طيف التوحُّد مرض بيولوجي (اضطراب في نمو الدماغ) يتمثَّل في عدم اكتمال النمو العقلي، ويؤثّر بشكل مباشر على السلوك وعلى الأداء الاجتماعي، حيث يعاني مريض التوحُّد من تعطُّل في وسائل الاتصال مع الآخرين، ومثال ذلك عندما تناديه باسمه فإنه لا يرُدّ. إضافةً إلى ذلك يكابد مريض التوحُّد من عدم القدرة على الكلام، وفي حالات أخرى لا يستطيع المباشرة في الحديث، أو لا يستطيع المتابعة فيه أو إنهائه. أيضاً، نلحظ لديه النزوع للقيام بترتيب معيّن للأشياء، رافضاً أن يطرأ عليه أي تغيير. كما أنَّ نمطاً محدَّداً من السلوك قد يجذبه فيقضي حياته كلّها ضمن هذا النمط.
وبالمختصر فإنه يعيش نمطاً حياتياً قليل التفاصيل والمهمات، وقد يُبدع في مجالٍ ما. والسؤال الذي يطرح نفسه: هل بمقدور العلاج النفسي التأثير في الشفاء من هذا المرض؟ أو على الأقل في التخفيف منه؟ أو في منعه من الترادُف مع مشاكل أخرى؟ والحقيقة أن مسألة علاج طيف التوحُّد واحتمال الشفاء من عدمه تقع خارج نطاق العلاج النفسي. ولكنْ في مقدور طرائق العلاج النفسي منع كُرة الثلج من التدحرُج أكثر، لأن هذا النوع من المرضى معرَّضون للتنمُّر وللاستغلال الجنسيّ وللسخرية من قبل الآخرين، فيأتي الإرشاد النفسي بهدف تحصينهم ووقايتهم من هذا كلّه. ناهيك عن أن هذا النوع من الأمراض لا يأتي لوحده، بل يأتي مصحوباً بـ"كرنفال" كبير من
المشاكل النفسية. وعلى الوالدين يقع العبء الأكبر في احتواء وفهم مشكلة الابن وكيفيّة دمجه مع إخوته أو مع أقربائه ممَّن هم في سنّه. كذلك محاولة جعله نافعاً، من خلال تكليفه بأعمال صغيرة ترفع عن "أناه" الحصار وتُخرجه من سجنه الذاتي. فمثلاً إذا لاحظت الأمّ أن طفلها يأكل بيده مباشرةً، دون استخدام الملعقة وبطريقة غير لائقة، فعليها أن تحاول تعزيز موقف النظافة لديه من خلال تكليفه بغسل يديه وأن تُثنيَ عليه في كل مرّة وتقدّم له المكافأة. وإذا استنتجت بأن لديه ميولاً تجاه عملٍ ما فيجب أن تقوم بدعمه بكلّ ما يلزم لإتمامه. وإذا لم يُبادر فحريٌّ بها أن تبحث بنفسها، وهي تفعل كلّ ما بوسعها لدعمه معنوياً.

باحث سوري في علم النفس التحليلي.