قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

نورة البدوي ــ تونس

صلاح بن عيّاد هو كاتب و شاعر تونسي لم يستثنِ في كتاباته للشعر و الترجمة  اهتمامه أيضا بأدب الطفل فكانت له مجموعة من القصص الموجهة لهذه الفئة العمرية، ك ـــ رحلة رولا ـ و هي سلسلة متكوّنة من 8 قصص لأطفال الأربع سنوات. عن دار سيمي ايديسيون 2019، أما إصداره الثاني فكان معنونا بـ ــ ريكو وريكا ــ و هي الأخرى سلسلة متكونة من 8 قصص لأطفال الثلاث سنوات، "سيمي ايديسيون  2019"،  لتتوج هذه الثنائية بإصدار ثالث و هي  قصة عودة الورود ــ رواية للناشئة ــ عن دار زينب للنشر والتوزيع ــ 2019 و لقد وردت في سبعين صفحة موزعة على أربعة عشر فصلا. من خلال التصدير في قصة عودة الورود لم يخفِ بن عيّاد أنها موجهة إلى حيرة و أسئلة الأطفال التي لم تتوقف تجاه ما يجري من أحداث في تونس فيقول " إلى أطفال تونس في كل مكان، إليهم و قد حملوا أسئلة .. إلى تلك الحيرة التي شاهدتها في وجوههم الصغيرة تجاه غليان شارع بلد هم أيضا معنيون به." (ص3).
أسئلة و حيرة طفوليّة تجاه البلد و ما تعيشه من تجاذبات جعلت كاتبنا يخلق مشهديّة بصرية بلغة الكتابة و الخيال لتقريب صورة واقع " مشوّش " ؛ فكانت قصة مدينة الورود حيث التقت فيها المغامرة بالحكمة و التشويق من خلال شخصيات فاعلة ك"البطل قرنفل" و "الشرير شرّار" و "الشيخ الحكيم".لم تقتصر الحبكة السردية في مدينة الورود على خلق عنصر المفاجئة فقط و إنما فتح كاتبنا من خلالها أمام القارئ الصغير أجواءً من المشاركة بفعل التفاعل الخيالي و النسق السردي مع البطل قرنفل و هو يحاول استعادة مدينة الورود التي سرقها منهم شرار.  بهذه الثنائية خير و شر تنطلق الحكاية جامعة في مضامينها الأضداد و العبر لتكون قصة مدينة الورود .
عن هذه القصة الموجهة للأطفال كان لـ ايلاف هذا اللقاء مع الكاتب و الشاعر التونسي صلاح بن عيّاد.

-    من أيّ منطلق كانت فكرة كتابة رواية "عودة الورود"؟
تُفتتح رواية عودة الورود كالآتي "إلى أطفال تونس في كلّ مكان، إليهم وقد حملوا أسئلة لا أحد تمكّن من الإجابة عليها إجابة طفوليّة ضافية..." وعليه فإنّ منطلق كتابتها هي أسئلة الأطفال، الحيرة الّتي شاهدتها في وجوههم الصّغيرة. كانوا لا يكفّون عن رسم السّؤال المركزيّ على وجوههم "ما الّذي يحدث في تونس؟" كان ذلك عقب أحداث الثورة التّونسية، وما شهده المجتمع من اهتزازات وتغيّرات ملحوظة. أمّا الأطفال فأحسب أنّهم معنيّون بالفهم أكثر من غيرهم، لأنّهم براعم هذا المجتمع الّتي ستتفجّر عن ثمار مستقبليّة. إلاّ أننّا ولدواعي عدّة كنّا نبعدهم عن المشهد، كنّا نجيبهم إجابات متسرّعة، مستهينة بقدراتهم على الادراك. ربّما لأنّنا نريد حمايتهم ممّا يحدث، أو لأنّنا نحسب الأمر أعقد من أن يفهموه. وعلى إثر تجربتي الممتدّة على مدى 18 سنة في العمل معهم، تعلّمت ألا أستهين بالطّفل وأن أعدّ إجاباتي كأدقّ ما يكون، أن أعاملهم على أنّهم من تلك الآلهة الصّغيرة، الحاملة للقداسة والعمق. وهنا تتنزّل رواية "عودة الورود". فما هي سوى محاولة للإجابة على تلك الأسئلة الطّفوليّة الخطيرة. لست متأكّدا من كوني وُفّقت كما أرجو، لكنّي قرّرت من يومها أن أسخّر طاقتي للإجابة على أسئلتهم المتزايدة. 
وهي محاولة أيضا ومن ناحية أخرى، لتقديم حلول للكبار، الآباء والأمّهات، أولياء الأمور، الّذين ولعجزهم كانوا دائما ما يلتجئون لأفعال الأمر "اصمت، اذهب للنوم، الأمر أكبر منك، تفرّغ لدراستك، انجز فروضك"... أو يلقون بهم في فوّهات وحوش اسمها "الشّاشة" الّتي تمتصّ طاقاتهم وقدراتهم. وحتّى نفهم الأطفال ونقترب منهم، لنزر أوّل ساحة مدرسيّة ولنحاول فهم ما يدور بينهم: إنّهم نحن تماما، بكلّ زبدنا وحيرتنا، رأيت مظاهراتهم، واستمعت إلى شعاراتهم، ورأيت بينهم صورة لوزراء ومديرين ورؤساء ووصوليّين ومصابين "بعدوى الكبار". 

 ــ نجد في "عودة الورود" جملة من الثنائيّات: خير/ شرّ، ظلام/ضوء، خوف/شجاعة، تسرّع/ حكمة... هل هي إقرار بالوظيفة التعليميّة لأدب الطّفل؟
لا يمكن أن يقف طموح الكاتب هنا، أن يكتفي بدور المعلّم في الأدب. كما لا يمكن للطّفل أن يتوجّه إلى القصص والرّوايات فقط من أجل أن يتعلّم. قد يكون في ضيق من هذا الدّور الّذي نريد اختزاله فيه. إنّنا نكاد نعتبره تلميذا أزليّا، لا يفعل سوى تلقّي تعليماتنا وقواعدنا دون ردّة فعل. الطّفل يحلم أيضا، ومن واجبنا فتح هذا المجال له، أن نكتب له أدبا حالما، أن نثير فيه تساؤلات وأجوبة، أن نترك له ثغرة منها ينقد ويبرّر شخصيّته، أن نُشرع له بابا واسعا للثقافة ولتكوّن الذّوق الرّفيع. 
وفي هذه الرّواية الّتي نقترحها عليهم ومنذ العنوان "عودة الورود" حاولنا أن نستدعي الطّفل إلى جوّ أرحب وأكثر فساحة من معيشهم اليومي، المُعاد والمتكرّر. كما حاولنا أن نبني شخصيّات قريبة منهم، تحمل أحلامهم وهشاشتهم، تفرّدهم وشواغلهم، طرافتهم وظرافتهم. فالبطل "قرنفل" هو داخل كلّ طفل ميّال بطبعه إلى الانتصار على الأشرار في حروبه الخيالية اليوميّة. هشّ هشاشة القرنفلة، صلب صلابة رموزها. إنّه الأطفال بكل اقتضاب ـ هم كما الورود تماما يعيشون في عالم فيهم من يسقي هذه الورود وفيهم من يقطفها بأنانيّة. هم في هذا العالم حيث تقف الثنائيّات وجها لوجه للتصادم، للتقارب أو التّباعد. وللطّفل دوره فيما يحدث، إنّه صاحب إرادة وله قيادة العالم لو شاء. 

 ـــ الخيال واللّغة والمغامرة، ثلاثية في "عودة الورود" هل يمكن القول أنها "أسلوب" كتابة؟ 
إنّها في رأيي مقوّمات كلّ كتابة، لا سيّما الكتابة للطّفل. فهذا الطّفل بحاجة للخيال حاجته لضروريّات الحياة فهو دائما ما تراه ومنذ نعومته في عالمه الخاصّ يقود مقوّمات سرديّة صغيرة، يستدعي لها شخصيّات يختارها من ألعابه ودُماه. فيعقد بينها علاقات وحوارات ويزجّ بها في مغامرات وملاحم طفوليّة لا تكاد تنتهي. أمّا اللغة، فهي هذه الوسيلة الّتي مازال الطّفل عند بوّابتها، يحاول اكتسابها يوما بعد يوم. وكلّما اكتسبها كلّما قلّت الهوّة التي تبعده عن الآخرين، لذلك على كلّ كاتب يخاطب هذه الشّريحة العمريّة أن يعتني تمام الاعتناء باللّغة وأن يوليها أهمّيتها القصوى. أمّا المغامرة، فهي هذا المقوّم الأساسيّ الذي يبحث عنه كلّ طفل. الطفل معنيّ بالمغامرة أكثر من أيّ كائن آخر في هذا العالم، ولو طلبت منه تلخيص قصّة ما، فإنّه سيذكر المغامرة بكلّ تفاصيلها، لأنّه وكما تقتضي طبيعته الطفوليّة سهل التّماهي مع هذه المغامرة. وهي مقوّمات حاولنا الاشتغال عليها في روايتنا "عودة الورود"، ففي مدينة خياليّة، تدور مغامرة طفل يحاول إعادة الورود الّتي اختفت من مدينته "مدينة الورود". فيواجه كائنا خياليّا "شرّار" في مغامرة ملحميّة يشرك فيها أطفال مدينته. أمّا اللغة في "عودة الورود" فقد وضعنا لها خبرتنا البيداغوجيّة. فحاولنا اثراء الوصف دون اغفال الحبكة السرديّة. ونرجو أن نكون قد وُفّقنا في ذلك. 

-هل تُعتبر "عودة الورود" هي مغامرة الكاتب في ظلّ انتشار ثقافة الكرتون ولغة التكنولوجيا؟ 
هي نوع من المجابهة. على كاتب الطّفل اليوم أن يجابه وينافس كلّ الوسائط السّاحرة بكلّ ما أوتي من قدرات. أن يحاول افتكاك الطّفل منها القدر المستطاع. أن يجعله ينجو ولو للحظات. فالسّائد ليس في صالح الطّفل ولا في صالح الطفولة. إنّه سائد عجائزيّ، يغلب عليه السكون وتغيب عنه الحركة. ترى الطّفل مشدودا في عمليّة استيلاب برّاقة من طرف شاشة التلفاز، التي دائما ما اعتبرها ساحرة شمطاء تعيش على أذهان الأطفال هذا إلى جانب تلك الشّاشات الصّغيرة حيث تنتشر ألعاب لا تخفى "فعائلها" عن أحد. في مقابل كلّ هذا يقف كاتب الطفل بآليّاتها البسيطة ظاهريّا، ويحاول تعديل الكفّة. نعم، إنّها مغامرة كلّ كاتب أن يقتحم السّلب العامّ بأوراقه ولغته وخياله. أن يعيد السجناء إلى حرّيتهم. أن يخلّص المسحورين من السّحر والشّرور الحديثة. لسنا متأكدين من النّجاح، لكن علينا ألاّ نستسلم. سنكتب للأطفال ما حيينا. 

ـ هل على الكاتب أن يتقمّص دور الطّفل وأن يفكّر بطريقته حتّى يستطيع الكتابة له؟ 
أن أتقمّص دور طفل، ذاك ما لا أكفّ عن فعله شخصيّا، سواء بالكتابة أو من دونها. فالطّفولة هي روح الانتصار على السّياق العجائزي السّاكن. أمّا الكتابة للطّفل، فهي لا تستحقّ كلّ هذا "السّحر"، إنّها فقط اقتراب من هذا العالم، إنه عمل يعتمد على فهم الطفل وتنزيله ضمن السّياق العام. ماذا يحتاج طفل اليوم؟ هل يحتاج قصص الجنّيات؟ هل يحتاج حكايات الأمراء والأميرات المسحورات اللاتي يتخلصن من سحرهنّ بقبلة؟ سيسخر منك طفل اليوم وأنت تحدثه عن كلّ هذا. فهذه حيل ما عادت تنطلي عليه. على الكاتب اليوم أن يكون ضمن ما يكون بيداغوجيّا كبيرا، خبيرا نفسيّا، أبا وأمّا، طفلا أيضا، لِمَ لا؟ على الكاتب أيضا أن يكون حيويّا، غير مملّ، يغيّر مسار الحدث دائما، يفاجئ، ينصب الشّرك ويضع الطفل القارئ في وضعيّة "جوع للقراءة". عليه أن يقنعه منذ السّطر الأوّل أنّ انهاء القصة ضروريّ جدا كالماء والهواء. 

 ــ مَنْ مِنَ كتّاب الأطفال الّذين أثروا فيك؟ 
هم كثر ولعلّ أهمّهما على الاطلاق الفرنسيان "شارل بيرو" و"دانيال بانّاك". فشارل بيرّو صاحب الحكايات المعروفة والتي صيغت مئات المرّات واستفادت منها "والت ديزني" وغيرها. تنتشر حكاياته ولا يتجاوز اسمه القرن السّابع عشر حيث كان يعيش. فمن لا يعرف "حمراء حمراء"، "الأميرة النّائمة"، "سندريلا"، "بياض الثلج" وغيرها ومن يعرف شارل بيرّو؟ 
أمّا دانيال بانّاك فهو المعاصر الذي سخّر حياته للطّفولة، كتابة وتنظيرا. وهو المدافع عن الطفولة حتّى أنّه أصبح يفتتح كتبه بـ "الرّجاء عدم استغلال كتبي في تحميل الطفل هذا العقاب البيداغوجي". كتّاب آخرون لا يمكن أن ننكر لمساتهم فيما نكتب سواء من العالم بأسره أو من العالم العربي، حيث نذكر المصري كامل الكيلاني وغيره. وإلى جانب الكتّاب هناك الحكاية الشفويّة الّتي تربينا على سماعها، وإذا ما سمح لي باعتبار جدّتي "زهرة الحبّاسية" كاتبة فهي أكثر تأثيرا فيما أكتب للطفل من غيرها من الكتّاب الآخرين. لقد رافقتني وراء منسجها وهي تدقّ الصوف بإيقاع منتظم دون أن تكفّ عن سرد الحكاية وراء الأخرى. حتّى أني أستطيع اليوم أن أكون أكيدا من أنها كانت تنسج معظم حكاياتها من مخيلتها الخصبة. تلك المخيلة، إنّي ما أحاول استرجاعها وأنا أكتب للطفل من وراء منسجي الخاص. وفي النّهاية، مكّنني تكويني في مجال المسرح المطبق بيداغوجيا الموجه للطفل من الاقتراب أكثر من هذه الشريحة، وما عملي معهم سوى ورشة كبرى مفتوحة فيها أصقل قصصي وروايتي. 
ملاحظة أخيرة: لعدم استهانتي بالطفل، أكتب له رواية كما يفعل الفرنسيون مثلا. لا أعلم لماذا تقتصر الكتابة له على القصة القصيرة وكأننا نخاف عليه من طول الكتاب. يمكن للطفل أن يقرأ كتابا ضخما على مراحل، وهو تمرين جدّ مفيد، لتربية الانضباط عنده والارتباط بنفس العمل لأطول ما يستطيع. و"عودة الورود" هي رواية موجهة للطفل وفي انتظارهم روايتي الجديدة التي هي قيد الطبع، وهي رواية تاريخية عنوانها "دهليز القائد علي" تُنشر قريبا كما أتمنّى.