قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

ينبثق في انحاء العالم من أوروبا المتطورة إلى الصين الصاعدة إتجاه مشترك يتمثل في شيخوخة القوى العاملة مع تأخر سن التقاعد أو إعادة تحديده.


ترجمة عبد الإله النعيمي: أسهم الركود العالمي في تسريع هذه الاتجاه بالضغط على كثير من الذين تخطوا الخامسة والخمسين للاستمرار في العمل إن أمكنهم ذلك. ولكن المحرك الحقيقي وراء شيخوخة القوى العاملة هو التغيرات الديموغرافية. فالاشخاص يعمرون أطول اليوم والأكبر سنا صاروا يشكلون نسبة أكبر من السكان في بلدان عديدة بسبب هبوط معدلات الولادة وانكماش صفوف الشباب.

وتتضخم الظاهرة بوصول الجيل الذي نشأ خلال موجة الولادات التي اعقبت الحرب العالمية الثانية الى حافة التقاعد. ولم تقتصر هذه الموجة السكانية على الولايات المتحدة بل امتدت الى اوروبا واستراليا. ويشارف مواليد هذه الموجة على الخامسة والستين في كانون الثاني/يناير الحالي.

وبتضافر هذه العوامل تكون النتيجة quot;شيخوخة عالميةquot; اخذت تمارس تأثيرا بالغا على الاقتصاد العالمي. ونقلت صحيفة كريستيان ساينس مونتر عن وليام نوفيللي من جامعة جورجتاون في واشنطن ان ما يحدث ليس نهاية التقاعد بل اعادة تعريفه موضحا ان العمل اصبح جزء متزايدا مما يسمى سنوات التقاعد.

في السنوات السابقة كان العاملون يتقاعدون بالمعنى الحرفي للكلمة بخروجهم نهائيا من سوق العمل. ولم يختف هذا النموذج بأي حال من الأحوال. ولكن الحياة بعد سن الستين تمر بتغير جذري. فهي ما زال من الممكن ان تغدو حياة راحة وقضاء وقت الفراغ في ممارسة الهوايات المفضلة لدى المتقاعد. ولكنها بالنسبة لملايين الأشخاص تبقى حياة عمل ساعات كاملة أو العودة الى صفوف القوى العاملة دون تفرغ أو حتى تدشين عمل جديد أو فتح مشروع.

من اسباب ذلك ما هو ايجابي مثل السعي الى اشباع الاحساس بالانجاز الشخصي. ومع تزايد عمر الانسان ينظر الأشخاص بصورة متزايدة الى العمل على انه وسيلة مهمة للعيش حياة نشيطة وذات معنى. ويلاحظ المؤرخ نيل هاو المختص برصد الفوراق بين الأجيال ان مفهوم التقاعد ذاته بمعنى انه وقت فراغ متصل بلا انقطاع لا يحظى بشعبية بين الجيل الذي ينتمي الى موجة الولادات بعد الحرب العالمية الثانية كما كان بين الأجيال التي سبقته. وان فكرة استمرار المرء في كونه مساهما بدلا من التحول الى مستهلك عالة فكرة بالغة الأهمية لدى هذا الجيل. بل ان بعض افراد هذا الجيل قد يجدون ان حياتهم العملية التي يحققون ذاتهم من خلالها تبدأ بعد التقاعد عندما تتواشج الحكمة المكتسبة مع مواصفات وظيفية تتسم بتقدم الجوانب الابداعية وتراجع اسباب التوتر والضغط النفسي.

ولكن السبب الأكبر لشيخوخة القوى العاملة في العالم يرتبط بضرورات مادية. وبتعبير ابسط ، إذا عاش الأشخاص حياة اطول يتعين ان يكون هناك من يعيلهم. ويقول خبراء ان ما يُسهم في معالجة هذا الوضع هو قيام المتقدمين في السن بدور أكبر في إعالة انفسهم.

وتتعرض الحكومات لضغوط تدفع باتجاه زيادة سن التقاعد لتفادي غرق اقتصاداتها الوطنية تحت وطأة المديونية العامة. ولعل التظاهرات والاحتجاجات التي شهدتها فرنسا قبل التصويت على تمديد سن التقاعد في الخريف الماضي تنبيء بمعارك سياسية مقبلة في الولايات المتحدة ودول أخرى.

يسير العالم بأكمله على طريق الشيخوخة السكانية بوتيرة لا نظير لها من قبل. وفي نهاية المطاف فان مآل هذه الاتجاه الديموغرافي سيكون على الأرجح ذا دلالات بالغة الأثر في كل مناحي الحياة ، من مستوى المعيشة الى ميزان القوى العالمي بين الدول.

ولكن اتجاه العالم نحو الشيخوخة ليس امرا سيئا بالضرورة. وفي حين ان العملية محفوفة بالتحديات الاقتصادية والاجتماعية فان عناصر الاتجاه الاساسية تبقى ايجابية. وعلى سبيل المثال ان قلة من الأشخاص يعتبرون العيش حياة أطول quot;مشكلةquot;. زد على ذلك ان علماء الديموغرافية كانوا حتى عهد قريب يقلقون من احتمال انفجار قنبلة سكانية مالثوسية تستنزف موارد العالم. ورغم ان المخاوف من حدوث كارثة بيئية ما زالت قائمة فان الأمم المتحدة تتوقع الآن ان يتوقف سكان العالم عن النمو بعد نحو خمسين عاما ثم يبدأ عددهم بالانخفاض.

الأهم من ذلك كله ، ان الأشخاص إذا وجدوا أنفسهم ما زالوا يعملون في مرحلة متأخرة من حياتهم فان هذا قد يكون مبعث فخر بقدراتهم بدلا من خيبة أمل بمستقبلهم. والحق ان مبدأ التقاعد نفسه ظاهرة جديدة نسبيا جاءت نتيجة الزيادة في متوسط العمر الذي يعيشه الانسان خلال القرن الماضي واتساع برامج الرعاية الاجتماعية التي تنفذها الحكومات.

وفي بلدان عديدة يعمل كبار السن اليوم ساعات أقل من السابق فيما تعمل نساء متقدمات في السن ساعات أطول. وما زال ملايين الأشخاص يتقاعدون في سن مبكرة إما باختيارهم أو بسبب الصعوبة في ايجاد فرص عمل. ولكن الاتجاه الذي نشأ في السنوات الأخيرة يتمثل ببقاء الأشخاص في صفوف القوى العالمة سنوات أطول. ونقلت صحيفة كريستيان ساينس مونتر عن محللين ماليين تحذيرهم من ان بلدانا عديدة ليس لديها إلا مهلة محدودة للتكيف قبل ان يمارس التحول السكاني تأثيره كاملا. وكان باحثون في المنتدى الاقتصادي العالمي نبهوا في تقرير عام 2009 الى ان مستوى المعيشة سينخفض في بلدان عديدة ما لم تتمكن من زيادة انتاجية قواها العاملة أو توسيعها.