يعزو الروائي الليبي إبراهيم الكوني سبب مصادرة كتبه إلى عدائه الشديد للإيديولوجيا عندما يتعلق الأمر بالعمل الإبداعي. ويؤكد الكوني الذي كان يتحدّث في مداخلة اختتمت النشاط الثقافي ضمن فعاليات معرض الدوحة الدولي الثاني والعشرين للكتاب أن روايته quot;الورمquot; اعتبرت في العالم quot;نبوءة الربيع العربيquot;.
![]() |
| الروائي الليبي إبراهيم الكوني خلال محاضرته في الدوحة |
عبير جابر من الدوحة: كشف الروائي الليبي إبراهيم الكوني عن قرب انتهائه من كتابة مذكراته التي تحمل خلاصة تجربته وتعالج إشكالية quot;الهويات المتعددة المركبة في هوية الذات التي تستوعب العالم وتستوعب أيضاً هوية المكانquot; الذي يتلخص في حالته بالصحراء الكبرى.
كلام الكوني جاء في محاضرة تحت عنوان quot;التجربة الروائية في ظل تغريب الهويةquot;، اختتمت النشاط الثقافي ضمن فعاليات معرض الدوحة الدولي الثاني والعشرين للكتاب، أكد فيها أن quot;التجربة الروائية لم تكن بالنسبة لي ذات اغتراب في هوية واحدة، لكنها كانت اغتراباً مركباً من ثالوث هويات هي الهوية الإنسانية والهوية الوطنية والهوية الأقلية العرقيةquot;.
وأكد الكوني أن مأساة الثقافة العربية والعقلية العربية المعاصرة اعتبارها أن quot;كل ما لا يُؤدلج ليس أدباً ولا يقرأquot; مبدياً أسفه لطغيان هذا الأمرquot;، مشدداً على أن quot;ما دمر الأدب العربي المعاصر هو الخطاب السياسي الخاوي والعاجز واللاأخلاقيquot;، معتبراً أن هذا الخطاب لن يغير الواقع مستدللاً على أن روايته quot;الورمquot; التي لم يلتفت لها العالم العربي نهائيا منذ أربع أو خمس سنوات اعتبرت في العالم quot;نبوءة الربيع العربيquot;.
سؤال الهوية في الرواية
اعتبر الكوني في محاضرته أنه quot;بالنسبة لأي مبدع في هذا العالم من هوميروس حتى الآن، السؤال الذي يُطرح في بداية أي تجربة هو: quot;من أنا؟ وإلى أين أنا؟quot; أي أن السؤال سؤال الهوية وهو سؤال وجودي ذو طبيعة دينية، لأن لا أحد يكتب لمجرد التسلية، ولا يكتب الإنسان إلا لألم وجوديquot;. لافتاً إلى أن هذا quot;يطرح سؤال موقع الذات من العالم quot;من أنا بالنسبة إلى الآخرين؟ ومن هم بالنسبة لي؟quot; هل هم جحيم كما يقول سارتر أم هم ما لا غنى عنه كما قال قديسون عاشوا تجربة الاغتراب عن الآخرquot;.
ورأى أن quot;السؤال الأول هو هوية الإنسانية لأن أي مبدع عندما يبدع ويكتب رواية فإنما يطرح سؤالاً ميتافزيقياً ذا بعد ديني، هو سؤال خارج الواقع رغم أنه يتحدث من خلال الواقع، الذي هو هنا ليس سوى استعارةquot; مستشهداً بقول القديس بولس quot;نحن لسنا معنيين بما يُرى، لكننا معنيون بالأشياء التي لا تُرى. لأن الأشياء التي تُرى حقيقية أما التي لا تُرى فأبديةquot;.
ولخص الكوني السؤال في أي عمل روائي quot;بأنه سؤال غيبي، سؤال الحقيقة. وأي نص أدبي لا يبحث في مسألة الحقيقة هو عمل من قبيل التسلية. وهو مسألة أخرى لا علاقة لها بالإبداعquot;.
وتوقف الكوني عند الإلياذة كأول عمل شعري في التاريخ مستشهداً بالأسئلة التي طرحتها وأبرزها quot;سؤال هوية الإنسان في الوجود، لذا كانت هذه الرواية وثيقتنا الوحيدة لمعتقدات قدماء اليونانيين. وكل ما كتب عن إيمان الشعب اليوناني هو في الإلياذة والأوديسة كجزء ثان منهاquot;.
واستعاد أيضاً تجربة شعب سومر في بلاد ما بين النهرين، متوقفاً عند quot;ملحمة غلغامشquot; الشهيرة التي طرحت سؤال موقع الإنسان في هذا العالم وهو سؤال غيبي وجودي في حقيقة دينية.
واعتبر أن الملحمة طرحت quot;السؤال عن الهوية الإنسانية أو الهوية الإلهية للإنسان، لأنه أول مرة يطرح السؤال حول خلود الإنسان قبل طرحه في الكتب السماوية، وكل ما ورد في سفر التكوين والكتب السماوية الأولى مستعار من هذه الملحمة الدينية ذات البعد الوجودي. السؤال المركزي المطروح في الملحمة هو الخلود وعبث البحث عن الخلود لأن رحلة غلغامش إلى العالم السفلي هي استعارة لرحلة الإنسان أي منا في هذا الوجود الذي يبدأ من الميلاد الى الممات أو يبدأ من الممات إلى الممات لأن ما قبل مجهول وما بعد مجهولquot;. ولفت إلى أن المصريين القدامى بحثوا أيضاً عن خلود الروح.
الإنسان قضية القضايا
هذه الأسئلة هي الأسئلة الكبرى التي يطرحها أي عمل روائي في مجال واحد هو الهوية الإنسانية كما يؤكد الكوني الذي يمتلك في رصيده أكثر من ستين عملاً روائياً.
quot;لأن هذا الإنسان الجالس أمامكم الآن قبل أن يكون روائياً وقبل أن يكون متحدراً من قبائل الصحراء الكبرى وقبل أن يكون ليبياً هو إنسان، وكونه إنساناً هو لغز الألغاز وقضية القضايا بالنسبة إلى الروائي. إذا لم يتناول أي عمل من أعمال الفنون هذه القضية لا فرصة لهquot;.
ويلخص الكوني فكرته بأن quot;الهوية الميتافيزيقية للمخلوق البشري الذي هو مقياس كل الأشياء كما يقول قدماء اليونانيين هي قضية القضايا ومشكلة المشكلات في الوقت نفسه لأنها بلا حل ومنها ينبثق السؤال: البحث عن الحقيقةquot;.
بعد هذا السؤال لا بد أن يطرح سؤال الهوية الوطنية، وعن سبب ارتباط السؤالين يقول الكوني quot;ليرد الروائي على السؤال الأول يفترض وجود واقع، لأنه يستحيل التعبير عن مشكلة لغزية الإنسان دون أرضية. فعالمنا عالم استعارات ولا بد من خلقه هذا الواقع إذا لم يوجد وهذا ما فعله أدباء كثيرون في العالمquot;، لكنه يؤكد أن quot;الواقع لا يعني التعبير عن الواقع كواقعquot;.
المبدع والواقع
إنطلاقاً من تجربته الشخصية مع الغربة، تناول الكوني ما يواجهه من أسئلة طاردته خلال الأربعين سنة الماضية quot;كل الأسئلة التي أواجهها هي كيف يتسنى لمبدع يعيش بعيداً عن واقعه الوطني أن يعبر كل الوقت ويصبح التعبير هاجسه. يسألونني ألا تشعر بجوع نحو الواقع والمجتمع؟ ويتكرر السؤال دائماًquot;. وثمن المفهوم الأوروبي مثلاً الذي quot;يعتبر المبدع يعبر عن الواقع الحقيقي، بل هو يعبر عن ظل الواقع عن الواقع الذي يخفيه الواقع، عن الواقع الذي يتشكل من خلال التعبير عن الواقع كواقعquot;.
ويشرح الكوني تركيبة الواقع quot;هناك واجهة هي البيئة أو الطبيعة، وهناك جانب ثقافي هو وجود الإنسان في الطبيعة. وهناك بعد ثالث هو الحلم في إعادة صياغة هذا الواقع. الحلم ينشغل بالبعد الأول بهوية الإنسان الدينية بالخلود أو الفناء، هل نحن فانون بالروح؟quot;
ويضيف quot;من هنا إشكالية التعبير عن واقع المبعد خارجه لذلك عندما يعبر كافكا يعبر عن ظلال الواقع وظل الواقع يعني روح الواقع أو البعد المفقود له. وهذه هي المركزية والشرط لكل عمل ابداعيquot;، إذن هذا الشرط بحسب الكوني quot;هو البعد الذي يهب العمل الابداعي عمقاً، فلا عمل إبداعيا دون الإيحاء بأن هناك عالما آخر وراء العالم ونصا خلف النص ووجودا وراء الوجود، لذا تستهوينا الأعمال الكبرى لأن البعد الغيبي في الواقع هو المقياس لجودة العمل أو رداءته، وهنا تكمن الفروسيةquot;.
تساءل الكوني لماذا ينوه النقد الأوروبي والأميركي وحتى الياباني بحضور الصحراء الكبرى بقوة في رواياته، بينما لا يفعل النقد العربي ذلك بل يتجاوزها؟ طارحاً علامة استفهام أخرى حول إمكانية أن يكون هذا quot;قصوراً من النقد العربي؟quot; موضحاً أنه لا يملك أي إجابة.
واسترسل في إيضاح وجهة نظره مدافعاً عن رواياته وصحرائه quot;لأن المهم ليس إذا عشت الواقع أم لم أعشه لكن كيف عبرت عنه، فإذا عبرت كما ينبغي يعني أني عشته عشرات المرات أكثر من الذين عاشوا هناك، فلماذا لا يوجد أدباء في ليبيا أو في العالم عبروا عن الصحراء؟quot;.
ويصل الكوني مع الحضور إلى نتيجة أن القضية quot;ذاتية وتمرّ بالقلب. وإلى جانب القلب هناك التقنية والمعارف ومن أراد المعرفة فليتعلم اللغاتquot;. ويشدد على أنه في أعماله quot;عشت الواقع أكثر من الذين يعيشون في الواقع لأن المسألة هي في القدرة على تحويل الواقع رمزية وتحوله إلى رموز ونماذج. فهذا مقياس معايشة الواقع، فالسهل يُرى من بعيد، أما في وسط السهل فلا يراه الإنسانquot;.
فيلسوف الصحراء المغترب
يسترجع الكوني في رواياته واقع الصحراء الكبرى على الرغم من أنه عاش فيها لفترة قصيرة، وهو يؤكد أنه عاش واقع هذه الصحراء quot;عشت الواقع، عشت الصحراء الكبرى لكني طردت منها مرغماً مجبراً بعد التفجير النووي الفرنسي عام 1957، في ذلك الوقت تحولت الصحراء الكبرى صحراء كبرى، وهذا أمر لا يعرفه الكثيرون، فالكارثة البيئية الكبرى بعد التفجيرات الفرنسية التي انتهت في العام 1965 لعبت دوراً كبيراً في إبادة ليس فقط البشر بل الحيوانات والنباتات وكل شيء، لذلك هاجرنا مضطرين إلى الواحاتquot;.
لم يتوقف الإغتراب الذي اختبره الكوني عند حدود الواحات بل وصل به إلى موسكو حيث تابع دراسته الأكاديمية في معهد غوركي للأدب، لكن الأسباب هذه المرة كانت مختلفة وعنها يقول quot;اغترابي من ليبيا إلى موسكو كان أيضا إجبارياً، أول كتاب صودر بعد ثورة القذافي في العام 1970 كان كتابي quot;نقد الفكر الثوريquot; ثم تتابعت مصادرة كل كتبي تباعاًquot;.
لا مكان للأدلجة في الإبداع
يعزو الكوني سبب مصادرة كتبه إلى أن quot;خطابي ليس سياسياً، ولست معنياً بالسياسة أساساً، لأني معاد للأدلجة، وللإيديولوجية في العمل الإبداعيquot;.
ويوضح أن طريق هذا أوجد quot;فصولاً مجهولة من حياتي لا يعلمها أحد، وسيعرفها الكثيرون عندما انتهى قريباً من كتابة مذكراتي التي هي ليست مذكرات بالمعنى الحرفي لكنها محاولة للتعبير عن هذه التجربة وعن هذه الإشكالية إشكالية الهويات المتعددة المركبة في هوية هي الذات التي تستوعب العالم وتستوعب أيضاً هوية المكانquot;.
ويرى الكوني أن هذه الغربة هي التي جعلت quot;حضور ذلك المكان الذي هو وطني وهو الصحراء الكبرى هو حضور ميتافزيقي موجود بقوة في رواياتيquot;. مشدداً على أهمية الإستعارة ووجود quot;أدب إنساني إستعاريquot;.
كما عبر عن أسفه quot;لسيطرة الخطاب الإيديولوجي على السرد العربي المعاصرquot;، معتبراً أن quot;ما دمر الأدب العربي المعاصر هو الخطاب السياسي، وهو خطاب خاوٍ وعاجز ولا أخلاقي يعالج مسألة لا أخلاقيةquot;. لافتاً إلى أنه quot;لا عمق في الإيديولوجيا، ولا في السياسة، فهي نظام اختلقه الإنسان لينظم عمل الجماعة وتحول لأخطبوط صادر روح الإنسان دون أن يدريquot; معتبراً أنه quot;عندما نستبدل الخطاب الإبداعي بالخطاب الإيديولوجي فإننا ننتصر للشيطان على حساب الربوبيةquot;.
quot;الورمquot;.. نبوءة الربيع العربي
يرى الكوني أن quot;الخطاب السياسي والمباشر أو التناول الفج لن يغير الواقع بدليل أن الرواية التي لم يلتفت إليها نهائيا في العالم العربي منذ العام 2007 هي روايته quot;الورمquot; لكن عندما ترجمت إلى لغات العالم باتت الندوات تعقد حولها، واعتبروها نبوءة الربيع العربي. لكن هل هي رواية سياسية مباشرة؟ يطرح الكوني هذا السؤال ليؤكد بعده أنه عندما قرأها أحد النقاد قال quot;إنه فاوست العالم العربquot;.
ويوضح الكوني أن الرواية quot;ليست خطاباً سياسياً أو ايديولوجياً، هي ضمناً سياسيةquot;، مستطرداً quot;تحت كلمة ضمناً أضع ألف خط أحمر، وهي ضمناً إيديولوجيا لأن هناك الخطاب المباشر الفج وهو ليس أدباً، وهناك الخطاب الاستعاري الضمنيquot;. كما استغرب فكرة أن quot;كل ما لا يؤدلج ليس أدباً ولا يقرأquot; مبدياً أسفه لأن quot;هذه مأساة الثقافة العربية والعقلية العربية المعاصرة وبكل أسف هذا الجانب يطغى ويزداد طغياناً بدل أن يضمحلquot;.
صوت الله المفقود
واصل الكوني كلامه بأسلوبه الفلسفي الشيق فاعتبر أن quot;المفروض أن يكون صوت الله هو همّ المبدع الحقيقي، وهنا هوية أخرى هي الهوية الوطنية أو الروح المحلية وهي لا تتم إلا من خلال واقع ذي ملامح وقد تكون موجودة أو تُخترعquot;، مشيراً إلى أن quot;تقنية تجذير هذه المفاهيم هي مغامرة لا تتم بالمقاييس ولا تعبر عنها نظرية الأدب. فهناك قوانين شكلية تدرس في الجامعات أنا درستها في معهد غوركي في موسكو، لكن هذه القوانين لا تهب سوى المفاتيح لتحقيق مغامرة البحث عن الموجود خارج الواقع في رحاب البعد المفقودquot;. وهنا كما يوضح الكوني quot;تأتي هوية الأقلية العرقية، حيث لا يكفي أن نهب الواقع ملامح الواقع بل لا بد من ملامح الخصوصية التي تجعل واقعاً يختلف عن آخرquot;.
من هنا تأتي الصحراء quot;التي لن تقول كلمتها في تاريخ الآدابquot; كما يرى الكوني معتبراً أنها quot;العالم الذي كان ولا يزال مغترباً، كان أدب الصحراء غائباً أو مغيباً رغم أن الصحراء هي أول ساحة شهدت ميلاد الثقافة من خلال النبوءةquot;. ويعزو الكوني ذلك إلى كون quot;الصحراء لا تهب إلا التأمل والحرية التي تنجب التأمل، ومنذ انقسم المجتمع البشري إلى قسمين راحل ومستقر. أصبحت الصحراء منفية بطبيعتها لأنها كفت أن تكون مكاناًquot;.
ولأن quot;المكان له شروط منها توفر المياهquot; كما يوضح الكوني مسترجعاً القول quot;عسير أن يهجر المكان ذلك الإنسان الذي أقام إلى جوار النهرquot;.
ويؤكد بالتالي أن quot;النهر هو وتد وهو خالق الحضارة وهو حجة الحياة ولكن في الوقت ذاته هو وتد العبودية شئنا أم أبيناquot;.
ويستطرد الكوني في شرح مفهومه للترحال quot;هذا الانسان لا يملك إلا أن يرحل وأن يتحرر ويمارس الحرية في كل مكان، هو في عبور وفي اللا مكان وهذا يحقق الحد الأعلى للحريةquot;. ما يجعله quot;كإنسان لا يملك إلا أن يتأمل، والتأمل هو الذي أنجب النبوءة، وهو الذي أنجب السؤال الأول حول خلود الإنسان من عدمه. لذا نجد كل الديانات التوحيدية تأتي من الصحاريquot;.
ويضيف quot;الصحراء كانت شرطاً للنبوءة والتنسك والتدين، لذا عندما ينتمي إنسان إلى الصحراء ليس عليه أن يطمع بأن يكون روائيا. فضلا عن كونها ملجأ لمن أراد أن يؤكد وجوده الديني والروحيquot;. معتبراً أن quot;هذه هي المفارقة لأن النظريات تقول إن الرواية عمل مديني، ويستحيل أن تولد في الصحراءquot;. ويكمل الكوني شارحاً سعيه لنفي هذه النظرية quot;فهذا السؤال يؤرقني منذ تلقيته على يد أساتذتي وقررت أن أنفي نظرية أن الرواية عمل بورجوازي وعمل مديني ولا رواية خارج المدينةquot;. واتضح للكوني بالتجربة quot;أن هذا ليس صحيحاً. لأن الرواية موضوعها ليس الواقع بل سؤال الوجود ومعنية بالانسان حيثما حل ومعه وجد السؤال الوجودي عن علاقة الإنسان بالماوراء ووجد اللغز وطرحت حزمة الأسئلة الوجودية والدينيةquot;.
لذا يرى الأديب الليبي أن quot;الحافز الأساسي لأي عمل روائي هو غيبية الإنسان، وهذا الذي يعطي عمقاً لحياة الإنسان وعنوان السعادةquot;، فمن لا يطرح السؤال على نفسه quot;ليل نهار لا يمكنه أن يكون سعيداً لأنه سؤال الحقيقةquot; يؤكد الكوني.
من هنا يعتبر الكوني أن العمل الابداعي quot;عمل صوفي مئة بالمئةquot;، مؤكداً أن quot;صوت الله مفقود، فلو كان حاضراً لكنا سعداء وكنا في الفردوس، لكن هذا الصوت غائب حاضر حتى عند المؤمن إذن نحن خارج الفردوسquot;. ولفت إلى أن quot;الإنسان عندما يمارس أعمالاً دنيوية لا يكون الله حاضراً معهquot;، موضحاً أنه لا يتحدث quot;عن الإيمان بل عن حضور البعد الإلهي في الوجود، وهو مستحيل حتى عند الأنبياء، فهم يمارسون أعمالهم الدنيوية والعمل الفاني ما ينزع عن هذا المخلوق الصفة الألوهية بالمطلقquot;.
وشدد على أن الإنسان quot;يتحول إلى جوهر روحي عندما نتجرد من دنيويتنا.
لهذا السبب نحاول أن نستعيده، مع أن هناك من يفقده نهائياًquot;، موضحاً أنه quot;لو كان الله معنا دوماً لما احتجنا للصلاة فهي كما يقول كانط صفقة دنيوية وهي أمنية. والصلاة الحقيقية هي التأمل لذا اشترطت النية أي الحضور في الوجود الإلهيquot;.
التكنولوجيا تعطب الذاكرة
استكمل الكوني حديثه عن علاقة الإنسان بالتكنولوجيا، معبراً عن رأيه بأن quot;المعلومة معادية للمعرفة، ولأن الإنترنت يقدم المعلومات والإنسان يتلقى فقط، فهو بالتالي ينسى ما يتلقاه من معلومات، ما يشوه روحه ويدنسها ويخلف بصمة عار، لأن الانسان ذاكرة والذاكرة مهما كانت عبقرية فهي محدودة وهشة وقابلة للعطب ونحن لا نعمل إلى أن نساهم في عطبها كل يوم بالتكنولوجياquot;. وأضاف quot;نحن لا يعنينا ما يجري في العالم، ونتيجة لذلك نغيّب براءتنا، فنحن لا يمكن أن نغير العالمquot;. مستدركاً حديثه بالإشارة إلى quot;تغريب الكتاب ككتاب، بينما في الصحراء عندنا يعامل الكتاب كتعويذة ونص ديني أي بقداسة. والتقنية تنهي دور القداسة فتنزع عن الكتاب القداسة وتستبيحه فيتحول الى معلومة لا شأن لنا بها في واقع الأمرquot;.
ويرى أن هذا الهوس حتى بالأخبار يعطل التفكير مستشهداً بالفيلسوف هنري تورد الذي قال في القرن التاسع عشر إن quot;الانسان الذي يسمع الأنباء هو كمن يفتح قلبه للقمامة. فإذا كان تبادل الأنباء في ذلك الوقت هكذا كيف به اليوم والمعلومة تقتحم حياتنا في كل لحظة ونحن نساهم في فتح الأبواب لها ونشتريها أيضاً، فيتعطل التفكيرquot;.
رسالة الروائي: الإخلاص
في رده على سؤال حول دور الروائي في الثورات والتغيير توصل الكوني إلى خلاصة مفادها أن رسالة الروائي هي quot;أن يكتب أدبا جيداً وأن يفعل ذلك بإخلاص وأن يبتعد عن الأوهامquot;. معتبراً أن quot;ليست مهمته قلب الواقع رأساً على عقب، فالرواية ليست رسالة انقلابية بل نص ديني هدفه وغايته الأخيرة الحقيقةquot;. مشدداً على أن الروائي quot;إذا فعل ذلك ملتزماً بقوانين الرواية والإبداع يكون قد أدى رسالته. ولا بد أن تكون هناك روح رسالية شاملة لكل شيءquot;.
وأعطى مثالاً على ذلك دور الأدباء الفرنسيين الكبار كجان جاك روسو وفولتير في التمهيد للثورة الفرنسية quot;فهم لم ينزلوا إلى الشارع بل كتبوا فكراً نزيهاً تضمن الانتصار لقضايا الإنسان الكبرىquot;. وهذا ما حدث في روسيا أيضاً كما يشير الكوني إنطلاقاً من quot;دوستويفسكي وتشيخوف وغيرهم ممن كانوا يؤدون واجبهم بإخلاصquot;، لذا فهو يرى أن استمرارية أدبهم هي الدليل في مقابل الأدب السياسي في عهد روسيا القيصرية.


.jpg)







التعليقات