: آخر تحديث

عيد اسطفانوس: بين الحقيقتين..


الأولى يوم ولدنا ونمنح اسما  نكنى به ،والثانية يوم نموت ويتم سحبه ونصبح مجرد جثمان، وهما حقيقتين مؤكدتين موثقتين شروق وغروب بداية ونهاية حياه وموت ولامجال فى أى تشكيك في أى منهما  على الاطلاق ، والحقيقة الاولى تبدأ بصراخنا لنسجل حضورنا ويبدأ العد التنازلى ، والثانية تنتهى بالصراخ علينا لنوقف العد عند الرقم صفر ونوارى التراب ، والمسافة بينهما هى أعمارنا هو المشوار المضنى اللاهث بحثا عن أو فى انتظار شيء لانجده أو لايجئ ، ونظل فى الانتظاروالبحث  وان جاء أو عثرنا عليه فهناك الذى يليه ونظل طول العمر فى البحث والانتظار وهكذا دواليك ،ولم يمت انسان الا وكان باحث عن أو فى انتظار شئ ما .
             وبعدد مليارات البشر السابقين والآنيين واللاحقين هناك شريط مسجل عليه دور كل واحد ،وهو مختلف تمام الاختلاف عن دور غيره تباديل وتوافيق أفراح وأتراح مرض وصحة امل واحباط فشل ونجاح ، والانسان لايتعظ من النسخة اليومية لحياته تشرق شمس وتغرب شمس وينام الناس مكدودين مرهقين بؤساء أو سعداء ، لكن يجب أن يناموا مجبرين فقد حان وقت الرقاد أو الموت الصغيرونصحوا لنكرر نفس الاشياء أو بالأحرى نفس الأخطاء،
            وفى رحلة الحياه يتساقط الأحبة فى الطريق ، وتبدأ رحلة الحزن المقررة على الجميع وبدأت عندى مبكرا، فعندما رحلت أمى وأنا لم أتم العقد الأول ذقت طعم الموت لأول مرة ، فراق مر وفقد مؤلم ووحدة لعينه  رغم أننى كنت أعرفه قبلا لكن عن بعد.
         وكلنا بلا استثناء لدينا أمل كاذب فى أن يستثنينا  الزمن من أحكامه التى لانقض فيها ولا ابرام ، ولكن هيهات فما دمت قد ولدت بزرع بشرفى يوم الحقيقة الأول  فالنهاية محتومة ، سيجئ يوم الحقيقة الثاني ولانفع لكل تلك المعارك  مع الزمن فكلها خاسرة حصيلتها قبض الريح ،فلا شد الجلود ولا شفط الدهون سيعيد الشيخ الى صباه ولن يؤخر ثانية من اقتراب يوم الحقيقة الثانى .
وبين الحقيقتين سنين من العمر أكلها الجراد  ضاعت فى الغضب ضاعت فى الحزن ضاعت فى صراعات فاشلة ضاعت فى الاحباط ضاعت فى الكبرياء الزائفة ضاعت فى صراعات الهيمنة والتسلط         والعاقل من يكف نفسه شر الدخول فى معارك خاسرة محسوم نتائجها مقدما ، لكنها الرغبة المحمومة فى الاسراع الى الوصول الى خط النهاية قبل الباقين  ، وبين الحقيقتين الازليتين الابديتين لاتوجد حقائق مطلقة ، كلها نسبية أو مختلف عليها أو نالت منها المستجدات ، بدءا من دارون وانشتاين ونيوتن وانهارت الشيوعية وتترنح الرأسمالية وكل يوم تولد نظريات وماتلبث أن تترنح غائبة أو منسية أو مشكوك فيها ، حتى العقائد تتعرض لهزات ضارية وحتى دوران الأرض وكرويتها لم يسلم من تشكيك .
           لكن تظل الحقيقتان صامدتان ساطعتان ولأننا لانتذكر لحظة الحقيقة الأولى فنحن نتعامى عن الثانية ، يأخذنا كبرياءنا ونشمخ ونتجبر ونعتقد أننا مخلدون ، وفجأه يضربنا كائن جبار لايرى الا تحت المجهر ويطرحنا أرضا لانستطيع حتى أن نهف زبابة من على وجوهنا ، ونقاوم بشراسة ليس حبا فى الحياه ولكن خوفا من المجهول المغلق على عقولنا وهو الحقيقة الثانية،  ورغم ماقيل ويقال وسيقال فيها وعنها ستظل محجوبة مبهمة مخفية الحديث عنها تعافه الانفس ويقبض القلوب .
          وبين الحقيقتين هى مساحة دورك فى الحياه  صغيرا كنت أم كبيرا، فى هدوء أو فى صخب كل يؤدى دوره ويرحل  ويليه غيره ، وتظل العبرة ماذا فعلت وكيف أديت دورك وكل منا سيجيبه ضميره لو سأله بصدق.
        وبين الحقيقتين يجرى الصراع المرير داخل الثالوث البشرى ،جسد بشهواته ونزواته وغرائزه ،وروح تنشد السمو والنقاء والعفاف ، ونفس حائرة فى التوفيق بين النزعتين ، وان كانت أحيانا أمارة بالسوء،  وتظل جولات المعارك حتى النفس الأخير ، وهم المفلحون من استطاعوا أن يجعلوا الجهاد من أجل القيم والمبادئ والمقاصد السامية هو سبيلهم فى الحياه .


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في ثقافات