رأى د.عمار علي حسن رئيس قسم الأبحاث بوكالة أنباء الشرق الأوسط في حديث مع ايلاف ان أغلبية الجوائز الثقافية العربية فاسدة، مشيرًا إلى أنّ الحصول على الجوائز في بلادنا العربية له طرق عجيبة، لا تخطر على بال الشيطان نفسه.

القاهرة: يجمع د.عمار علي حسن رئيس قسم الأبحاث بوكالة أنباء الشرق الأوسط بين تميزين، التميز الأول أنه باحث مهم قدم للمكتبة العربية عددا مهما من الدراسات التي تتناول قضايا مصرية وعربية حيوية، والتمييز الثاني أنه مبدع يكتب الرواية والقصة القصيرة، وفي المجالين حقق إضافة جديرة بالمتابعة، وقد فازمؤخرًا بجائزة الشيخ زايد في التنمية وبناء الدولة عن كتابه quot;التنشئة السياسية للطرق الصوفية في مصرquot;، وهو الكتاب الذي يعتبر إسهامًا بارزًا في إطار المحاولات الرامية إلى رسم خريطة معرفية للحركات الإسلامية، وذلك في ظل اهتمام الدوائر السياسية والثقافية، بمختلف أنماط الهويات الدينية، حيث قدم تحليلاً دقيقًا لجذور الطرق الصوفية وتنظيماتها وممارساتها السياسية، ومدى استيعابها ثقافة الديمقراطية والتحديث.

وفي هذا الحوار معه نتعرف على رؤاه وأفكاره في عدد من القضايا المهمة المثارة على الساحة الثقافية والفكرية المصرية والعربية.

كما تدل التغظية الإعلامية لهذا الحدث، فما سر هذا الاحتفاء؟

** أكثر ما أحتفي به في هذه الجائزة أنها تتسم ـ حتى الآن ـ بمعايير صارمة في الفرز والتقييم والتحكيم، وتنظر إلى العمل المتقدم للمنافسة عليها، ولا تنظر إلى الأسماء، كما لا تنظر في الموقف السياسي للمترشحين لها، كما هي الحال في جوائز أخرى. وإذا أخذت من تصريحات المسؤولين عن الجائزة فإن من كانوا ينافسونني عليها هم من كبار العلماء والمفكرين العرب. كما أن كثيرين ممن حصلوا عليها من قبل يعدون من خيرة المفكرين والمثقفين والباحثين العرب، وانضمامي إلى هذه الكوكبة، يسعدني، من دون شك. الأكثر والأعلى من كل هذا في نظري هي الطريقة التي تقبلت بها الساحة الثقافية المصرية نبأ فوزي، فالبعض اعتبرها جائزة لجيل بأكمله، وهناك من قال: ذهبت الجائزة إلى من يستحقها، والأهم أن هناك شبابًا اتصلوا بي واعتبروا هذا الأمر نافذة أمل على أنه لا تزال في العالم العربي أشياء إيجابية، وأن من يعمل في صمت، يجد من يقدره. وهناك من اعتبرها إشارة جيدة إلى كل الباحثين والكتاب المستقلين، أو المعارضين للسلطة في مصر. وقد انعكس كل هذا في التغطية الإعلامية لهذا الخبر، والتي هي الأعلى في تاريخ الجائزة، حسب رصد quot;جوجلquot; حيث اهتمت به وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة. ولذا وجدت مواطنين عاديين يستوقفونني في الشارع ويقولون لي في فرح: مبروك الجائزة. ومن بينهم من كان يقول: جائزة تحمل اسم الشيخ زايد المحبوب من كل العرب هي شيء رائع.

** هل تتصور أن جائزة الشيخ زايد للكتاب استثناء في النزاهة والجدارة من بين الجوائز العربية؟

** هي واحدة من الجوائز القليلة التي تتمتع بهذه المزية، فهناك مثلاً جائزة نجيب محفوظ، وجائزة العويس، تتسمان بنزاهة ملموسة، وأمثال هذه الجوائز الثلاثة قليل في حياتنا الثقافية للعرب، فمن أسف فإن أذرع الفساد المتوحشة إلى العديد من الجوائز الرسمية والأهلية في العالم العربي، وخاصة جوائز الأدب والثقافة، فأصبح كثير من حائزيها من ضعاف المواهب، خربي الذمم، ومن الذين يجيدون النفاق والمداهنة وكتابة التقارير الرخيصة إلى أجهزة الأمن، أكثر من إجادتهم الكتابة والإبداع. ويمتلك هؤلاء قدرة عجيبة على التغلغل في أوردة المؤسسات الثقافية، التي تستقبلهم بدورها مرحبة مغتبطة، ليدخلوا quot;الحظيرةquot;، يرتعون ويسبحون بحمد السلطان، ويقبّلون الأيادي في الغرف المغلقة، بحثا عن أي منافع، ثم يخرجون للناس رافعين رايات النضال، يشتمون ويسبون، ليرفعوا من ثمن شرائهم، في لعبة ابتزاز مكشوفة بين نظم متسلطة ومثقفين خونة، لا تشبع بطونهم، ولا تمتلئ جيوبهم، ولا يفكرون يومًا في حساب الله والناس.

** هناك من يتحدث سرًّا عن طرق غريبة للحصول على الجوائز في العالم العربي، فهل لديك معلومات في هذا الموضوع الشائك؟

** لدي معلومات تتداولها الأوساط الثقافية، وأنا أتعامل معها في إطار quot;المرجوحquot; الذي يحتاج إلى دلائل أقوى حتى يصبح quot;حقيقةquot; لا تقبل الجدل. وهذه المعلومات تشير إلى أن الحصول على الجوائز في بلادنا له طرق عجيبة، لا تخطر على بال الشيطان نفسه. فها هو أديب quot;كبيرquot; يمتلك مهارة فائقة على المناورة والمداورة من أجل توسيع الدروب لصبيانه وتابعيه، قافزًا بهم إلى كل جائزة، وكل محفل وحفلة، وها هو ناشر ـ أقصد ناشل ـ يحصل من الأدباء على آلاف الجنيهات لطباعة أعمالهم، فيشتري بجزء كبير منها خمورًا وكيوفًا، حول بها داره هذه إلى quot;بارquot; أو quot;غرزةquot; يتفق فيها كبار السكارى والمساطيل على توزيع الجوائز على الصبيان، مقابل حفنة من الزجاجات المعتقة ولفائف الحشيش والبانجو، تعينهم على مواصلة الفصام، وترمم لهم بعض الشروخ النفسية الناجمة عن المزاوجة بين رفع اللافتات الصارخة في المظاهرات الحاشدة، وبين الزحف على البطون نحو المؤسسات الثقافية الرسمية في وضح النهار.

وتتداول الأوساط الأدبية الآن حكايات عن أديب شاب فائز بجائزة دارت الخمر برأسه فاعترف أنه اتفق مع العضو الأكبر في لجنة التحكيم على اقتسام قيمة الجائزة إن فاز بها، وآخر يقول إنه لا يكف عن مهاتفة المحكمين، والإلحاح عليهم، واستدرار عطفهم لحاجته الماسة إلى المبلغ المالي المخصص للجائزة، وثالث يعترف بأنه قدم للمحكم خدمات جليلة، ورابع حكى عن روابط الصداقة القديمة بأعضاء اللجنة، وناقد لا يكف عن الحديث عن علاقاته ببعض الأديبات، ممن يستخدمن مهارتهن الأنثوية في الترويج لأعمالهن، ليسرقن كل الحقوق التي للأديبات الموهوبات المحترمات في أعناق النقاد.

وباحث شاب، يكتب كثيرًا من مقالات، صحافي كبير قديم ثري، فاستخدم نفوذ الرجل في الحصول على جائزة محلية مرموقة، وعلى جائزتين عربيتين كبيرتين، بعد أن تمكن هذا الصحافي، المعروف بفساده منقطع النظير في دنيا الكلمة، من النفاذ إلى قلب الجائزة، والتحكم في مسارها ومصيرها، في غفلة من منظميها، الذين ما أرادوا منها إلا خيرًا ونفعًا، وما ظنوا يومًا أن أصحاب الياقات البيضاء والكلمات المنمقة المزعومة والوجاهة المصطنعة ما هم إلا لصوص وسماسرة ومرابين.

وهذا الجو الفاسد المقزز لا يقتصر على الجوائز الرسمية التي تذهب أغلبيتها إلى محاسيب ومجاذيب السلطة السياسية والثقافية معًا، بل يمتد إلى بهض الجوائز الأهلية، فها هو أديب يحصل على جائزة عن رواية مسروقة من رواية أجنبية، لسوء حظه تم تحويلها إلى فيلم، ففضحت سرقته وجرأته التي لا تأتي إلا لعتاة المجرمين، وهاهو آخر يكتب ألوانًا ركيكة من الأدب لا يمكن تصنيفها، فيحصل عنها على جائزة عن عمل بوصفه رواية، وجائزة أخرى عن العمل ذاته بوصفه مجموعة قصصية. وجوائز لا حصر تذلل شروطها أمام البعض، أو لا يعتد بها أصلاً، هكذا جهارًا نهارًا، في تبجح ليس له مثيل. وهؤلاء يحتضنهم ويباركهم نقاد آلو على أنفسهم أن ينتصروا للون من الكتابة، تسبب في أن يهجر القراء الأدب بكل أنواعه.

وإذا أردت أن تستزيد فلتراجع المعركة التي تدور الآن حول نتائج الدورة الثانية من جائزة البوكر العربية.

** هذا كلام خطر، وربما يؤدي إلى كارثة، لأنه يعلي من شأن الأدب الضعيف على حساب الأدب الجاد والأكثر جمالاً؟

** ليفرح قصار القامة والقيمة قليلاً بجوائزهم، التي يظنون أنها ستصنع منهم رموزًا، ولا يدرك أيا منهم، أن كل الجماعة الأدبية والثقافية على وعي بما يجري ويدور، ولا تمتلك حيال هؤلاء إلا الاحتقار، وتوقن تمام اليقين أنهم سينزوون عما قريب إلى النسيان، لأنهم صنيعة زمن الانحطاط. وإن أراد هؤلاء أن يتأكدوا من صدق ما أقول، فليراجعوا جيدا الأدب الذي كتب في العصر المملوكي.. فهل يتذكر أحد منهم أدبيا أو كاتبا واحدا من هذا الزمن الرديء؟ لا أظن، مع أن العشرات من هؤلاء كانوا ملء السمع والبصر في زمانهم، وطالما حصلوا على نفحات وعطايا السلاطين والأمراء.

** هل يمتد هذا الفساد إلى الجميع، من دون استثناء؟

** بالطبع لا، فبعض من حصلوا على هذه الجوائز، رسمية وأهلية، يستحقونها عن جدارة، بل تشرف الجوائز بهم، لكن هذه القلة يستخدمها مانحو الجوائز ذرا للرماد في العيون، وللتعمية على اختيارهم ضعاف المواهب، وإعطاء ما أقدموا عليه مصداقية وسندا. كما أن بعض النقاد لا يقبلون أبدًا بيع ضمائرهم، ولا يكتبون إلا ما يقتنعون به ولا يحكمون إلا بالعدل والقسطاس، وهؤلاء عملة نادرة. ويوجد على الأرض الممتدة بين المحيط والخليج آلاف الكتاب ممن يؤمنون بأن الزبد يذهب جفاء وما ينفع الناس يمكث في الأرض، وأغلب هؤلاء لن تمس أياديهم تلك الجوائز الرخيصة، لكنهم هم الأبقى، والأيام بيننا.

** بمناسبة معرض القاهرة الدولي للكتاب، كيف ترى علاقة السلطة بالمثقفين في مصر؟

** رسم معرض الكتاب في أغلب الأحيان الخط البياني لعلاقة السلطة بالمثقفين في مصر . ففي العام الذي تلى اعتلاء مبارك سدة الرئاسة مباشرة، كان المثقفون يتكلمون والرئيس ينصت إليهم بإمعان، ويصغي إلى ما يجودون به من رؤى وتصورات لوضع مصر ومستقبلها. وقال الناس أيامها، أخيرًا جاد علينا الزمان بحاكم يسمع إلى علية الناس من أصحاب العقول المتفتحة والبصائر النيرة، ليقف على أفضل ما يمكن فعله من أجل بلده، خاصة أن مبارك كان يقول في تلك الآونة أنه لن يحكم أكثر من فترة واحدة، وسيترك هذه quot;المسؤولية الثقيلةquot; لغيره.

واستمر هذا الوضع ثلاث دورات لمعرض الكتاب، بعدها بات على المثقفين أن يرفعوا أيديهم طلبا للكلام ويختار الرئيس من بينهم من يتحدث. وبالطبع، كان من يفوزون بالفرص دوما هم من يراهم النظام أهلا لثقته، أو بمعنى أدق، هم المسبحون بحمده، المدافعون عنه، المبررون له مسلكه، مهما كان به من خلل أو زلل.

في مرات لاحقة تغير الوضع إلى أن يقوم الراغبون في التحدث بإرسال أسمائهم إلى المنصة، ويختار الرئيس من بينهم، من يتكلم. بعد ذلك مباشرة، تضاءل الحديث لحساب طرح الأسئلة على الرئيس، فتحول المثقفون إلى مستمعين والرئيس إلى محاضر، ليصبح اللقاء كأنه بيان أو خطاب يلقيه الرئيس أمام برلمان يسيطر عليه الحزب الذي يقوده، فتكون النتيجة تصفيق حاد، وتهليل وهتافات، وشعارات وشعر، ومدح وإطراء مستفيض.

لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل بات وزير الإعلام الأسبق صفوت الشريف هو من يختار طارحي الأسئلة، فيقدم للرئيس ما يحب أن يجيب عليه، ويمنع عنه ما قد يغضبه أو لا يتوافق مع رؤيته. وانزلق المنحنى إلى أن يقوم الوزير بتحديد من يتكلم، وبعد أن كان اللقاء يبث على الهواء مباشرة، بات التلفزيون يقدم تسجيلا له، بعد quot;المونتاجquot;، وذلك منذ واقعة quot;الترمسquot; الشهيرة، أو بمعنى أدق قضية قانون الصحافة رقم 93 لسنة 1995، الذي رد الرئيس وقتها بشأنه على الأستاذ جلال عيسى وكيل نقابة الصحفيين، رحمه الله، بقوله quot;إحنا مش بنبيع ترمسquot;، حين طالبه عيسى، في مؤتمر للإعلاميين حضره أهل الفكر أيضًا، بإلغاء هذا القانون المشبوه، الذي سن بليل، لتحويل الصحافة من quot;صاحبة الجلالةquot; إلى quot;الآنسة المستكينةquot;.
وتراجع الوضع مرة أخرى، فبعد أن كان الرئيس يذهب إلى المثقفين في بيتهم وهو معرض الكتاب، ليمثل حضوره افتتاحا رسميا لهذه التظاهرة الثقافية التي ينتظرها أهل الفكر والعلم كل حول، بات المثقفون يذهبون إلى بيت الرئيس، وقبل المعرض بأيام.

وفي المرات الأخيرة، كان الشريف يحدد أصلاً من يحضر اللقاء الفكري بين الرئيس والمثقفين. وكان الرجل أمينا في اختيار عينة، غير عشوائية، لا تعبر أبدًا عن مثقفي مصر، فيجلس quot;الرجالquot; في القاعة الوثيرة، مشدوهين، وكأن على رؤوسهم الطير، حتى يطل عليهم الرئيس، فيلقي عليهم محاضرة عصماء، عن أحوال البلاد والعباد، وما إن يلملم أوراقه استعدادا للمغادرة، حتى تضج القاعة بتصفيق حاد. وهكذا، تحول اللقاء من فرصة سنوية مهمة ليقف الرئيس على رأي النخبة المثقفة في مجريات الأمور، إلى جلسة يطلع فيها الرئيس هؤلاء على أمور يستفهمون عنها، من قبيل: quot;هل رد عليكم صدام حين طلبتم منه قبيل الغزو أن ...quot; أو quot;هل تعتقدون أن الرئيس بوش يفكر في اجتياح سوريا أو إيران ...؟quot;، ثم تتراجع الأسئلة والمطالب إلى رجاء من أحدهم للرئيس أن يأمر ببناء قنطرة تربط بين نجع وقرية عزلاء في أقاصي الصعيد الفقير المنسي.

** ما عواقب هذا التراجع في علاقة السلطة بالمثقفين في مصر؟

** كل ما أخشاه أن يعتقد الرئيس أن هؤلاء هم كل مثقفي مصر، أو أنهم يعبرون فعلا عن مثقفي هذا البلد العظيم المعطاء الغني بناسه وتاريخه وعقول أبنائه، أو أنهم، حسب التعريف العلمي للمثقف، لا يزالون مخلصين لهذا المصطلح ومعبرين عنه بكل معانيه ومبانيه. وما أخشاه أكثر أن يتصور المثقفون أن دورهم ينتهي عند الجلوس مع الرئيس والاستماع إليه، وأن هذا هو غاية المراد من رب العباد، فينصرفون من عنده مستريحي الضمير، مع أن كل واحد منهم يصرخ في الغرف المغلقة، ويهمس على المقاهي المحتشدة بسحب الدخان وروائح المشروبات الساخنة والباردة، باحتجاج على ما يجري، ورفض ظاهر له لا يحتاج إلى لبس أو تورية، فإذا جلسوا إلى الرئيس نسوا كل هذا، واكتفوا بترويض الوقت، حتى تمر الساعتان، اللتان يستغرقهما اللقاء، لينصرفوا إلى ممارسة الاحتجاجات الداخلية، التي لا تنتج لهم سوى مزيد من أمراض ضغط الدم والسكر، ولا تنتج لمصر سوى مزيدا من الحسرات على الفرص الضائعة، ولا تبقي للبسطاء من العوام اللاهثين وراء تحصيل أرزاقهم الضيقة، سوى مزيدا من الكفر بالمثقفين ودور بعضهم المشبوه، وحظيرتهم التي تفوح منها روائح عفنة.

** كيف نجحت السلطة المصرية في إلحاق أغلب المثقفين بها؟

** ربط النظام الحاكم قطاعات عريضة من منتجي الثقافة والفنون به، عبر وسائل عدة منها الجوائز الأدبية والفنية، ومنح التفرغ، وبعض سلاسل الكتب، والدوريات الثقافية والأدبية، التي تصدرها الدولة، علاوة على المناصب والوظائف. وهذا ذهب المعز، أما سيفه فهو التنكيل والتشويه والملاحقة والسجن، إن اقتضى الأمر.

وفي ظل الخلط الواضح في الخطابات والممارسات بين quot;الدولةquot; وquot;النظامquot; نجح الأخير في توظيف طاقة أغلبية المثقفين البارزين لخدمته، مستغلاً الإمكانيات المادية للدولة المصرية، وساهم في نجاحه هذا أن الأحزاب السياسية التي تطرح نفسها بديلاً للنظام، ويفترض أنها تنافسه على الحكم، تركت هذه المساحة للحكومة تمامًا، تفعل فيها ما تشاء. ولم تفلح المحاولات الضعيفة والباهتة التي يقوم بها quot;حزب التجمعquot; على وجه الخصوص في إيجاد بديل كاف للمثقفين، يحميهم من الارتماء في حضن السلطة.

فأي حزب سياسي يطرح نفسه بديلاً جاهزًا للحكم، وهذا البديل لا يتحقق بمجرد إعلان الحزب وتأسيس مقراته، وترشيح منتمين له في مختلف الانتخابات، بل بامتلاك برامج متكاملة، وحلول واضحة المعالم، للمشكلات التي تمر بها البلاد. وتنبع هذه البرامج من رؤية فكرية شاملة يحوزها الحزب، وهنا تأتي أهمية جماعة المثقفين للمساهمة في بلورة هذه الرؤية، والتعبير غير المباشر عنها، من خلال مختلف ألوان الآداب والفنون.
ومن الصعب أن يهمل أي حزب سياسي، يسعى إلى تعزيز تواجده الاجتماعي ونفوذه السياسي، جماعة المثقفين، من الأدباء والكتاب والفنانين ومنتجي المعرفة على اختلاف ألوانها، نظرًا لكون هؤلاء بمثابة quot;حراس البواباتquot; وquot;قادة الرأيquot; في المدن والريف، الذين يمتلكون قدرة على التأثير في محيطهم الاجتماعي، ومن ثم فإن انحيازهم إلى quot;حزب معينquot; أو فكرة سياسية معينة، يفيد هذا الحزب وتلك الفكرة، ويحرث الأرض أمام الساسة المنتمين لهذا الحزب، فيتصلون سريعًا بالجماهير. هذا يعني ضرورة وجود توازن في الحياة السياسية، فالخلل يرمي قطاعات عريضة من المثقفين في أحضان النظام.

** ما رأيك في مؤتمر المثقفين الذي يعتزم وزير الثقافة المصري تنظيمه قريبا؟

** الظرف الذي ولدت فيه فكرة هذا المؤتمر استثنائية وغريبة ومريبة، حيث تم الترويج لها عقب إخفاق فاروق حسني في انتخابات اليونسكو، بشكل يظهر وكأنه يريد أن يثبت للسلطة أن قبضته على الثقافة المصرية لا تزال قوية، وأنها لم تتأثر ولن تتراجع، وأنه قادر على إبقاء الحظيرة التي أدخل فيها المثقفين مفتوحة. وحتى اللجنة التي عهد اليها بالتحضير للمؤتمر لاتمثل كل ألوان الطيف الثقافي في مصر ـ وهذا رأي كثيرين ـ فأغلبهم إن لم يكن جميعهم من مثقفي السلطة أو بعض ممن يتمتع بدرجة متدنية من الإستقلالية، وهذا لن يخدم الثقافة، ويعزز فكرة تدجين المثقفين لحساب السلطة، وهو أمر مرفوض، ولذا فأنا أعارض هذا المؤتمر، الذي يخشى أن يوقع صكًا جديدًا على بياض لحساب سلطة فاسدة مستبدة.