيرة) ايها يمكن ان ينتسب اليك.
Duchamp: ليس لي منها ما يمكن ان ينتسب لي، لقد صنعت الزجاجة من غير ان افكر بذلك، لقد كانت هناك وبكل بساطة بعض المفردات التي وجدت لها مكاناً بمرور الوقت على سطح عملي هذا، اما ان كانت هناك فكرة لوجود علاقة بين ادوار هذه المفردات فقد تتم عن طريق المحصلة النهائية للمؤثرات في هذا العمل ككل، وليس من خلال الخوض في وصف التفاصيل - كما في كاتلوك quot;Arms of Saint quot;- لقد كان هذا العمل نتيجة تجاوزي لكل الشروط الاسطاطيقية بكل ما لهذه الكلمة من معنى، اكثر من كونه بيان حول اتجاه جديد.
Cabanne: اكان هذا بمثابة تواشج لتجارب مختلفة؟
Duchamp: بل حصيلة لتجارب مختلفة، نعم، وبدون خلفية فكرية لمحاولة ابتداع اتجاه جديد في الفن مثل: الانطباعية او الوحشية hellip; الخ
Cabanne: ما هو رأيكم في قراءة (Breton) او (Carrouges) او حتى (lebel) لعملكم هذا؟
Duchamp: كل فرد يضمّن العامل الشخصي في قراءته، وهذا لا يؤدي بالتأكيد الى الحكم على هذه القراءة او تلك بالخطأ او الصحة، هذا امر مثير للاهتمام وفقط للاهتمام والشيء نفسه يمكن قوله عمن تعاملوا مع الانطباعية فقد يؤمن الفرد بهذه القراءة او تلك بالنظر لمدى قرب هذه او تلك اليه شخصياً.
Cabanne: هل يمكن القول بأنكم مرهونون بشكل ما بهذا الذي يكتب عن اعمالكم؟
Duchamp: لا ابداً، انا مهتم فقط بذلك.
Cabanne: هل تقرأون ما يكتب بشأنكم في هذا المجال؟
Duchamp: بالطبع، ولكنني نسّاء.