تسلمت إيلاف بيانا موقعا من قبل عدة مثقفين عراقيين يطلقون فيه صرختهم quot;نحن نتهمquot;... جاء فيه:

اغتيال الكاتب المسرحي والصحفي هادي المهدي منعطف في مسيرة العراق.
كل الاغتيالات والقتول التي ارتكبت بعد التغيير الكبير الذي حدث عام 2003 في كفة وحادث هادي المهدي في كفة.
ان حياة الفرد مقدسة. ان ضحايا الارهاب والعنف كلهم محترمون، كلهم مغدورون، كلهم مظلومون، وجميعهم يحتاجون منا، ويتوقعون منا، استذكارهم، ويأملون منا، من التاريخ، من عدالة الأرض، ومن عدالة السماء، انصافهم.
ولكن يجب التفريق بين عراق الفوضى، وبين عراق الاستقرار النسبي، بين البلد في ظل الحرب الأهلية، وبينه في ظل عملية سياسية جنحت الى السلم، وسلطة نامية أصبحت قواتها الأمنية من جيش وشرطة واستخبارات تعد اليوم بالمليون نفر.
في ظل انهيار الدولة، والفوضى التامة، كان كل شيء يقع تحت دائرة الاستهداف، الحجر والبشر. كان البلد كله قد تحول الى قصة موت معلن. تلك كانت، الى حد كبير، حرب الجميع ضد الجميع. كان الارهاب وكان العنف عادلا في توزيع الموت على الجميع، الأكاديمي والزبال والبقال والحمال والطفل والعجوز والصحفي والمرأة والحلاق والموظف.
كان العراق قصة موت معلن. وكانت الميليشيات، سنية وشيعية، هي بطلة القصة، وهي المتهمة.
ولكن مع توجه الجميع تقريبا الى الخيار السلمي، ومشاركتهم في انتخابات 2010 ، وتنامي قوة الدولة، دخلت البلاد في طور جديد، انتهت معه الحرب الطائفية، وبدأ الأمن النسبي يتحقق ويسود.
وكانت تظاهرات الاحتجاج بدءا من 25 شباط 2011 من أبرز العلامات الفارقة للطور السلمي الذي دخله العراق. كانت تمثيلا لولادة حرية التعبير، وللرقابة الشعبية في البلد. وكانت دليلا على ان البلد، او بعض فئاته المتنورة، شرع يفكر في الحياة، وينفتح على جواره الاقليمي، ويتأثر به، ويتلمس في ظروفه أشياء وأسبابا مما في ظروف محيطه التي فجرت quot; الربيع العربيquot;، ومن هذه الأسباب الفساد، انغلاق الطبقة السياسية، وتمحور اهتماماتها في بؤرة الصراع على السلطة والثروة. يضاف الى ذلك في حالنا تدهور الخدمات والاضطراب الأمني والمصير المجهول لمستقبل البلاد.
وكما كان متوقعا فان الحكومة العراقية خصوصا، وأطراف العملية السياسية عموما، نظرت بعين الشك، والإدانة والعداوة، الى تظاهرات ساحة التحرير في بغداد، والى شقيقاتها في بقية المحافظات.
وكان شخص المغدور هادي المهدي نموذجا طبقت عليه هذه النظرة. كان من اوائل ضحاياها. وكان من ابرز منشطي الاحتجاج العراقي. ففي اليوم نفسه الذي انطلق فيه الاحتجاج العراقي( 25 شباط)، وبسببه، تولت قوة من الجيش إهانة وضرب هادي مع ثلاثة من رفاقه في حادثة تنكيل علني مشهورة، ثم اقتادتهم بمركبات عسكرية الى أقبية سرية تعرضوا فيها الى انواع من التعذيب تحدثوا عنها بتفصيل الى الاعلام بعد اطلاق سراحهم.
وعلى الرغم من الضجة التي اثارتها تلك الحادثة الشنيعة، محليا ودوليا، فان الحكومة سكتت عنها، وكأنها لم تكن. في مرة ثانية تكررت الحادثة مع شبان متظاهرين آخرين، اضافت فيها القوات الأمنية، الى الإعتقال التعسفي والتعذيب، تهمة التزوير في وثائق رسمية. ثم قدمت الحكومة اخيرا نسختها العراقية من quot; موقعة الجملquot;، يوم انزلت المسلحين بالعصي والسكاكين الى المتظاهرين في ساحة التحرير.
وفي كل هذه الحوادث أظهرت الحكومة انخفاض منسوب احترامها لحرية التعبير الى درجة الصفر، وكشفت عن غياب حساسيتها تجاه كرامة الأفراد، كما عبرت بمثل هذه الأفعال الشنيعة عن اعتمادها نهجا منظما لإشاعة الخوف، وهو النهج الذي يعبد الطريق لقيامة الإستبداد.
وجميعنا يتذكر ان المغدور هادي المهدي عندما تعرض الى الإهانة والضرب، والإعتقال من دون مذكرة قضائية، والتعذيب، تقدم بشكوى الى القضاء على رئيس الوزراء السيد نوري المالكي بوصفه quot; القائد العام للقوات المسلحةquot;، ثم أعلن في بيان الى الرأي العام العراقي بأنه بعد نشره لتلك الدعوى، يحمل الجهة التي شكاها مسؤولية تعرضه الى أي خطر.
أما وقد وقع الخطر الذي ما بعده خطر، واغتيل هادي المهدي، فاننا نشاركه تحميل الحكومة المسؤولية، ان لم يكن لشيء، فلأنها أولا وضعت ظاهرة الاحتجاج في دائرة استهدافها، وثانيا لأن أمن الأرواح والممتلكات هو أصلا أمانة في يد الحكومة، أي حكومة، ومسؤولية لا تعلو عليها اي مسؤولية لدى اي سلطة.
ان مأساة هادي وطنية بقدر ما هي فردية. فالراحل، ومن خلال نشاطه العام في تظاهرات ساحة التحرير، لم يعد يمثل شخصه فحسب، وانما اصبح يمثل واقع حرية التعبير في العراق.
ان حرية التعبير، التي ظلت تعبر عن نفسها منذ 25 شباط اسبوعيا كل جمعة في التظاهرات، باتت وسيلة وحيدة لدى قطاعات متنورة من الشعب، في الاحتجاج على عملية سياسية مسدودة الأفق، معزولة عن هموم الناس، وذات بنية مغلقة لا تنتج سوى المزيد من الفساد وتدهور الخدمات والأمن.
ان ما يراد لقصة هادي المهدي احد ابطال هذا الاحتجاج هو ان تكون هي ذاتها قصة حرية التعبير في العراق: الرجل أهين، ضرب، اعتقل، وعذب في مرحلة. لوحق بعد ذلك في عمله ورزقه حتى اوقف برنامجه في احدى الاذاعات المحلية. ثم جاء اغتياله في اطار تطور دراماتيكي هدفه ان يكون كاتما لأصوات الاحتجاج، لحرية التعبير، لوسيلة الشعب الوحيدة في الاعتراض، في الرقابة، وفي الإعلان عن الألم!
لا الحكومة، ولا أطراف العملية السياسية، مبرأة من هذه الجريمة البشعة.
نحن نتهم! وليست لدينا اي آمال أو أوهام في امكانية تحقيقات قضائية تكشف عن الجناة. ولكننا رغم ذلك نبقي التساؤل:هل ستتمكن السلطة بأجهزتها الضخمة ان تكشف للشعب الذي انتخبها خيوط الجريمة وتقتص من جناتها؟ أن تثبت أنها مختلفة قليلا عن النظام السابق؟
ومهما كان فاننا لن نتوقف عن المطالبة بكشف الجناة بكل طريقة ممكنة بما في ذلك السعي لإجراء تحقيقات على مستوى دولي مستقل.
نحن نتهم! ونحن للأسف نتوقع الأسوأ!
انهم يلاحقون بذور quot; الربيع العربيquot; في ربوعنا ويحاولون اجتثاثها!
المجد لهادي المهدي شهيد الحرية والعار للجناة!

nbsp;

nbsp;
الأسماء الموقعة:

خالد القشطيني
صلاح نيازي
nbsp;فوزي كريم
غانم حمدون
فيصل لعيبي
عبد المنعم الأعسم
هاشم العقابي
رضا الظاهر
فاضل السلطاني
لؤي عبد الاله
د.علاء بشير
معد فياض
يوسف الناصر
صفاء صنكور
احسان الامام
احمد المهنا
عبد القادر الجنابي
nbsp;

nbsp;