نضال وتدمن تل أبيب:بعد أشهر من المكابرة وترديد التصريحات المطمئنة بأن الاقتصاد الإسرائيلي قوي وقادر على الصمود في وجه الأزمة الاقتصادية العالمية، كشفت الأزمة التي عانتها شركة quot;بري هجليلquot; أي فواكه الجليل وهددت بإغلاق الشركة التي تستخدم مئات الموظفين، حقيقة وضع قطاع الزراعة في إسرائيل وخطر جفاف وترك عشرات آلاف الدونمات بورا دون زراعة أو رعاية.

ولم يقف الأمر عند ذلك، فقد أعلنت دائرة الإحصاء المركزية عن توقعاتها للسنة الحالية، ليتضح أن الربع الأخير من العام 2008 سجل ارتفاعا كبيرا في عدد العاطلين عن العمل، من جهة وفي تراجع نسبة الوظائف في صفوف من هم داخل سوق العمل، بعد أن اضطر أرباب العمل إلى تقليص حجم الوظائف لتفادي الفصل الكامل من العمل. وقالت تقارير ومعطيات دائرة الإحصاء المركزية إن توقعاتها للربع الأول من العام الحالي تتنبأ بارتفاع عدد العاطلين عن العمل إلى 300 ألف شخص.

جفاف المزارع ونقص في البازيلاء والبطاطا

ولعل أبرز المعطيات وأكثرها لفتا للانتباه في سياق الأزمة المالية الإسرائيلية، هي تلك المتعلقات بالنقص القائم في فرعي زراعة البازيلاء والبطاطا، وذلك في ظل إحجام المزارعين الإسرائيليين عن زراعة هذين المنتجين بسبب سيطرة مسوقين للمنتجات الزراعية على السوق في إسرائيل، وتعاقدهم مع المزارعين بصورة مباشرة، بشرط احتكار المنتوج لصالح هذه الشركات.

وقد بينت قضية شركة quot; بري هجليلquot; أن المزارعين في الجليل، والمرتبطين بعقود لزراعة البطاطا والبازيلاء لصالح الشركة يرفضون زراعة حقولهم هذا العام، رغم إعدادها وتحضيرها للزراعة، وذلك بسبب عدم دفع شركة التسويق والتعليب quot;بري هجليلquot; الديون المستحقة عليها لصالح منظمة المزارعين في الجليل.

وفي هذا السياق وضع الملحق المالي لصحيفة يديعوت أحرونوت quot;ممونquot; على صفحته الأولى لعدد الخميس صورة لعاملتين في شركة quot;بري هجليلquot; تحت عنوان الحقول فارغة. ونقل الملحق عن بيني مهرام رئيس منظمة عاملي الفلاحة، قوله إن الفلاحين والمزارعين لن يزرعوا حقولهم بالبطاطا والبازيلاء هذا الموسم بعد أن تكبدوا خسائر بلغت 33 مليون شيقل في زراعة البازيلاء و14 مليون شيقل في زراعة البطاطا، فيما أعلنت شركة التسويق والتعليب quot;بري هجليلquot; من جانبها أنها خسرت لغاية الآن 47 مليون شيقل بسبب النقص في محاصيل البطاطا والبازيلاء.

وهدد مهرام أنه في حال لم تجد الحكومة حلا وتقم بتسديد الديون المذكورة فإن المزارعين لن يبقوا مزارعهم بورا بل سيزرعونها بالحمص والقطن وعباد الشمس، علما بأن مفوضية المياه في إسرائيل أعلنت أكثر من مرة في الأشهر الأخيرة عن قرارها تقنين وتقليص حجم المياه المعدة للزراعة وذلك بسبب شح الأمطار وانخفاض منسوب المياه في بحيرة طبريا بصورة خطيرة للغاية، وأنها ستسمح فقط باستخدام مياه الصرف الصحي للأغراض الزراعية، مع الميل لحث المزارعين على الانتقال لاختيار زراعة محاصيل لا تستهلك كميات كبيرة من المياه والتركيز على زراعة الأشجار.

وفي موازاة ذلك، وعلى ضوء النقص في المياه في إسرائيل، من جهة، والكلفة العالية لعمال الزراعة الإسرائيليين، ومن بينهم العرب الفلسطينيين، فقد كانت الحكومات الإسرائيلية، وحتى قبل إبرام اتفاقيات أوسلو واتفاق وادي عربة، تحلم بشرق جديد مبني أساسا على رأس المال الخليجي، والعقل الإسرائيلي (ممثلا بمعهد رحوبوت، الواقع جنوبي تل أبيب، لتطوير الزراعة والأصناف الجديدة المعتمدة على التهجين) والقوى العاملة العربية، كما صاغها بيرس في رؤياه للشرق الجديد.

وفي هذا الإطار كان رجال الأعمال الإسرائيليون، سباقون منذ أواخر التسعينات إلى البحث عن حقول جديدة، تملك البلاد المناخ الأمثل، ويشكل سكانها فائضا من القوى العاملة الرخيصة.

وكانت المغرب أول بلد عربي رشح لهذه الغاية وانتشرت المزارع الإسرائيلية، التي ملكها إسرائيليون تحت أسماء شركات أوروبية وتحديدا فرنسية، في شتى أنحاء المغرب، وكانت الشركة الإسرائيلية، أو الأوروبية التسجيل تعمل على استئجار مساحات واسعة من الأراضي الزراعية وزرعها بشتى أنواع الخضروات على أن تقوم الشركة نفسها بتولي عملية البيع والتصدير ولا يكون نصيب المغاربة سوى أجرة عملهم ورسوم استئجار الأرض.

وساعد على ذلك العلاقات المميزة التي ربطت العاهل المغربي السابق، الحسن الثاني مع القيادات الإسرائيلية، وعلى نحو خاص مع شمعون بيرس نفسه ومع النائب الإسرائيلي من أصول مغربية رافي إدري، الذي ربطته علاقات مميزة على نحو خاص بالبلاط المغربين وقيل إنه كان صاحب دور في ترتيب واختيار المغرب للمحادثات السرية بين التهامي وديان، والتي أفضت إلى اتفاق كامب ديفد بين إسرائيل ومصر.

في المقابل واستنادا إلى نجاح التجربة المغربية انطلق رواد الزراعة الإسرائيليون في شتى بقاع القارة السوداء وأنشأوا المزارع الواسعة في كينيا وغيرها من البلدان الأفريقية، مع فتح سوق أخرى للزراعة الإسرائيلية في بلدان أوروبا الشرقية، كبلغاريا وهنغاريا وحتى روسيا. وقد استثني الأردن من خيارات الإسرائيليين ليس لسبب سوى معاناته هو الآخر من النقص في المياه، مع أن الأردن كان رشح لنقل كثير من الصناعات الإسرائيلية الخفيفة، وخاصة النسيج، على أراضيه لنفس السبب وهو الأيدي العاملة الرخيصة، وقد جرت محاولات لزراعة مناطق في الأردن إلا أن النقص في المياه كان عقبة أمام استمرارها أو تطويرها.

ومع أن وزارة الزراعة الإسرائيلية لا ترحب بالاعتراف بانتقال الزراعة المكلفة (من حيث المياه وتكاليف الأيدي العاملة) إلى خارج إسرائيل، لا سيما بعد استجلاب عشرات آلاف عمال الزراعة من جنوب شرق آسيا ومن كوريا على وجه التحديد، إلا أن شركات التسويق الزراعية المحلية وتلك التي تعمل على مستوى دولي، أخذت تستثمر في السنوات الأخيرة، وبشكل خاص، في زراعة آلاف الدونمات في المكسيك، وتعمل عدة شركات إسرائيلية، بينها شركات لفلسطينيين من إسرائيل، في زراعة آلاف الدونمات الطماطم والبطاطا، وفق مواصفات خاصة تلائم احتياجات شركة ماكدونالد الأمريكية.