قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

الشاعرة أريج حسن

ترتكز البنية الشعرية في ديوان الشاعرة أريج أحمد حسن: "وقالت مريم لابنتها" على تجاور وتتابع جملة من المشاهد في كل قصيدة، لها عنوانها، ولها نسقُها التعبيري، ولها أجواؤها الدلالية والسيميولوجية، فالشاعرة لا تعتمد طريقة إيصال دلالة أحادية مرتبطة ببعضها البعض بشكل سببي متتال، مشهد يقود إلى مشهد لصنع موضوع ما أو دلالة ما، لكنها تركز على أن يكون كل مشهد له استقلاليته التعبيرية – أغلب الأحيان- على المستوى الأوليّ على الأقل، ويقوم القارئ في النص بربط المشاهد تأويليا بحسب مستويات القراءة وتطلعاتها.

إن الشاعرة تركز على هذه السمة في أغلب نصوص الديوان البالغة (43) نصًّا، فيما إن هذا التجاور المشهدي وهب نصوصها مجموعة من الملامح الأسلوبية كالمفارقة، وشعرية التسمية، ومغامرة التشكيل السياقي. وهو ما سنحاول إضاءته في الفقرات التالية.

عبور إلى العنونة:
قصيدة ( عبور) هي التي أخذت الشاعرة من مستهلها عنوان ديوانها:

وقالت مريم لابنتها:

إني على الأبواب أطرق سمع القدامى

وإني في الوجوه

أقطف ضحكات الفرحين

أربطها بجلدي

أعلّقها فوانيس لليل المتعبين / ص 27

يتحول الخطاب إلى أقوال متبادلة بين الأم وابنتها، وفي المشهد الأخير يقولان معا، ويبوحان معا في وقت واحد كأنه نشيد جمعي يتم تداوله وإنشاده ، معبرة في ذلك عن الدلالة الكلية للنص الذي يفتح أفق الرؤية ويجليها أمام الوعي القارئ.

الأداء الشعري المشهدي:
ترتكز مجموعة كبيرة من النصوص لدى أريج حسن على فاعلية: "المشهدية" في الأداء الشعري، بحيث يتضمن النص مجموعة من المشاهد الشعرية القصيرة المكثفة المتجاورة التي تشكل ما يمكن تسميته بـ جغرافيا النص، حيث تتوزع الدلالات وتتجمع بشكل متتال على امتداد الصفحات، ويختزن كل مشهد دلالته الخاصة التي يكمل بها الدلالات الأخرى الواردة بالنص، ويمكن للنص آنئذ أن يحمل جملة من الرؤى المتعددة التي قد تتلاقى أو تتضاد لكنها توسع من الأجواء النصية وتجعل القارئ منتبهًا لحظات القراءة لكي يتسنى له الربط الدلالي فيما بينها.

إن الشاعرة تؤدي ذلك بمهارة في نصوص عدة هي حسب ظهورها بالديوان، ومن هذه النصوص: "راهبة" و"مزمار الراعي" و"عبور" و"خطأ مطبعي" و"في قداس مهيب" و"أقفاص الكمانات" و"جينات تفقد أبوّتها" و"القلب الأقدس" و"حلم" وغيرها من النصوص التي ترتكز على تجاور المشاهد وتتابعها، ناقلة الوعي القارئ من حالة إلى حالة، وتصبح هذه المشاهد المركبة بعناية شعرية بديلا عن الصورة الشعرية البسيطة التي ترتكز على بعد بلاغي معهود، ولا تذهب أبعد من ذلك، عكس المشهدية التي تصور أفق اللحظة بتعبيرات متعددة ربما غير متآلفة مضمونيّا ولكنها تصنع هاجسًا دراميًّا وجدليا يعبر عن فضاء اللحظة الراهنة.

في نص : "عشاء في دمشق" (ص.ص 62-64) – تمثيلًا- نطل على هذه المشهدية التي تشكلها مقاطع النص المتتابعة التي قد تتخذ لغة السرد المكثفة نهجًا لها في ترسيم عناصر المشهد، فضلا على التصوير الشعري المكثف، المرتكز على لقطة مفارقة أو ساخرة أو متأملة أو واصفة، ففي ذلك كله تنبثق مشهدية شعرية متميزة:

مر عام ، لم أذكر عند حلوله

قذيفة لبستني

فانفض قلبي إثرها

وجررته نحو البحر، لفظته الأسماك الشريدة

وصار طحلبا لؤلؤيًّا

يقتفي سر الماء، في الشباك الفارغة،

وينحني لكل تمساح نزع أسنانه وراح يبكي من جوعه

***

جاء الشتاء وارتفعت حرارة البيوت

وظل بيتي مغلقا على المطر

***

في السقف مروحة بثلاثة أذرع

ليلتها ضمتني جميعًا

ودارت حتى سقطت

أقنعتُ نفسي أن الكهرباء انقطعت

وتوقفت عن الطيران.

***

في الجمعة فستاني البنفسجي

فاجأني في الصورة

لبسته والتقطتُ كل خزانتي

وخرجتُ للعشاء في دمشق

إن بناء النص على هذه المشاهد المتتابعة، المتجاورة، يمنحه قدرًا من الاتساع التصويري، وتنقّل الوعي القارئ من مشهد إلى آخر، ومن أفق إلى أفق، مما يصنع حالة درامية مخايلة في تغير التلقي وتغايره، حيث ينجم عن ذلك نوع من الحوارية بين كل مشهد وآخر، فيما يؤكد ذلك على قدرة الشاعرة على الانتقال من حالة إلى حالة وتوسيع مدارات الفعل الشعري والرؤية الشعرية دلاليا وتعبيريا.

فما بين الحالة السردية التي يحملها إلينا المشهد الأول والحالات الوصفية التي تقدمها المشاهد التالية نحن حيال تغيرات في الرؤية الشعرية وتغيرات في حالة التلقي التي تنسرب بنا من أفق دلالي إلى أفق آخر، ما بين الصورة الحاكية المخايلة التي تعبر عن وجع الذات، إلى الصورة المكانية الصغيرة (المروحة) إلى صورة المدينة والحوار ما بين الداخل (الذات) والمكان (دمشق). هي مشهدية فعالة في معظم نصوص الديوان على اليقين.

شعرية التسمية :
من الظواهر الجلية بالديوان ما يمكن تسميته بشعرية التسمية، فهناك تجاور جلي أيضا بين التسميات المتتالية، وفاعلية تكرار الاسم في النصوص بشكل يجعل منها ملمحًا فنيًّا لا أسلوبيا فقط، ينم عن تشكيل لوحات مصغرة مكثفة جدا بالاسم كأن الكلمة نص مكثف جدا داخل النص له استقلاليته وله دلالته الخاصة به، وهو ما نراه متجسدًا في عدد من النصوص الشعرية بالديوان، ولنطالع هذا المشهد لنتيقن من الأمر:

الشعورُ: تجلٍّ وهميٌّ

الألم: رئةُ رماد

الحبّ: قطبٌ

أعلى الصدر، فوق البطن، شلو مفتوح على الدوام

الصدر: تتابع حركي ، شهيق زفير، موت حياة

النفس: عنصران نور وظلام

أشد نورك عمق عتمتك

العدم: فلسفة وضعية

النص: تكرار مياه آسنة / ص . ص 71-72

عرّف:

الله صورتك؟

الأنثى خصوبة؟

الرج سرٌ؟

الخمرُ وصالٌ؟ / ص 72

ولا تتوقف التسمية عند الأسماء والصفات، ولكنها تذهب إلى وصف الحالة كليا عبر ضمير المتكلم الذي يتواتر في الديوان بشكل باذخ ليدل على الذات الشاعرة حينا، أو ينقل صوت المتكلمة الأخرى سواء في انشطار الذات، أو بالانتقال إلى تقمص صوت الأنا لدى الآخر .

في بداية نص ( تشريح) تقول:

أنا امرأة ناقصة التشريح

أرسمُ من جسدي شجرة

أمدّ أغصاني إلى أقصى ما استوطن روحي

ثم أقصّها وألتحم بفرع آخر

دون حضانة أو جرح يستجمع نسغي / ص 12

وتستمر هذه الذاتية التوصيفية في نص: "صور للذات" في السياق التوصيفي نفسه الذي تركّز عليه الشاعرة حيث تتابع التوصيفات مشكلة قدرًا من المشهدية المتمسرحة لفظيًّا: "الألوان الباردة: نصف المخيلة/ الألوان الحارة جبين معتق بالقبلات/ الصوت ريح سموم/ الغبار دلال/ الياسمين/ الجوري المعشّق بالعطر/ الريحان مائل العنق" / ص 16

وهكذا تتابع التوصيفات والمشاهد لتتحول إلى لوحات مشهدية مكونة للنص كليا حينا، أو أجزاء مهمة في بنيته .

إن الشاعر بهذا تعتمد على تحريك جملة من الآليات التي ترتكز على مشهدية، وعلى تسميات، وتوصيفات، وعلى بناء الجمل الاسمية التي تتحرك داخلها كوامن الثبات والحركة، فيما يتحرك الوعي هناك بكل حدسه وتخيلاته ليفند هذه المشاهد ويتموج داخلها باحثا ومستشرفا المعاني والدلالات المضمرة التي لا يتسنى لنا أن نجاذبها حالتها إلا بعض الوقوف على مكامنها الشاعرة.

وتشكل الشاعرة جملة من التصويرات الحيوية الرائعة كما في قصيدة ( إيكو) ص 73 وما بعده، وقصيدة (امرأة) ص 78 و(هجرة) ص 85 و( نزوح) ص 91 وما بعدها، ومنها:

كأن تحبُّ جسدكَ

ترشحُ كسقف أنهكه العطشُ

تُغلقُ هاتفكَ على " موتسارت" وأربعين نوتة مهجّرة

تفتح سجلّكَ:

رسائل

نعوات بريد أوروبي

أغانٍ تساعدُ على الغرق

صور مثقوبة

بطاقات" مترو" منتهية الصلاحية

خاتم يشتغلُ في "نوتردام"

شمعةٌ لقيامة قلبي / ص 92

فالصور والتعبيرات هنا تعبيرات تناصية مترعة بالمثاقفة المكثفة لا التفصيلية أو الاستطرادية، حيث تلعب الإشارة إلى الاسم أو المكان دورا في تشكيل الحدث الشعري المكثف جدا كما في ذكر "موتسارت" أو "نوتردام"، فيما تنتقل الشاعرة أحيانا إلى استثمار الحوار الضمني بين الأنا والآخر، أو بين الأنا والمكان، معززة ذلك بصور واقعية من المشهد السوري الذي أنهكته الحرب وتركت آثارها المأساوية على ذروات مكانية وزمانية لها حضورها الواجع في أعماق الروح، حيث يتمثل ذلك في الحوار الضمني عبر توجيه الخطاب الشعري ما بين ضمير المخاطب وضمير المتكلم سواء بالأنا أو بتاء الفاعل:

على هجرة موحدة ، تفتح البلاد على حربنا وحربها

تتمدّدُ العنقاء وتدفن رأسها

بين أكوام النفط

إن البعد المأساوي حاضر بالبلاد، إن الأماكن المهجورة الموحشة، والذوات المنهكة، صور سارية بالديوان جنبا إلى جنب الطبيعة والأشجار والأنهار والبحور والطيور التي تظهر بشكل كثيف في النصوص الأولى من الديوان، فيما إن النصوص الأخيرة تنقل صور ذات منهكة، وأمكنة لم تعد هي نفسها بل تنتظر عنقاءها الجديدة، وتنتظر النهوض من الموت كما في نص " فزاعة" (ص.ص 101-103) ونص " نشرة" (ص.ص 104-109) المترع بمشاهده المأساوية الضاجة بالألم وصخب الموت والرحيل.

وينبني نص: "طقس الخروج من الجسد" - وهو النص الأخير بالديوان-

على الرؤية الروحية الصوفية النورية، حيث تستثمر فيه الشاعرة إلى حد كبير الآلية الطقسية الحركية فمشاهد النص حافلة بالحركة والحيوية، وتحريك شخوص النص، كما لو أنه سيناريو مشهدي متكامل تلعب فيه الحركة والرؤية الدور الأكبر في تخليق النص وصياغة دلالته، معبرة عن صورة الشهيد الذي تتقي روحه للسماء وهو يبتسم من الألم ، كانه سيعود بنبوءة جديدة تخترق الغياب إلى حضور حياة متجددة أكثر إشراقا وحيوية وخصوبة.