قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

.. نفس الساعة ونفس الموقع من البادية وسدة القطار الترابية المهدمة ذاتها وطريق السيارات المهجور
.. يلوح من بعيد، كما عبر سراب، شبح مستشفى ( بيرفو غرادسكايا ) ومن خلال خطوط البناية العتيقة المتموجة تنط خارجة معالم غرفة خالية خافتة الضياء بسرير معدني فارغ طويت فرشه واغطيته
..كنت اخفقت في بحثي عن الليرة الذهبية التي اخفيتها في رَحلة من احد صفوف مدرسة مهجورة..أترك البحث في المدرسة..اخرج راكضا
..وجدت، وانا اتوجه صوب البادية، فوق اعالي خرائب الازقة المهجورة،الرَحلات معلقة على هيئة طائرات اثرية ذات جناحين، تعوم في الفضاء فوق الاطلال، دون طيار او تلميذ يجلس خلفها..اصل اخيرا لفضاء البادية الرحب.
..انا شاب العشرينات، اركض ممسكاً بحزمة اوراق بيضاء..اخي الكبير ينكفيء على وجهه ببدلته الانيقة البنية فوق الرمال، يرتب اكوام ليراته الذهبية في صفوف متوازية طويلة.. لا يلتفت نحوي..اتقدم صوبه..اقف معتذرا عن عدم قدرتي على تسديد دين الليرة الذهبية، التي اختفت مع رَحلات المدرسة الطائرة فوق الاطلال..
.. لا يعيرني اهتماما..يستمر في رصّ صفوف الليرات اللامعة فوق الرمال..انصرف عنه..
..اركض واسمع صوت انفاسي اللاهثة تختلط بعواء ريح البادية المقفرة..لا افلح الا بعد جهد في تسلق سد القطار الترابي للوصول الى الطريق الاسفلتي المهجور وراءه..ساعة ( اللونجين ) الضخمة، المعلقة في الفضاء من سيرها الجلدي، بلا عقارب.. احاول رغم ذلك وانا ارفع بصري مرات في محاولة عقيمة لاستشفاف الوقت..هل بقي من الزمن ساعة او ساعتين لألحق بموعدي في بيرفوغرادسكايا ؟!
..اركض بيأس، ورغم الاجهاد وحشرجة الانفاس المتزايدة وتسارع الركض، تبقى المسافة هي هي بيني وبين الطريق المهجور..
..الهث من التعب.
..أبقيت ساعة ام ساعتين على الموعد ؟ّ!
عليّ ان اصل باي جهد او ثمن..انها مسألة حياة او موت..يجب ان اصل.
..اتصبب عرقا وانا احاول التقاط انفاسي بصعوبة وكأن الهواء يصلني عبر خرم ابرة.. اسمع عواء ريح البادية الموحش..ارى غبارها العاصف ينزع عن قبضتي حزمة الاوراق وينثرها فتتطاير..اتابع الاوراق المبعثرة في الفضاء ببصري وانا اقف مخذولا دون اية محاولة للّحاق بها..
يجب ان استجمع قواي واجري من جديد صوب المستشفى..يجب..يجب..تخذلني قواي..اجهش بالبكاء بصوت مسموع.
افتح عينيّ على ظلمة الغرفة الساكنة ,,آستنشق الهواء الثقيل بعمق..أأخذ نفسا آخر اعمق وكأني اؤكد لنفسي انني لا ازال استطيع التنفس.
..امسح وجهي المتعرق بمناديل ورقية..اتناول قدح الماء..كل شيء مهيء لكوابيس الليل ولهذا الحلم الكابوسي المتكرر بالذات..اكنت اصل اليها في تلك الغرفة الخالية الموحشة مغبشة الضياء..هل كنت اصل في اللحظة الحاسمة لو اني جريت عبر الشوارع بشكل اسرع، او أن سائق الباص جهد لتجاوز عرقلة السير المزدحم وانا اقف الى جانبه احثه على ذلك..
اسحب كرسي العجلات قرب السرير..اتسلق مقعده.. اقترب من الساعة الضوئية ببصري الشحيح.. انها الثالثة بعد منتصف الليل.

* * *

انهيت نوبتي متأخرا نصف ساعة اضافية في ردهة رقم 8 الجراحية من مستشفى بيرفوغرداسكا كطبيب متدرب في سنته الاخيرة..الساعة هي الخامسة والنصف..الظلمة قد حلت في شتاء موسكو قبل اكثر من ساعة.
سرت عبر الممر الطويل متوجها صوب ( غالا ) رئيسة الممرضات لأعطي تعليماتي الاخيرة لها قبل ان اغادر.. الردهات الواسعة جميعها من المبنى العريق ذي المائتي عام تقع على الجانب الايمن المطل بنوافذه العريضة على حدائق المستشفى الغناء أما غرف الجانب الايسر من الممر، الصغيرة والمعدومة النوافذ فقد حولت الى مكاتب ادارية للاطباء والممرضات ومخازن للتجهيزات الطبية..هنالك عدد جد محدود منها، هيئ لمرضى الحالات الحرجة..
كان ذهني منشغلا وانا اسير بحالة مريض في ردهة 8 علي ان اقدم تفاصيل مرضه وحالته الراهنة وخطة علاجه لاستاذ الجراحة ورئيس قسمها والذي يحترمه ويرهبه الجميع في آن واحد، حين تناهى الى سمعي انين من احد الغرف الصغيرة على الجانب الايس، تلاه نداء :
دكتور ! دكتور ! تعال رحمةً لله ! تعال !
توجهت صوب الغرفة المغبشة الضياء، الفارغة الا من سرير واحد كانت ترقد عليه امرأة في منتصف الخمسينات، تعلو وجهها الضامر معالم ( الصفراء ).
اقتربت من السرير، مطلا على الجسد الممدد دون حراك وفوقه اغطية صوفية عاتمة حتى العنق..الرأس بشعره الاشيب ووجهه المصفر وبعينيه الزائغتين يهتز يمينا وشمالا ويطلق انات توجع عالية، والذراعان كلاهما تشيران علي بالتقرب..
قربت وجهي منها، فهمست :
- من اجل الله اجلس الى جانبي، واشارت الى حافة السرير..
جلست.
- نعم سيدتي هل من شيئ اقدمه ؟
- جسَّ نبضي رجاءً، يكاد قلبي ينخلع من تسارعه.
اضع اصابعي على باطن المعصم..النبض اعتيادي التردد..احس بكفها الباردة الاخرى تتوضع فوق كفي..تأخذ بكفيها يدي وتضمها من وراء الاغطية الى صدرها.. تغلق عينيها وتطلق آهة ارتياح حرى.
يتوقف الانين وترن الغرفة المغبشة بالصمت..احني رأسي دون ان اتململ، وكاننا نخشى كلانا ان نخرق حرمة التعبد.._
يطول الموقف الغريب في اعين الممرضات اللواتي يعبرن الرواق..
حسبت انها راحت في اغفاءة عميقة..حاولت ان انزلق بيدي من كفيها دون ان اوقضها..اهتز الراس وأنَّ من الالم من جديد..
_ ساقاي تؤلماني بشدة، لاجل الله افحصهما !
وضعت كفي على الاغطية لافحص الساقين فغارت في خواء..لا وجود لساقيها.. ادركت انهما قد بترتا حديثا..
التفت الى الوجه المصفر زائغ النظرات، وجهدت ان اجعل صوتي المرتجف واثقا ومطمئنا :
_ سيدتي ساوصي الممرضة حالا بحقن مورفين تزيل ذلك الالم.
_ إبقَ بجانبي ! وجودك انفع من حقن المرفين التي تعطى لي كل ستة ساعات.. إبقَ !..لاجل الله إبقَ..بعد دقائق سيقدم ولدي (فالوديا)
فتتعرف عليه..انه شاب مرح نبيه في مثل سنك تقريبا، وبشعر اسود كث يشبه شعرك..إبقَ !..إبقَ.. لاجل الله دقائق اخرى..إبقَ !
غادرت الغرفة التي لم تكن ضمن رعايتي وتوجهت الى منضدة غالا رئيسة ممرضات الجناح كله وسط الرواق الطويل.
- انتهت نوبتي يا غالا العزيزة، لقد وضعت كافة ملاحظاتي عن مرضاي في ردهة 8 على طبلاتهم، لا شيء غير اعتيادي هناك.
المريضة في ردهة 19 الجانبية، ازرقيها حقنة مورفين اضافية الآن واتصلي باستعلامات الدخول ليسمحوا لولدها ( فالودي ) بزيارتها، استثناءً من المواعيد.
- دكتور، ليس للمريضة اي ولد او احد يزورها، ولدها الوحيد اختفى في معارك برلين قبل قرابة عشرين عام.. انها حالة سرطان منتشر في نهايته..
خرجتُ مكتئبا من مبنى المستشفى، واستقليت احد الباصات المتوجهة الى ساحة مايكوفسكي..هناك عند قاعدة تمثاله تنتظرني ( ماريانا ) فمعي تذكرتين لمسرحية ( الزيارة) لـ(ديرنمات) والتي بدأ عرضها في (المسرح الحديث ) قبل اسبوع فقط، كان كلا الامرين صعب جدا، الحصول على تذاكر العرض وعلى موعد من مارينا بعد محاولات لجوجة معها استمرت وبالحاح لاكثر من عام.
اخرجت التذكرتين من جيبي وتمعنت بعنوان المسرحية وموضع المقاعد في الصفوف الامامية، وحاولت تخيل تفاصيل اللقاء الذي طال امده، ثم مابعد الخروج المنتشي من المسرح الى برد شتاء موسكو الذي يمنحني فرصة لضم ماريانا الى جانبي لتدفئتها.. وراجعت خطة استدراجها الى غرفتي المعدة لاستقبالها بالورود والشمبانيا..
لم تفلح كل محالات الخيالات الجميلة في ازالة كآبة وضياع و حيرة مبهمة
بدأت تتوضح اسبابها ومعالمها في هيئة تساؤلات برزت اكثر وضوحا من خيالات ساحة مايكوفسكي وديرنمات وماريانا
"..إبقَ بجانبي !..إبقَ..لأجل الله إبق..دقائق اخرى وسيأتي ولدي فالوديا لزيارتي فاعرفك عليه.. "..إبقَ..لأجل الله إبقَ.."..
ظلت العبارات المتكررة ترن في دماغي ويتردد صداها فلا اسمع ما يدور حولي من لغط الراكبين المرصوصين كالسردين في الباص، فقد انتهت اوقات اعمالهم..
ما هذا الاصرار..إبقَ !..إبقَ !.دقائق إبقَ ! وهي تدرك أن لا معونة طبية اضافية ذات قيمة يمكنني تقديمها..
اوشك الباص ان يصل الى ساحة مايكوفسكي..ساحة الموعد..ساحة الاحلام..
احسست بطعنة حارقة تشق اعماقي..
..ايها المغفل الجاهل الاناني، يا من كان عليك ان تعرف قبل كل شيء ساعة البعث في الولادة ولحظة الهاوية في الموت..
اصرخ من مكاني رحمة لوالديك ايها السائق توقف..توقف الآن ارجوك..
..اشق طريقي بصعوبة عبر اكداس الراكبين لاصل قرب نافذة سائق الباص
_ ارجوك توقف..لاجل الله توقف..
لايعيرني اهتماما بل اسمعه يدمدم شاتما " يوب تفايو مات " زحمة السير في الشارع المكتظ بالحافلات..
اقف على سلم باب الباص لاسبق الجميع بالنزول في المحطة القادمة..ادفع الباب مسرعا في فتحها لاقفز عل الرصيف..اعبر الشارع الى الجهة المقابلة غير مبال بالسيارات العابرة.. اقف عند محطة الباص المتجه الى بيرفو غرادسكا، اذ من المستحيل ان احصل على سيارة اجرة فارغة.
استقل الباص واقف قرب كابينة سائقه وكأني بذلك اسرّع حركته..زحمة السير على اشدها هذه الساعة..يتوقف مرات عديدة..مضى على خروجي من المستشفى قرابة ساعة ونصف..في مثل هذا السير البطيء للباص لن يصل قبل اربعين دقيقة في احسن الاحوال..لو اني نزلت في المحطة القادمة وركضت بعزم فساصل المستشفى في عشرين دقيقة.
انزل..اركض..اصطدم بالسابلة الكثر على الرصيف دون اعتذار..كثرتهم تعيقني عن الركض بالعزم الذي اريده واستطيعه..اسلك ازقة جانبية لعلها تمنحني مجالا افضل..اتوه في بعضها فاعود الى رصيف الشارع الرئيسي المزدحم..تلوح اخيرا اضوية المستشفى فاطلق زفرة ارتياح..اركض بكل ما لدي من طاقة متبقية..وكأن مسافة الاضوية عني هي هي لا تتغير..انظرالى ساعتي..ها قد مرت ساعتين على مغادرتي.. اصل اخيرا..أعبر البوابة المشرعة راكضا..ينظر اليّ الحارس باستغراب
..لا التفت الى تحية موظفة الاستعلامات..تنظر الي بتعجب وانا اجتازها الى السلالم راكضا..امشي ممر الردهات الطويل بخطى واسعة احاول جعلهامتزنة.
..قبل ان تلحق ( غالا ) في سؤالي عن سبب عودتي، كنت اجتزتها لأصل الى الغرقة الجانبية 19.
ظلام يعم الغرفة.. اثقدم بخطو حذر..اسمع كالمطارق دقات قلبي المتسارع
.. اتمكن اخيرا من تمييز التفاصيل في الظلمة..