قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

وهو في المطبخ رأى زوجته تمر من أمامه من دون أن تأبه لوجوده، تخترق الجدران بكعبها العالي وتغيب خلفها، ترتدي فستانها الأصفر الفاتح. ينعكس الضياء عليه فيتغير لون عينيها، يصبح سينما سكوب بالألوان، ويصاب بالدهشة، هي ليست مثلنا نحن الفانيين، هي فيلم الشباب دائم.
تبدت له حاجة الخروج ليتبع زوجته. إلى الآن مازال يسمع صوت حذاء الكعب العالي من مكبرات السينما سكوب. طرقات زينب تبتعد، ترجع صدى سكة قطار يمر يمر يمر خلال جبال الضباب ووقف بعد خطوات عند سكة القطار، يتغلغل قلبه إلى العدم، إلى عالم أين ذهبت. ربما الى عملها مع اعتبار أن اليوم قد تغير فلم يعد هناك وقت للعمل ولا وقت لأن تمر ساعة النهار كما كانت تمر حين كان يستيقظ الناس في وقت واحد فيذهب الطلبة الى المدارس والعمال الى المعامل وتتصاعد بالتالي بعد الظهر أدخنة الانتظار في المنازل كي يعودوا اليها. هذه الرتابة استمرت لأكثر من ستين عاما توقفت الآن ورسم القدر للناس متاهة يضيعوا فيها.
الأشياء لا معنى لها. حين خرج من منزله قالت أمه أن يبقى في المنزل لأن الطائرات قد تعود، اللا معنى كان في أول خطوة خروج. العناكب تملأ الشارع وأشكال الانتروبيا قد تفاعلت ليلة أمس وسرّعت الانحلال حتى إذ جاء الصباح اختفى الفجر وتحولت البلدة الى عالم أموي قديم، يتكوم فيه الحصى وتتراكم الحجارة في الشوارع –وكان على أمي حين أخلت المنزل ان ترفع جسدها المسن فوق الهدم، وإن لم تستطع حملّها الأبناء خطوات وأذرع – الهدم المنحدر الذي تحول للتو الى مقبرة وكان الى جانبه صوت معاق يصرخ ويد امرأة اسفل الركام.

حين خرج من المنزل، ظهر أمامه المنزل بطابقين وهو كومة ركام، حصى وترابا. اختفت الروح التي كان يشعر بها حين كان يمر من جانبه في الماضي. لم يعد للطابقين ظلال، والرائحة الآن غبار مشبع برائحة ليست من البارود، رائحة لا يحسن وصفها، حين يشمها كما لو أنه ينزل إلى مقبرة ويشم أمواتها، هاوية بنية اللون، حمراء، صدأ الوعي، وجفاف التخاطر ونضوب الألفة.
الآن وقد أخرجوا الجثث، ظلت تحت الركام يد مبتورة يظهر منها أصابع كف --------- أحيانا ترتعش الأصابع، وهو الموت إذ يحن للحياة، يتذكر الحياة، والواقع في لحظات كذا يزدهر الموت ويصبح جنبا الى جنب مع الحياة، يتساوى ويصبح معها زميلا وأخا.
رأى زوجته تقف عند مصنع الزراعة، تتأمل شيئا أبعد من مصنع الزراعة، وأبعد من الدمار الذي لحق البيوت القريبة منه، فتوقف مكانه ينتظر لأنه لا يمكن أن يصل المكان التي هي فيه. دوما هناك مسافة الخطوات بينهما. وهذا مايفعله الحب في أنفس البشر، الحب حين يكون حقيقيا يبني مسافة بين الأثنين. هي لا تدري، إن هناك حبا عميقا في نفس قرينها، لا تدري أن الحب أغلق أبوابها وسمْعها ولم تعد تراه. الحب الأعمى الذي يبني جدران اللا مبالة حول صاحبه.
كانت وحيدة، وطبقات رياح الجو تهبط نحوها كي ترج أشرعتها وتخفق، وهنا يعوم المحب مندفعا في مياه متوسطية. يده على الصاري وعيناه نحو الصفر، ضفة تبتعد وتصغر وتصغر مع أضواء ترتعش لمدينة بعيدة فانية، رسمت للأفق طريقا متعرجا.
خرج من أجلها وليس من أجل الدمار الذي لحق البلدة ليلة أمس. قال سيرى ما ستفعله.
سيجتمع اليوم كل من في البلدة لتقييم الخراب، كي يعرفوا أين ستكون موطئ خطاهم المقبلة، أين هي البلدة وأين هو الله.
كان الناس يمشون على سلم الفضاء، ينظرون الى السماء، ويتساءل البعض لم كل ذلك؟ إن جاءت الطائرات فسنسمعها قبل أن نراها ولن ينجو منها أحد إن كان في منزل أو شارع، تأتي القذيفة الخارقة –وتذكر البعض ملجأ العامرية – لا يحرسنا سواه، يقولون ذلك لأنهم عزل بمعنى أنه لا ملاجئ قادرة على حمايتهم. حتى لو كان الإيمان عظيما والآلهة عظيمة يبقى الخوف يهز المرء ويفتح في كيانه أعماقا لم يرها فيما سبق. لم يتخيل أحد أن الخوف سيصل الى تلك الأمكنة الخفية في النفوس التي تجعلهم غير ماكانوا عليه.
لكن سليمان كان وراء زينب.
لم ير ما رأوه. ويحس إن العيش في الحب يحميه من أرض الرصاص والفظاعة التي تخترق المكان. ليست الملاجئ ولا الجدران المصمتة من يحمي بل الحامي هو الحب. كان ينظر إليها وكانت تنظر الى مابعد المصنع الزراعي حتى أن جدرانه العالية من ثلاث طبقات، لم تقف عائقا ولم تصد نظراتها. إن لم تكن تنظر الى حقيقة المكان أين إذن تنظر بعينين شاردتين ساهمتين.
ربما إلى الدمار القادم. وكيف تنتقل الحياة إلى الموت. لا نحتاج الكثير من الزمن كي نسقط في ماضي الموت، في الما، في أرض عراء خرقاء لا نأمة فيها. العودة الى الما حياة، في كل خطوة ونحن نحول العالم الى ثقب أسود.
مرت امرأة عجوز مقعرة، كسرها الزمن، تستغرب وقوفه بعيدا عن الحشد، في كلماتها الخوف إن كان سليمان يرى مالا تراه، الخلاص، فسألته: تقف يا بني هنا لا تتحرك تنظر إلى ماذا. الناس يتابعون السير حتى يصلوا الى الشارع المدمر. وتبعت أثر نظراته فعلمت إنما ينظر الى حبيبة مفقودة في أفق ضائع.
تمخر السفن الأمواج المرتفعة، تصعد مع ارتفاعها وإن تختفي الموجة من البحر على نحو مباغت تفقد السفينة مكانها فتسقط تبحث عنه، ترتطم بالرعد فتتهشم النهايات. هل ستأتي مرة أخرى؟ لكنه لم يجبها. من أين يعلم صيغة جواب لسؤال فيه من الخوف أكبر مما فيه من الحقيقة.
والشمس في السماء. هادئة، تتغلغل خيوط دخان النفط، حراقات زيت كسروا أنابيبه، وقد أمست غيوما سوداء – يتحول الزيت المسروق الى سواد يزحف ببطء في الأعالي، يؤكد ببطئه العجز الذي وقع فيه الهوام.
كان يسمع صوت جبور في أذنه، صوت ينحني نحو الأرض كي يسير مع الحصى والرماد.
ليس هناك سوى عمل صامت لإخراج الجثث، ميتون يخرجون ميتين، يجرونهم من تحت الأنقاض الى المقبرة القريبة عند بيتها
عند البرندا.
عند شعرها.
دكاكين السوق المهدومة
كان الناس ينظرون الى السماء بينما يتابعون ما جاؤوا من أجله، أناس البلدة، أناس المقبرة، اناس الهدم الذين حين تحلق فوقهم الصقور يحتمون خلف التاريخ، وراء ستارة القدر- ابنة الجيران تحت السلالم تضع أصابعها في أذنيها وتصرخ ابعدوا الطائرات، ابعدوا المقبرة، وماذا يريد ابو صالح أن يفعل لها، ليصعد الى السطح، يومئ ليخيف الصقور التي عبرت الزمن للوصول إليهم.
وقف سليمان يرى إلى آلية اقتراب قدميه من زينب. تتحرك خطاه على أرض بليدة كي تسمعه وربما تلتفت الى حب لم يبدأ كي ينتهي، تتحرك قدماه الى حب غامض، الحياة لا يعرفها ولا يعرف كيف يمشي فيها.
وقالت العجوز: لك ان تتوقف عن هذا، أن تخرج من رأسك وتأتي معنا.
اقتربت منه الابنة التي تبكي، ابنة السلالم، وحين أصبحت لصقه شعر بحمى جسدها. كانت طويلة وشعرها مائعا، شعرها زيتْ، وهنا برق في رأسه هاجس الشيطان أن يقودها عائدا الى منزله، ينفرد بها هناك، يترك البرندا وذلك اليوم البعيد، أن يقول للوعي الجمعي: أها! أنا كما الخائنة زينب، أنا اليوم مع هذه المرأة، تقريبا انتقم.
إلا أن يد الله أبعدت هذا الخاطر. وإذ رفع ناظريه الى فوق رأى اليد تغيب بين السحب وتعود الى عمق السماء البعيد. هذه إشارة لأن يبقى كما هو، بالنسبة له، العالم يقدم له إشارات ورموزا بالغة المعنى وهي من آن إلى آخر تهديه الى الصواب.
سليمان الخلف، هكذا اسمه، يظن نفسه، بسرية لم يعلنها لأحد، أحيانا، أنه قريب من باب النبوة، ربما لأنه من وقت الى وقت يرى يد الله، ويحس بملائكة التقويم والهداية. فهو ليس وحيدا في هذا البلد الخرِب الذي وضعه الانسان المعاصر في محنة. الجميع وحيدون إلا هو، معه الله ومعه الملائكة ومعه فوق كل ذلك الحب. لكن زينب لا قدرة لها على إدراك هذه المشاعر، هذه المشاعر هي مشاعر خلق، يفكر بشكل جدي إن كانت هذه المشاعر هي خلق وتكوين أي أن التفسير البعيد لذلك هو من وراء غضاضة الحب ورقته تخرج قوة التكوين.
فكر بقوة الله وإرادة التكوين وزم على شفتيه من أجل المعجزة، كي يعيد الزمن، يقوّم الركام الذي يملأ المكان ويعيد الأموات الى الحياة. لكنه بعد هنيهة توقف عن الانصات إلى هذه القوى الخفية، كل شيء في النهاية جاء من قدرة الله ولا يمكن الوقوف في وجه هذه القدرة. لها أسبابها وعلاتها، لا شيء من دون علة، وتفكّر في كلمة "وماظلمناهم ولكن" ثم هذه الأفكار السريعة في رأسه اختفت وحل مكانها زينب.
يا زينب، السيدة، أنا أحبك.
لأول مرة. فراح يرقص، رقصة الحب في مأتم الركام. استخدم يديه وقدميه ورأسه وروحه، ينتقل من مكان الى آخر وعيناه ضاحكتان.
قال له بعض من الجمع المشرد الخائف الذي لا يكف عن النظر الى السماء، قالوا وهم ينظرون الى الركام: هل قتلت الطائرات عدوا لك كي ترقص فرحا هكذا؟

البعض قال، إن الأمر ليس كما تحسبون، دوما هناك صيغة عكسية للتخمين، إنه يرقص لأن الموت خرج عن الحدود، فأصبح البكاء فرحا والندب رقصا.
ضحكت سناء، اسمها سناء، امرأة السلالم، لأنها أيضا فهمت الأمر بشكل آخر، واقتربت منه. لن تأتي الطائرات بعد اليوم اليس كذلك!
فراحت تدور معه، دورانها لن يكون من أجل الرقص بل من أجل الطائرات، من أجل انتهاء الطائرات، وانتهاء الحرب، كما ملايين النسوة اللواتي وقفن يوما ما على رصيف سكة القطار ينتظرن القادمين، الجنود العائدين من الحرب الثانية. يحملن الأرز والورود والأطفال والضحكات وكل ذلك كان من أجل استمرار الحياة المتوقفة.
لم يكن يعلم أنه يرقص، كان يرقص في ميدان الما، الذي لا، حيث الوعي النائم، يحس بأقدامها وتدفع الحصى نحوه، ويستجيب لحنينها الذي يبحث عن آمان.
من أجل العزة، والمرأة الباكية حوله – هزت جسدها حين اقتربت منه لمرة واحدة ثم ابتعدت. وفيها انفتح أمامه، بالبرق، باب الحرية، على فسحة يريدها الجميع،... ولا يدري من أغلقها منذ زمن بعيد وأبقاها مغلقة، محرمة لسنوات ألفية.
رغب من باطن قلبه ان تبقى سناء معه
لكنهم ابعدوها.
أيتها الجارة لن تأتي الطائرات مرة أخرى، تعالي!ّ
لكنك "إنتي" لحظة البرندا
جسدك روحا وبواسطته فُتحت نافذة نحو الأعماق فوضع يديه على نهديها، على خصرها، جس حوضها وفخذيها وذهب بهما إلى الما بعد، كان وجهها وآمال الشهيق والهيييي (نسوة المياذين حين يقلن هيييي) ينتظره، أن الله خلق امرأة.
مرت أمامه فجأة فجأة سيارة ملثمين.
فتوقف عن الرقص وتحول الى تمثال، فجأة، تحول الى عمود حجر كان قد بناه المسلمون حين مروا بالبلدة عام 1300. تحول إلى لا إلله إلا الله –
نزل أحد الملثمين من السيارة التي توقفت، ولمسه بيده – لكنه يا سيدي حجر، عمود أبله لا روح فيه، فرفع الرجل جلابيته وبال على الحجر - بعد الوضوء وقبل توجه السيارة الى الصلاة.
كان الجميع ايضا، حين ظهرت سيارة الملثمين أمامهم، لا، لن، لم، نهي. وأين سناء، أين امرأة السلالم؟
لقد تحولت الى دجاجة بين الأرجل.