أحمد البشري من الرياض - عمان :حين تقرر الخروج في جولة بسيارتك، او بسيارة أجرة صفراء صغيرة، في شوارع عمان، فإنه يبدو من اللافت كثرة السيارات السعودية التي تسير بسرعة في جميع الأتجاهات، فتظن بأنك تتجول في مدينة سعودية، الجديد في الأمر هو رؤيتك للسعوديين بألوان زاهية غير اللون الأبيض الذي يظهرون عليه بزيهم الوطني، ويتحررون من اشيائهم الصغيرة التي تركوها ورائهم في المطارات وعلى المنافذ البرية، يجلسون في مقاهي عمان الغربية وعلى أعتاب الجامعات، ويتحدثون الى الفتيات دون رهبة إجتماعية، او خوف من سيارات الشرطة الدينية التي تنتشر في الوطن، وفي مساءات نهاية الأسبوع يتأنقون أكثر ويتوزعون ما بين دور السينما والمجمعات التجارية والنوادي الليلة.
دائماً يحملون هموماً تشبه أحلامهم، ويعرفون غير مكان يقضون فيه بقية ليالي عمان الباردة أغلب فترات السنة، ويعرفون مقاهي صغيرة يقتسمون فيها الحديث والنرجيلة، وحين يعودون إلى الوطن يحملون تجربة الطالب الجامعي في مكان أقل رهبة، ويحملون الكثير من الصور التي يلتقطونها في كل مكان بواسطة هواتفهم المحمولة، تنتظرهم العائلة، والبعض تنتظره الحبيبة، وآخرون تنتظرهم جهات العمل التي قامت بأرسالهم إلى هناك.
كم تبدو الحياة صاخبة بالنسبة للشباب..
يعرفون أكثر من طريقة ليخلقوا صخباً لم يعتادوه في حياتهم السابقة، حيناً يخرجون في جماعات إلى منطقة الشيميساني، يدخنون النرجيلة وسجائرهم التي حملوها عبر الحدود، يضحكون، ويبتاعون من الأطفال المتجولين، ويغازلون الفتيات اللواتي جلسن في المقاعد المقابلة. وحين يكون الليل أقرب الى الفجر تبدأ رحلة السهر، بأتجاه النوادي الليلة أوبأتجاه الشقق التي تحتضن مباريات البلاستيشن، وأحياناً تنتهي كل هذه المسائل بعشاء جماعي في مطاعم الوجبات السريعة، ووداع مؤقت لما قد يأتي لاحقاً.
الصخب الذي يعيشونه اربعة شهور (مدة الفصل الدراسي)، لا يتضائل بنهاية الأسبوع، إذ يحملونه الى الجامعات، وهناك تكون أجتماعات أقل كثافة تقتصر على الأوقات بين المحاضرات، وكم يبدون فخورين بأنفسهم وهم يتحدثون عن الوطن بحنين المغترب، وعن مغامرات لم تكتمل، وتفاصيل صغيرة تكسب الحديث صبغة الأغتراب، ويتبادلون ملفات الميديا عبر هواتفهم قبل ان يعودوا من جديد إلى قاعات المحاضرات من جديد. عبدالله الحربي وهو طالب في جامعة عمان الأهلية يقول :quot; كل يوم اتمنى العودة إلى الرياض، وفي كلمرة أعود إلى الرياض أتمنى العودة سريعاً إلى عمان، أشعر هنا بالحرية، وأجد حلاوة كوني طالباً جامعياً، كبقية طلاب جامعات العالمquot;.
السعوديات كذلك، لهن طريقتهن في فتح باب الصخب على مصراعية وإشعال فتيل الحياة بعيداً عن حراس سكن الطالبات، الرقيب الذي يبدو أقل صرامة من الأخ والأب، مع كل هذاتفيض روح الأنثى التي يحملنها في كل مكان، فتجدهن في المقاهييدخن النرجيلة مثل أقرانهم الذكور، ويتجولون في المقاعد الخلفية لسيارات الأجره يجبن عمان، يبحثن عن شيء لا يعرفنه،والبعض يخرجن مع اصدقائهن الذكور من كل الجنسيات، يحضرون عروض السينما المبكرة، ليتسنى لهن العودة قبل موعد إقفال أبواب السكن، البعض منهن يبدون سعيدات وهن يلبسن الجينز والملابس الملونة، فيما يحتفظ البعض بالعباءة السوداء، كعلامة تميز،تختلط بعباءات الفتيات من الجنسيات الخليجية الأخرى، وبملابس النساء المحافظات.
الجميع يعيشون صخب العلاقات الجديدة كذلك ، فالبعض يتنصل من كل علاقاته القديمة، يتركها وراءه ويرحل دونما التفاتة إلى الخلف، خصوصاًتلكالتي تتعلقبالجنس الآخر التي حملها من الوطن، حيث لا خيارات كثيرة للقاء او لقضاء ساعة دونمراقبةكل الأتجاهات خوفاً من الرقيب، فتنشأ علاقات أخرى في كافتيريا الجامعات، وفي المجمعات التجارية، وفي المقاهي سواءً كان ذلك بالطرق التقليدية او بالطرق التقنية الجديدة كـ البلوتوث،و ذلكيخلق بيئة يزداد طلبها تدريجياً، حتى تصبح الهم الأثقل على الطالب بعد هموم الجامعة، وربما كان الهم الأول في حيواتهم المؤقتة هناك.
طالب سعودي يدرس في الجامعة الأردنية (فضل عدم الأفصاح عن أسمه) يخرج مع فتاة في فترات متقطعة، يقول بأنه يزور السينما مرتين أسبوعين برفقتها، وبعد تناول العشاء يقوم بتوصيلها إلى المنزل، يقول أيضاً: quot;أتوقف في بداية الشارع وتواصل هي المشي حتى باب العمارة، نقضي بقية السهرة في محادثة هاتفية على شبكة أمنية للهاتف الجوالquot;. حيث يمتلك غالبية السعوديين في عمان كغيرهم أكثر من خط للهاتف المتنقل، باحثين في الأعلانات عن العروض التي قد توفر عليهم الكثير من الأموال.
الجامعات ..باب الحكايةالذي يطرق كل يوم
هناك حيث يحملون معنى آخر لتواجدهم، فهم يعرفون جيداً طرق تكفيهم للخروج من مأزق الدرس بتدخين سيجارة او بالجلوس قريباً من ابواب الدخول والخروج،او يتبادلون ما كتبوه في محاضراتهم السابقة، وأحياناً يكتبون واجباتهم المنزلية ويحضّرون للمعامل، او يتناولونإفطارهم. في كل الأحوال يداومون على الحضور. هم في الأغلب ينتمون إلى جامعات العاصمة عمان، بالقرب من الحياة المدنية، والمطاعم، ودهشة الجنسيات المتعددة التي تحتضنهم العاصمة، وحتى الذين لا ينتمون إلى العاصمة يثابرون على الحضور أسبوعياً. ويتداول بينهم أن السعوديين في الأردن وصلوا الى الرقم 7000 في مختلف الجامعات، وحين تتعمق في السؤال عن صحة هذا الرقم، لا تجد خبر يقيناً يوكد أو ينفي صحته، تنحصر تخصصاتهم في الهندسة، الطب، العلوم الصحية، التربية الخاصة، القانون، وعلوم السياسة والحاسب الآلي.
صالح الغامدي .. طالب في الجامعة الأردنية، يعرف شوارع عمان جيداً، تبدأ رحلته يومياً من الجامعة، وتستمر حتى منتصف الليل، يقول: quot;في الجامعة استطيع ارتداء تيشيرت نادي يوفنتس الإيطالي، لا احد يعارض ذلك، بينما في جامعتي السابقة في مدينة جدة، كان الأمر يقتصر على الثياب الرسمية، وعلى الشماغ او الغترة والعقال، الوضع يجعلني متحفزاً للحضور، وللنجاحquot;. ومنصور الشراري الذي يلبس ثوبه السعودي، متزوج منذ سنتين، ويسكن في القريات المدينة الأقرب للأردن، يقول : فضلت القدوم إلى عمان لقرب المسافة، رغمكرهي لها، المعيشة غالية، والفتيات يثيرونني، الأساتذة أحياناً يقومون بتجاوزات تجاهنا، أتمنى أن أتخرج في الحالquot;.
المطاعم .. من مطعم هاشم تبدأ الحكاية.
يقول أحمد حسين طالب في جامعة العلوم التطبيقية : quot;قبل مجيئي إلى الأردن، زرت مطعم هاشم في الرياض، لقد قرأت الكثير على حوائط المطعم، حول تاريخه ونوعية الزبائن الذين يزرونه، حيث كتبوا هناك، بأنه المطعم الذي يوحد بين طبقات الشعب، الجميع يأكل هناك دون فوارق، وحين وصلت إلى عمان، أشرت إلى صديقي بأن نذهب إليه، لم يكن المكان كما في الصورة، بدا مكتئباً ومنزوي في شارع داخلي في وسط البلد، لم أجد الأغنياء هناك، بينما وجدت البسطاء يأكلون بسعادة، مع ذلك لم أعد إلى المكان مرة أخرى، فهناك حيث اسكن توجد مطاعم لا تجعلنا نتعثر بهم الغريب، يقدمون مأكولات سعودية، وخليجية ويقومون بالتوصيل إلى المنازل، حتى (المندي) يتوفر بكثرة في المناطق القريبة من أماكن تجمع الخليجين والسعوديين بشكل خاصquot;.
ينتشر في المنطقة المركزية للسعودين المطاعم اليمنية، إذ يقدمون في كل الأوقات الأطباق التي يفضلها السعوديين، دون تأخير، وبأسعار منافسة، بعض الوجبات تتطلب طلب خاص ويتم طبخها بناءً على طلب الزبون، المطاعم الأخرى بدأت تدخل على الخط بمحاولة توفير الوجبات الأكثر جماهيرية لديهم، مثل الكبسة والمضغوط ووجبات الإفطار التي تشترط وجود الكبدة كعنصرٍ أساسي. يقول صالح وهو سائق مطعم يقدم الكبسة ويقع غرب الجامعة الأردنية: quot;السوق هنا جيد، الطلبات كثيرة وفي كل الأوقات، أحياناً نقوم بالتوصيل إلى ساعات الفجر الأولىquot;.
في رمضان معاناة الطالب تتعاظم، حيث دوام الجامعات يتأخر حتى منتصف العصر، ولا يكون الوقت كافياً من أجل العودة للطبخ، والمطاعم لا تفي برغباتهم بتوفير وجبات خفيفة تناسب ثقافة الغذاء في الوطن، يعوضون ذلك بأستئجار نساء يأتين قبل موعد الإفطار بساعتين، ينجزن مهامهن ليخرجن إلى منزل آخر.
يبدي السعوديون أختلافهم حول تقبلهم للوجبات الأردنية الشعبية أو الفلسطينية، وإذاتقرر أن يكون العشاء أردنياً،ينشأ الكثير من الأختلافبينالمنسف والفريكة والفلافل والحمصوالفتة، وإذا ما استمر النقاش طويلاً حول العشاء، فالأمر لا ينطبق على الحلويات بعد وجبة عشاء دسمة، فالجميع يتفق على كنافة حبيبة وعلى بقلاوة عرفات ومعمول زلاطيمو. عبدالله الحربي يقول: quot; قبل نهاية الفصل الدراسي اتلقى طلبات من الوطن قد تصل إلى 15 كيلو من الحلويات، الكل في عائلتي صار يطلبها بالأسم، وبالنسبة للاصدقاء صار لزاماً علينا بعد كل وجبة عشاء تناول طبق كنافة في ضيافة حلويات حبيبةquot;
الحلقة الثانية
middot; الرفاهية .. مدبري منازل، طباخين، ومآرب أخرى
middot; من الذي علق صورته في انتخابات مجالس الطلاب
middot; مطرقة الوطن .. وسندان الشهادة.




التعليقات