تكتب عنفوان فؤاد نصًاَ شعريًا يفترس القارئ بمخالبه لا لكي يقتله بل لكي يلعب معه لعبة الموت إلى حد النشوة، الموت الذي يجثو على صدر الحياة مثل طائر خرافي منذ الأزل، وما مهمة الشعر سوى تفسير هذا الموت بواسطة اللغة بأشكالها الفنيًة ودهشتها الصوريًة من أجل طرد وتخليص الحياة من هذا الهاجس المخيف الموت الذي جعلها مثلما كتب مرًة الفيلسوف الغربي تشيلي واصفا اياها بأنها "الاِستعداد الهائل لأشياء لن تحدث أبدا"، هذا ما يجعل انتظار غودو غير مجد إلى الحد الذي يلتهم أصابعه يأساَ كما جاءت في عنوان المجموعة الشعريًة الصادرة عن دار "هن" Elles في مصر سنة ألفين وسبعة عشر.

تقول الشاعرة في أحدى قصائد المجموعة "ينبح ظلي في طائر السراب" صورة تتجسد فيها قدرتها على صياغة صور شعريًة مغايرة عن الصور المألوفة في الشعر التي تخاطب وجدان القارئ وعواطفه بغنائيًة تنتشر في الكثير مما يكتب من شعر اليوم إلى صورة غرائبيًة ذهنيًة تتجانس مفرداتها اللغويًة وأفعالها التي تتطابق من ظل وسراب إلى نباح وطائر إلى قولها في قصيدة أخرى:
يحدث أن يسامركَ صوتي

صوتي المبلل باللهفة

اللهفة المتوحشة

إذن هي مغامرة البلاغة التي تجعل منها عنفوان فؤاد مكيدة سرعان ما تبتلع القارئ بمجازها لتلفظه جانبا وكأنها ولادة من داخل رحم القصيدة الذي يعصر على عقل القارئ الذي يبدأ باستيعاب اللعبة الشعريَة التي تلغي المسميات والخصائص التي استقرت عليها اللغة بتسمية الأشياء بنظائر تنسجم مع طبيعتها العاقلة وغير العاقلة فتصبح للقلب زاوية فيها شجرة عارية التغريد وللأماني أجنحة كما في هذا المقطع من احدى القصائد:

في زاوية القلب

شجرة عارية التغريد

أمانينا بلا أجنحة

ولا حفنة ريش

أو كما تقول في هذا المقطع:

سأعلق في الصباح

وجهي على مرآة الهبوب

ولا تخلو القصائد من سوداويًة لكن سوداويًة عميقة غير متميًعة وبكائيًة، كتابة فيها مواجهة صريحة مع الوجود الذي يصبح وجه في مرآة هائلة هي ذات الشاعرة كما تكتب في هذا المقطع:

لم يبقى لنا

سوى الشعر

تعال نؤثثه

بالمزيد من

جثث الحلم

أو في هذه القصيدة السورياليًة:

"في حنجرة القصيدة"

في عينيكَ ينام الغراب

مد يدكَ ، مدها جدا

لتمسك نعيق هذا الغراب"

وهذه القصيدة توازي القصيدة الآتية بسؤالها الفلسفي العميق الذي يتخذ من دلالة التفاحة رمزاَ لعدميًة هذا الوجود الناقص بتكوينه

"الموت بجرعة شعر ناقصة"

لا تسأل عن التفاحة التي سقطت

اسمع سخط الدودة "

كذلك في هذا المقطع الهائل:

تكفي رفرفة عصفور طائش

يتهجى الهواء

اقلب صفحة الله داخلكَ

ولعل القصيدة الهائلة

المكتوبة تحت اسم " للقلب سيرة وضفيرة"

من أكثر القصائد انسجاماَ لغويًا وصوريًا كذلك معنىَ فلسفيًا عميقاً يشتغل على تفكيك تراتبيًة من العلاقات أنشأتها الأديان والعادات القبليًة الذكوريًة بتعطيل حرية الخلاص للمرأة كونها مخلوق يستحق الخروج للعالم بكامل حضوره مثلما يفعل للرجل

كما تقول في بداية القصيدة:

"أمي التي أحكمت ضفائر حياتي منذ الصغر

كانت تشدً على نهاية الجديلة

تشدها برشاقة خاطفة

تشدً انتباهي

هامسة في أذن عقلي

لا تدعي أحداَ مهما كان يفكها إلا أنا والرب

عشت معقوفة بين جديلة وجدان"

كذلك القصيدة التي تشعر فيها بجوانيًة خاصة لعلاقة المفردة التي تخرج من قشرتها مثل الصحو من كابوس ثقيل ينسل منه الوعي لترميم ذبذباته من جديد وكأنها شعرة تخرج نحيلة من العجين الكثيف المندلق، أسس لها السورياليون الأوائل من أمثال أندريه بريتون بعنوان:

"أنا اليد التي أيقظت جثتي"

أراه يسقط مغشيًاَ على روحي

روحي العالقة

كأحد شخوص اللامرئيًة

بدونها لا يتحرك المشهد

أخرجُ لأسمعني

لأراني

لأشفق علي

أخرج من الحلم

يسقظ العرض على آخره

أنا العقدة

أنا الشجرة

أنا النقطة

أنا اليد

التي توقظ جثتي

عند اكتمال الهلع

شاعريًة فؤاد عنفوان تبتعد عن البهرجة والارتجال والعاديًة فيها سؤال حقيقي للغوص في أعماق العالم من أجل تفريق طياته النائمة على بعضها وتعريضه لمشرط اللغة الحاد تحت بريق الوعي اللاهب قرب ظلال القبر الساكت الذي لا يزيح عن مكانه والتي تحرص أن تشير له في أغلب قصائد المجموعة التي جاءت بمئة وستة وعشرين صفحة،،

عقيل منقوش.ملبورن ٣٠٢١