مازن عبد الرزاق بليله
مازال الوليد بن طلال يتربع على عرش أثرى أثرياء العرب، وفي الولايات المتحدة بلغ عدد المليارديرات حاليا أكثر من 500، فالثراء موجود، والبعض ورثه، والآخر كان عصاميا في جمع هذه الثروة، وساعدت ثورة المعلومات، في ظهور مليارديرات شباب على الساحة، ويتساءل الكثير: هل هؤلاء الأثرياء، جاءتهم ضربة حظ، رفعتهم فجأة للثراء، أم إن هناك عوامل أخرى، ليس الحظ واحدا منها؟ ومع ذلك هناك قواسم مشتركة حاول كثير من المحللين دراستها، وجمعها، وتحليلها، بلغت وفق مرئيات صحيفة يو أس نيوز الأمريكية سبعة، ومن الغريب أن الحظ لم يكن بعيدا عنها، ومن المهم الاطلاع عليها ومعرفة تأثير الحظ فيها، لعل الآخرين يستفيدون من التعرض لنفحات الحظ السعيد.
تقول أوبرا ونفيري، أشهر مقدمة برامج الحوار المفتوح على شاشة التلفزيون، وإحدى المليارديرات المحظوظات، تقول، الحظ ليس هو السبب المباشر لثرائي، بل سبب ثرائي، الإعداد الجيد الذي صادف فرصة حظ مواتية للنجاح، فالحظ مطلوب، ولكن ليس للبعيدين عنه، وليس للمترددين، وليس للحالمين، بدون عمل. وأجمع كثير من الأثرياء على أن الحظ لعب دورا هاما لنجاحهم، ولكن في وقت كانوا هم الأقرب إليه، أو من المتقدمين له، وكانت لهم رؤية مستقبلية جاهدوا لتحقيقها، وتم حصولهم على حظ غيبي، وقوة عليا ساعدت على قطف ثمار هذا الجهد في الوقت المناسب، فالحظ أمر معترف به، وتقدير حكيم من واهب الخيرات، في الوقت المناسب، والمكان المناسب والمشروع المناسب، فالحظ لا يأتي للناس في بيوتهم، ويطرق الباب وهم على أسرتهم ليقول لهم قوموا خذوا ثرواتكم. يقول توماس أديسون، المخترع الكبير للكهرباء، العبقرية واحد في المئة تأتي من رؤى إلهام، لكن 99% منها يتحقق عن طريق التوفيق للعاملين المجتهدين، فالحظ يعطي الثراء لكن لمن يصنعه لنفسه.
وبدون التدخل كثيرا في العلماء، واختراعاتهم، هناك ستة عوامل أخرى غير الحظ من المهم التعرف عليها، فقد أثبتت دراسات الصحيفة، أن الثراء ليس له علاقة بالتعليم، ولا بالدرجات الجامعية العليا، فالثراء له ذكاء من نوع آخر، وله متطلبات غير متطلبات التحصيل الدراسي الشاق، وكثير من المليارديرات اليوم لم يكملوا حتى الدرجة الجامعية الأولى، ومع ذلك يتربعون على مؤسسات علمية خارقة، ولها مبتكرات ولها علماء، ولها منتجات وحقوق فكرية، تستفيد منها أكبر المؤسسات العلمية ولا تستغني عنها أكبر الجامعات العالمية، بل العكس من ذلك، فالعامل الثاني المشترك بينهم هو أمر فطري جبلوا عليه، وهو حب المغامرة، وكأن الجرأة في تصيد الفرص الجديدة، جزء من تركيبتهم الجينية، فمن يخاف المخاطرة في الأعمال الجديدة، خوفا من الخسارة، سوف يفقد الفرصة تلو الأخرى، ومن يؤثر السلامة على تشغيل أمواله، سوق يخسر المال والفرصة معا، لأن المال الآمن سوف يستهلك بالمصروفات والتضخم، ولكن المخاطرة المقصودة هنا هي مخاطرة عاقلة مدروسة، وليس كما يحصل في تهور مضاربات سوق الأسهم.
هناك عوامل مشتركة أخرى لا تقل أهمية، مثل التركيز، واختيار مجال العمل والاستثمار المناسب، وتنظيم الوقت، لكن العامل الأكثر غرابة، والأكثر أهمية في كل المليارديرات الذين درستهم الصحيفة، أنه ليس أحد من هؤلاء الأثرياء بدأ عمله، وهو يركز على المادة فقط، أي لم يكن حب المال والجشع في جمعه هو السبب الرئيس والدافع الأكبر لديهم للمثابرة والاجتهاد، ولا يعني هذا أنهم لا يحبون المال، ولكن لم يجعلوا المال همهم الأكبر، بل كان همهم الأكبر تحقيق غاية وطموح ورغبة جامحة للإنجاز داخل أنفسهم، وبعد تحقيقهم للريادة والتميز، والنجاح في العمل الذي أحبوه وأتقنوه بكفاءة جاءتهم الثروة طائعة.
من المهم أن تعي الشركات اليوم، وكل شخص أو مؤسسة، أو شركة تطمح للنجاح، هذه الحقيقة، أن الجودة في الأداء، والتميز، وخدمة العملاء، وكسب رضا العميل، والمجتمع، وتكوين صورة اجتماعية جيدة عنها، هي السبب الأول للنجاح والثراء، ولو بعد حين، أو على المدى البعيد، وأن التكالب على جمع المال وحده، بدون مضمون سام لخدمة المجتمع والعملاء، سيكون مجرد ثراء فاحش، ناقص، لا معنى له ولا دوام، ويحرص كثير من المؤسسات الناجحة اليوم، على تبني مفهوم المسؤولية الاجتماعية، عن طريق المشاركة طواعية في أعمال التنمية، والتعليم، وخدمة المجتمع، والتبرعات والرعاية، والإحساس بالمسؤولية فتخصص جزءاً من أرباحها للمشاركة في المشاريع الإنمائية والعلمية.
دراسة (يو أس نيوز)، نفسها، تعطي دلالة مهمة، للدراسات الجادة، والدور المهم الغائب لدينا، لصحفنا، وما يمكن أن تقدمه مؤسساتنا الصحفية، من أبحاث تثري الساحة الاقتصادية، وتقدم مادة دسمة للطلاب والجامعات، ولكل الراغبين في الاستفادة العلمية، عن طريق المشاركة في تقديم إضاءات علمية، ودراسات اقتصادية مهمة في مجال الأعمال اليوم، وتواكب أحدث المستجدات وتتبنى تطوير حقائق علمية مهمة، ودراسات ميدانية لها ريادة، تعطي لمؤسساتنا الصحفية دورا اجتماعيا أكبر، وتجعل منها محورا للنقاش والاهتمام من أوساط المثقفين، وتطور رسالتها الصحفية، لمصداقية أكبر، وكسب شريحة أوسع من محبيها ومتابعيها.
* كاتب سعودي
- آخر تحديث :









التعليقات