: آخر تحديث
"إيلاف" تقرأ لكم في أحدث الإصدارات العالمية

آدم وحواء بين الجنة والأرض: في نقد ما نعرفه من رواية التكوين

"صعود آدم وحواء وسقوطهما" كتاب مغامر، فيه يضع ستيفن غرينبلات تحت المجهر ما نعرفه عن رواية التكوين، وعن طرد آدم وحواء من الجنة، حيث كان العالم واسعًا أمامهما.

إيلاف: ما زال عالمنا متدينًا بشكل عام. وكما يبيّن البروفيسور ستيفن غرينبلات، المؤرّخ الأدبي وأستاذ الإنسانيات في جامعة هارفرد، في كتابه "صعود آدم وحواء وسقوطهما" The Rise and Fall of Adam and Eve (مكون من 432 صفحة، دار بودلي هيد، 25 جنيهًا إسترلينيًا) عن سفر التكوين، فإن أساطير كانت تفرض الإيمان بها تراجعت، لكن في حقبة "ما بعد الحقيقة"، ما زال الخيال والوهم يحددان حياة كثير من البشر، بينهم المتشددون من أتباع الديانات السماوية. 

نقد الأسطورة
غرينبلات المعروف بكتابته سيرة حياة شكسبير وتأسيسه مدرسة "التاريخانية الجديدة" في النقد الأدبي لم تعد قائمة، يفكك أشد الخرافات رسوخًا وثقلًا. فإن سفر التكوين ابتدع قصة تروي أين نحن، ولماذا نحن، حيث نوجد الآن، وتحدد قواعد لسلوكنا. وكان التاريخ البشري في الغرب المسيحي تاريخ صراع مديد مع هذه الحكاية التي من عواقبها تحريم اكتساب المعرفة والتزمت الأخلاقي في العلاقات الجنسية، واعتبار آلام المخاض والموت المحتوم عقوبات إلهية على عدم الطاعة. 

الأوهام لا تزال ترسم ملامح حياة بشر كثيرين

يتابع غرينبلات آدم وحواء بعد طردهما من الجنة، ويبيّن كيف أُثقل كاهلهما بعبء إضافي من الأثم على يد القديس أوغسطين صاحب الفكرة القائلة بالخطيئة الأصلية، ليجعلنا كلنا مسؤولين عن الانتصاب العفوي الذي أحرجه في أحد الحمّامات العامة. 

يرحّب غرينبلات برد الاعتبار إلى آدم وحواء على أيدي فناني عصر النهضة، مثل مايكل أنجلو أو دورر، الذين نظروا إلى آدم وحواء على أنهما نموذجان للجسد الأمثل، وليسا ضحيتين طردهما إله غاضب من جنانه. في النهاية يستحضر غرينبلات دارون للإجهاز المبرم على أسطورة آدم وحواء.

نهاية الأسطورة
في أوغندا، يدرس غرينبلات عائلة أخرى أنجبها نظراء آدم وحواء، هي عائلة من قرود الشمبانزي، ما زالت محتفظة ببراءتها، كما يقول. 

في الطريق إلى نهاية الاسطورة، كثيرًا ما يجد القارئ في كتاب غرينبلات روايات مثيرة عن محاولات لعقلنة اللامنطق في الأسطورة، وحشدًا من الهرطقات المسلية. فاستنادًا إلى أدلة إحفورية، قدر عالم رياضيات فرنسي عاش في القرن السادس عشر أن طول آدم كان 37.5 مترًا، وتوصل خبير آخر إلى أن آدم عاش 930 عامًا بالتمام والكمال.

في التلمود، تكهن أحد الحاخامات بأن آدم حاول، قبل أن يطلب من الله أن يخلق له شريكة، ممارسة الجنس مع جميع الحيوانات الأخرى. 

كان صانعو الأيقونات يتوجسون من رسم آدم بسُرَّة، لأنه لم يولد من رحم أُم. وتساءل مارتن لوثر لماذا ساير آدم حواء وأكل الثمرة المحرمة، وخلص إلى أن آدم فعل ذلك ليرفض حياة عبودية من العرفان الدائم بالجميل عن طريق الصلاة والابتهال.

ألا نعرف أكثر
المثير في كتاب غرينبلات "صعود آدم وحواء وسقوطها" هو الإحساس بانقسام ولاءات الكاتب ومعتقداته. فالكتاب مسكون بالقلق وحيرة المؤلف، كما احتار جون ميلتون وتشارلز دارون من قبله، بين احترام المعرفة الرصينة وقبول الحكايات الأسطورية التي نعيد بها تصميم عالمنا الفوضوي الذي هجره الفرح. 

لم ير دارون ضيرًا في أن نظريته عن أصل الأنواع تقوّض اللاهوت، ولكن ما كان يؤلمه أن عقله لم يعد يقدّر الشعر الرومانتيكي ويجد شكسبير "مملًا إلى حد لا يُطاق". 

غرينبلات يذهب إلى حد التوصية بأن نأخذ على محمل الجد إدعاء ميلتون القائل إن قصيدة الفردوس المفقود أملتها عليه ربة إيحاء سماوية كانت تزوره ليلًا، وتجلس بجانب سريره. 

يرى الأكاديمي بيتر كونراد، أستاذ الأدب الانكليزي في جامعة أوكسفورد في مراجعته لكتاب غرينبلات، أن هذه العبادة للعبقرية من جانب أكاديمي مثل مؤلف "صعود آدم وحواء وسقوطهما" غريبة بغرابة قبول ما يرويه سفر التكوين في الكتاب المقدس. 

الكتاب المغامرة
لكن كتابه لم يُدبَّج لتمجيد التدين، بل للإشادة بمساعي مفكرين إنسانيين اتسمت مواقفهم بالتحدي، وإبداء الإعجاب بالمساعدة الذاتية لجنس لم يخُلق كاملًا، ويوضع في حديقة تظللها أشجار مثمرة، بل أمضى آلاف السنين من التجربة والخطأ، قبل أن يكتسب ببطء مهارات معقدة، مثل صنع الأدوات وممارسة الفن وتعلم اللغة والقدرة على استخدام العقل في التعليل.

يحق لغرينبلات أن يسمّي كتابه مغامرة، لأنه في مجرى تأليفه زار المتحف الأثنولوجي في هارفرد، حيث درس هياكل عظمية تعود إلى أسلافنا منذ غابر الزمن، وزار صحراء جنوب إيران، فاطلع على نسخة من جنة عدن، وهي ساحة ترابية مزروعة بأشجار الأرز يرويها جدول يصب في بحيرة مرصوفة ببلاطات فيروزية. 

ينهي الكاتب مغامرته بزيارة جنة عدن من نوع متوحش هي غابات أوغندا. وهناك درس العادات الاجتماعية والجنسية لعائلة أخرى أنجبها نظراء آدم وحواء، أفرادها من قرود الشمبانزي، التي يقول غرينبلات إنها ما زالت في حالة من البراءة متحررة من عبء العيب والذنب الذي فرضه سفر التكوين على البشر. يختتم غرينبلات كتابه باقتباس ميلتون في وداعه المشجِّع لكل من آدم وحواء عند طردهما من الفردوس: "كان العالم كله أمامهما".

أعدت «إيلاف» هذا التقرير بتصرف نقلًا عن «الغارديان». المادة الأصلية منشورة على الرابط:

https://www.theguardian.com/books/2017/sep/03/rise-and-fall-adam-eve-stephen-greenblatt-review-fanfare-gods-first-couple


عدد التعليقات 8
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
1. ................
سميح - GMT السبت 09 سبتمبر 2017 07:00
ما خرج به عالم الرياضيات الأحفوري يصب في إعجاز السنة النبوية الشريفة .. في حديث للنبي محمد عليه السلام مايتوافق مع هذا الذي ذكره العالم الفرنسي ..( خلق الله آدم وطوله ستون ذراع .. إلى آخر الحديث ) .. أما ماورد من خزعبلات في التلمود من أن أحد الحاخامات قال أن آدم عليه السلام قد طلب من الله ذلك الطلب الغريب فأرجو أن تحذف هذه الفقرة من مضبطة هذا التقرير لأن هذا لا يليق بأبينا عليه السلام وحسبنا الله على هذا الحاخام الذي أورد هذه الافتراءات .. آمين .
2.
- GMT السبت 09 سبتمبر 2017 07:15
لا نظرية داروين مثبتة علمياً ، ولا براءة شمبانزي أفريقيا دليل على أن الشامبانزي هي أحد أجدادنا، وكل نتاجات العقل البشري التخيلي أو العلمي المثبت، لم تتوصل، حتى إلى دليل مقنع واحد على أصل الإنسان . لو افترضنا أن قصة التكوين في الكتاب المقدس ، هي فرضية أو حتى نظرية تحتاج للتجربة لإثباتها، تماماً كما هي حال النظريات ، وأخص بالذكر نظرية داروين المتعلقة بأصل الإنسان؛ لو كان الأمر كذلك فإن نظرية التكوين الإلهي التي جاءت في الكتاب المقدس، هي النظرية الأقرب للإقتقاد بها لأنها تنظم حياة الإنسان على أساس يدفعه لفعل الخير والعيش بسلام مع أخيه الإنسان. داروين نفسه تخلَّى عن نظريته بعد قادته المتعمقة للكتاب المقدس ، وقدَّم بيته كمتحف للكتاب المقدس، لأنه اكتشف السبب الذي دعاه للتخلي عن نظريته في تطور الإنسان ، وهو الهوة الساحقة بين الشامبانزي والإنسان من حيث القدرة على الكلام وتطوير علم الكلام أو اللغة . عندما يصل الإنسان لإثبات أصله بشكل دامغ ، من واجب كل المتدينين في العالم التخلي عن الإيمان بوجود الله ، الذي هو إيمان غيبي لا دليل عليه
3. للانصاف
فول على طول - GMT السبت 09 سبتمبر 2017 11:02
مازال سفر التكوين هو الكتاب الوحيد الذى سجل أو دون قصة الخلق والخليقة ...ومن يؤمن بوجود خالق علية أن يصدق ما جاء بسفر التكوين ومن لا يؤمن - وهو حر فى ذلك - من حقة أن يشك فى سفر التكوين ولكن علية أن يأتى بالدليل القاطع على ما يقولة ...كلام العلماء ودراسة الحفريات والتاريخ كلها تتغير ...العلم يقول شيئا واليوم التالى يتغير ويقول كلاما أخر .....عموما فان اللة الحقيقى لم يجبر أو يرغم أحدا على عبادتة وترك الانسان بكامل حريتة .
4. ألم يحن وقت نبذ خرافات؟؟.
عربي من القرن21 - GMT السبت 09 سبتمبر 2017 11:40
ونحن في القرن 21 والأرض بجنتها ليست سوى ذرة من صحارى الأرض و قطرة من بحارها ( بين تريليونات من الكواكب والنجوم ) , خرافات ستؤدي الى نهاية العالم والبشرية أذا أستمر أرهاب من يؤمن بها !!؟..
5. من خلق الكون والعالم؟
Syrian - GMT السبت 09 سبتمبر 2017 12:48
عزيزي القارئ يبقى السؤال المحرج من خلق الكون والعالم؟ مهما حاولتَ مراوغة الحق يبقى السؤال المحرج يحاصرك!! عذراً عزيزي القارئ فلا أنا ولا غيري يملك الإجابة الصحيحة على هذا السؤال إلا اتباع الظن وإن الظن لا يغني عن الحق شيئاً. ربما نعلم الإجابة في حياتنا هذه وربما نعلمها في الحياة الأخرى وربما لا نعلمها إطلاقاً، ولكن أياً كانت الإجابة فهي بالتأكيد تنطلي على حكمة أكبر قدراً من كل الأكوان وأكثر عدداً من كل المخلوقات. سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم.
6. معلومة تدمر عقيدة
المسيحية وتنسفها - GMT الأحد 10 سبتمبر 2017 15:26
القديس أوغسطين صاحب الفكرة القائلة بالخطيئة الأصلية، ليجعلنا كلنا مسؤولين عن الانتصاب العفوي الذي أحرجه في أحد الحمّامات العامة.
7. هل عبادة يسوع اختيارية ؟
ومالدليل على ذلك - GMT الأحد 10 سبتمبر 2017 16:17
بسم الله الرحمان الرحيم ، وما خلقت الانس والجن الا ليعبدون ، و لا اله بحق الا الله رب العالمين . ولكن عبادة يسوع اختيارية يا فول ؟ ولماذا محاكم التفتيش الكنسية ؟! اين الدليل على عبادة يسوع والدليل على ان عبادة يسوع اختيارية ؟ وهل هذا رأي كنيسة الارثوذوكس على الاقل ؟ انا اعتقد لو سمعتك الكنيسة بتكرز بهذا الكلام حتشدك من بيضانك على المزبره على طول يا فول
8. في القرآن قصة الخلق
الحقة والحقيقية - GMT الأحد 10 سبتمبر 2017 17:23
المسيحيون الغربيون مثل المسيحيين المشارقة أدت بهم تربيتهم الكنسية الى كراهية الاسلام وكراهية الحق ومنعهم ذلك من الاطلاع ما لدى المسلمين من علم حول قصة الخلق خلق الكون وخلق ادم وحواء كما وردت في القرآن والحديث الصحيح . نحن نعتقد ان كلاً من المسيحيين والملحدين على باطل ازاء قصة الخلق وليس لديهم الا الظن وان الظن لا يغني من الحق شيئا ، الطريق الصحيح لقصة الخلق من غير تطرف ولا تفريط هي في القرآن الكريم ذلك انه هو القصص الحق وما عداه هراء وظنون . ولكن يبقى اننا كمسلمين سنة مقصرين في توضيح هذه الحقيقة لدى المسيحيين الغربيين الذين لديهم الاستعداد العقلي - بخلاف المسيحيين المشارقة الذين يمنعهم التعصب والكراهية للاسلام والمسلمين - اقول لدى الغربيين للاستماع الى ما لدينا من حقائق حول قصة الخلق


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.


أضواء

هايل شرف الدين