في "فراديس أيائل وعساكر" لهاتف جنابي
منح اتحاد الكتاب البولنديين، مؤخرا، الشاعر العراقي هاتف جنابي جائزة "يوم الشعر العالمي - 2005"، على كافة أعماله الإبداعية، البالغة ثمانية عشر كتابا، متوزعة على الشعر والنقد والترجمة. وقبلها، حاز جنابي جائزتين أخريين، إحداهما خصت ديوانا شعريا له، نقل إلى اللغة الانكليزية. ولعل هذا التقدير الكبير لإبداعات الشاعر حفزنا على سبر أغوار عالمه الشعري، وكشف معاني ودلالات موضوعاته، الشديدة الالتصاق بهواجس الغربة والاغتراب، ودقائق الزمن المفتون بالمتناقضات. ولا شك أن هاجس الشاعر الإبداعي نما وترعرع في كنف المنافي، وفيافي النفس المغتربة في زوايا هذا الزمان الصعب.
والمنفى، بكل آلامه وعذابه، كان محورا رئيسا في شعر هاتف جنابي؛ فمنذ قصائده المبكرة تبدو بصمات الاغتراب واضحة، حاضرة في ذهنه وفي أعماق ذاته. يأتي صوت الشاعر سوطا يلسع ظهر المهاجر الباردة، حارا كشمس تموز، دافئا كمياه دجلة في قيظ لاهث. هذا الصوت يحاول أن يسمعنا وجع الغربة ونجيع الاغتراب، ويشق طريقه كي يصل إلى عقر أنفسنا. إن المتصفح ديوانه، "فراديس أيائل وعساكر"، الذي يضم بين دفتيه قصائد كتبت على مراحل متباعدة فيما بينها، يرى بوضوح لحن الاغتراب الصاعد في توتره من قصيدة إلى أخرى: تارة يعلو، وتارة يخبو، ليهب من جديد نارا لاهبة. ابتداء بالقصيدة الأولى، ومن خلال عنوانها "اغتراب الشاعر وشقاء القصيدة"، يؤكد جنابي، بإصرار، على عالمه وعالم قصيده المفرطين في الاغتراب:
هذي القصيدة تستميت و تستحيل حطام روح أو تراويح انعتاق
يرجها المنفى فتهمي مثل عصفور تناهشه
الصقيع! (1)
يبدو هذا العالم بلادا من جمود وصقيع ينتفي فيها الدفء بمعانيه الواسعة الفضفاضة التي تشمل المحبة والعلاقات الإنسانية الحميمة والأمل الفياض. إنه عالم محطم غريب يتشظى وحدة وتوحدا، يقف الشاعر في دروبه وحيدا يناجي مفرداته، فقد مضى كل شيء، ولم تبق إلا الذاكرة مرآة للزمن الماضي، المهلهل، القابع في خيمة الوراء الممزقة؛ أما المستقبل فهو الأمام السحيق:
قلت للمفردة
اجلسي في الصقيع
جلست [...]
قلت يا ريح ، هيا اعزفي لحنك ،
يا غصون أفيقي :
الوراء حطام
والأمام سحيق .(2)
حين يستخدم الشاعر، هنا، كلمة " سحيق" فإنه، كما نعتقد، لا يقصد الأخذ بالمعنى الأول الذي قد يتبادر إلى الذهن أي بمعنى "بعيد" أو "موغل في القدم"، وإنما يقصد الأخذ بالمعنى الأبعد في مغازيه، فنستشف من الفعل الثلاثي "سحق" معنى يفيد الانسحاق أي التحطم، وبذلك ينجح الشاعر في ردنا ثانية من الأمام المسحوق إلى الوراء المحطم، لنصل إلى نتيجة مؤداها أن العالم، بماضيه وحاضره، يدور في حلقة مفرغة تعبر عنها ثنائية الزمن المكسر – الماضي والمستقبل.
يتضح أن شيئا ما ينقص عالم الشاعر الذي، ورغم جمالية خلقه البديع، يستحيل إلى جسد ضبابي غامض، لن يشعر فيه الإنسان بالراحة إن لم يكمل ما نقص من هيئته. في قصيدة "إشارة" يغدو سؤال جنابي: "من يسترح؟" إشارة إلى أن الله استراح، بعد أن خلق كوننا الفريد، لكنه ترك لنا الانشغال في محاربة الظلم والفسق والشر حتى النهاية؛ أما الآن فمازال عالمنا سديميا، مقلوب المفاهيم، لما تشرق في سماواته شمس الحق بعد:
قارة من دمقس ،
سحاب من الطلع: من يسترح
جسد العالم الآن ممتلئ بالضباب . (3)
إنه عالم بائس، صغير بحجم الكف الواحدة، نافذته الوحيدة موصدة، تنهزم فيه الآمال، وينكمش التفاؤل فيه إلى الحضيض، فيصبح شعرة من رجاء على كفن بطل الزمان القادم لا أكثر. عالم سريالي مبهمة مفاهيمه يصفه الشاعر بالضآلة و الفراغ، فهو بحجم وعاء فارغ سكانه خليط من فطريات وأشنات وضيعة:
يا له من عالم ضئيل كقلبي
موحش شسوع مثل حقدي
دعي كشقائي
يا له
من وعاء
فارغ
مهيب .(4)
عالم تستلب المنافي فيه بصيص النور، فتنعدم الرؤية إلا من "حصان جريح يجر حصانا تباركه الجن تحرسه الحشرات"(5) . هذا الحصان الجريح، الذي يمتد من نافذة الشاعر الموصدة حتى آخر المنافي المتعددة، ليس إلا مشهدا من موكب الوجع والاستلاب، الذي زرعه في أعماقنا ذلك الشخص المدرع، ممتطي الحصان الآخر "المبارك". هذا المشهد قد يكون موكب حاكم ظالم، أو طاغية شرير، محاط بجلاوزة أشبه ما يكونون بجيش حشرات حقيرة. إن العالم المنكمش على نافذته الوحيدة المغلقة، المتلاطم بجيوش الجن والحشرات، يجعل الشاعر عاجزا عن إدراك مغزى وجوده الإنساني، وبالتالي يجعله منكفئا عن الغوص في تيار الحياة الجارف، ومبتعدا عن الشعور بالحد الأدنى من الاحتفال بالسعادة والعيش الكريم؛ وحتى حين يستظل بقصيدته الحميمة يراها تبتعد عنه، ويخيل إليه أنها عدوة له. هذا ما يمكن أن نسميه أقصى درجات الاغتراب الذاتي المفرط؛ فلا يكون الاغتراب هنا مجرد غربة منفي أو شقاء مهاجر، بل يتعدى ذلك ليصل إلى الجانب الفلسفي العميق منه، فالشاعر لا يشعر بالاندماج بقصيدته، والقصيدة تبتعد عن صاحبها، وتصبح كأنها عدوة له علما أنهما شيء واحد يبكيان هما واحدا:
وحين أسألها لماذا ، يا عدوة راحتي ، هذا النجيع؟
تعدو وتلطمني على صدري ،
فيدمي من صرير الوجد قلبانا
ونبكي . (6)
هذا الاغتراب، الذي تتجلى أقصى درجات حدته وأقسى حالات شدته في انكسار كل شيء وفي تحطم الأمل والشعور باقتراب الفاجعة والهلاك، لم يبدأ بالمنافي ولن ينتهي بها، لأنه مكنون من مكنونات الماضي المعششة في النفس المعذبة. إن القصيدة، كمبدعها، تنتقل من منفى إلى آخر، ويبقى الوطن بعيدا مختفيا وراء سور شاهق عظيم من الحنين والتمزق والاضطراب:
هذي القصيدة محرقة
مرثية الآتي وأغنية اليمامة والخراب ،
تنازع في الروح أو
قارورة مندلقة
صلعاء عادت ،
من منافيها إلى المنفى . (7)
يلتقي الزمان والمكان بعلاقة توأمية حميمة، ويغدو البكاء على الزمن الماضي بكاءً على المكان الغائب البعيد الذي لا يمكن الوصول إليه الآن: إنه ملعب الطفولة، ومسرح الشباب، ونقيض التشرد والمنفى. وكما هو الحال لدى شعرائنا القدماء، فإن البكاء على الأطلال مرتبط بالضرورة بالبكاء على الماضي، لذلك يصبح الزمان والمكان ظرفين ممتلئين بالناس وكل شيء (8). يصير البعد الشخصي الذاتي بعدا نفسيا، وتجربة في دواخل الشاعر، يتخذ من خلالها هذا الأخير موقفه إزاء الزمن الذي يضحي صورة مميزة لخبراتنا، وذلك لعلاقته الوثيقة بعالم الإنسان الداخلي، فهو لا ينفصل عن مفهوم الذات؛ إنه شخصي ذاتي ونفسي، كما يقول هانز ميرهوف. (9)
يطغى الشعور بالوحدة والوحشة والعزلة على عالم جنابي ويقض مضجع حياته، فيبكي حال زمانه، كما تباكى من قبله كبار شعراء العرب منذ عصور غابرة. لكن هذا الزمان جيوش تطارد الشاعر الذي يلجأ إلى الوحشة والريح، أي الذي يختار الحرية الذاتية ليبكي، كما يشاء، على من رحل من صحاب ورفاق:
(كان لي أن أصطفي الريح ،
بعد أن طاردتني
جيوش الأبدية
وصفرت في جسدي
مزامير الوحشة .
بعد أن نفق الأصدقاء الشعراء ،
والثوريون الحالمون !!
يا لزقزقة الوحشة
حين يحدق في نهديها المتخاصمين
رجل في خضم انهياره !) . (10)
وقد يبدو، هنا، أن هذا الكون الشاسع الموحش يتقلص، فنرى أسباب انزواء الشاعر مقتصرة على ذهاب الشعراء الأصدقاء والثوريين الحالمين، وهذا ما يحد من اتساع اللوحة الفريدة الرائعة، التي كان لها أن تشمل كل ضحايا وحشة الزمن الراهن الغريب، والتي تجعل من الوحشة عنصرا جماليا مركبا ومعقدا، محببا ومحزنا، متناقضا ومتناسقا في آن معا؛ فهي عصفورة تزقزق، وامرأة ومرآة لرجل موغل في هزيمته أمام الزمن العجيب. إلا أن النظر، من زاوية أخرى، إلى الاقتصار على رد مسببات تلك الوحشة إلى نفوق الثوريين والشعراء الذين ذابوا وغابوا، يمكن أن يكون مبررا شافعا للشاعر. فهؤلاء الأصدقاء، على ما يبدو، ما هم إلا رمز لمرحلة سقوط إيديولوجيات وشعارات طموحة، قد خلف زوالها الإحباط والفراغ الموحش في نفوس الكثيرين من مثقفي العالم العربي ومفكري البلدان الأخرى، وتاريخ كتابة هذه القصيدة يدل على ذلك بلا شك . (11)
يصبح الكلام الشعري شريك الصحارى والخلاء في شيء واحد هو: أنهما مصدر فزع الشعراء؛ ورغم التناقض الظاهر بين الشعر الغامض والعراء الواضح المكشوف، إلا أن الشاعر يجمع بين هذين النقيضين ظاهريا، ويجعل منهما شيئا واحدا لا يعرفه إلا الشعراء الذين يرون في "الخلاء العاري" حياة كاملة ثرة تغص بالخبايا الغامضة، وبالأسرار الدفينة بين رمال جرداء لامتناهية. إنها رمزية الصحراء التي تكشف عن وجه واقعية مفرطة زاخرة بشتى الصور، وبشتى الاحتمالات المتناقضة التي لا يمكن استشراف ملامحها من خلال منظور واحد، ولا يمكن للشاعر إلا أن يرتد فزعا مخافة الضياع في ليل الغموض الماحق:
هذا الكلام الغامض المتدفق
هذي الصحارى والعراء الماحق
فزاعة الشعراء والصوت الدفين . (12)
وإن كان الحاضر والمستقبل سوداويين، فقد أضحى الماضي ذا وقع خاص وذا حس ومغزى. الحاضر صورة اغتراب النفس والذات؛ هو برية ليس لها معنى، أشبه ما تكون بلوحة سريالية كاذبة:
وما الذي سأفعله ؟
بهذه البرية المتناثرة ؟
بالأمس ، كنت أنثر الكلمات أنجما ،
لتحصد السماء منها ما تشاء .
بالأمس كان الصمت ذا
صوت ومغزى . (13)
إن التأكيد على الأمس، والعودة إلى ذكراه، ليس إلا محاولة للهروب من الحاضر المغترب إلى الماضي الذي، وإن لم يكن مثاليا، يبقى، على أي حال، أفضل من الزمن الراهن. صراع الشاعر والزمن ليس مجرد شكوى ساذجة وحظ عاثر، بل هو عملية جدلية معقدة، حيث يحوي الزمن الماضي، بين دفتيه، عالما واسعا من المتناقضات، فيضحي جامعا بين نقيضين متضادين لكنهما مكملان بعضهما البعض، ولازمان لشروط وجودهما في علاقة جدلية أصيلة؛ وهكذا نرى "البرعم والشوكة"، ثم "المفتاح والقفل" في أبهى صورة للتعايش الواجب بين هذه الأضداد:
بالأمس ، كنت أنثر الكلمات أنجما ،
لتحصد السماء منها ما تشاء […]
وكنت برعما وشوكة
عباءة مثقوبة في الريح إبرة تئن في سرير
بالأمس ، كان الأمس مفتاحا وقفلا . (14)
ينظر جنابي باحثا عن الماضي الغائب، فيجده قابعا في زاوية من زوايا ذكرياته الحميمة، حيث تقفز صورة الجدة الدافئة بتفاصيلها الدقيقة. إن الغوص البارع في أعماق هذه الصورة وأشيائها الحميمة، ما هو إلا محاولة صارخة من الشاعر لتفحص الماضي وتلمس طيف ودائعه الحبيبة، عسى أن يجد فيه حافزا لآماله، ومشجعا لأحلامه، يشدان من أزره للخروج من مأزق الحاضر الموغل في الاغتراب الموحش. تجعلنا صورة الجدة، التي تتشكل من بعض أشيائها الخاصة، نتأمل مشهدا من مشاهد الطفولة المشرقة:
هذا الفناء ، هذه الرياش والأصابع الذهب
تلك العصا ،
وشعرها ، ومشط عرسها الخشب
وذلك الإبريق صامتا ، أراه أزرقا .
هذا الغبار المملكة
أنفضه ،
يرتد كالرذاذ .
رأيتها
تنفست
تمايلت إلى أمام
تمايلت إلى وراء . (15)
إلى هنا نرى حركية المشهد وحيويته، فالجدة مازالت حية تتنفس، وأشياؤها الحاضرة هي إحدى علامات فتوتها وشبابها، لكن الموقف ينقلب فجأة فنراها باكية، وبلمح البرق تختفي وكأنها لم تكن. وهذا الوضع يتناغم تماما مع ما يعتمل في نفس الشاعر، وفي باطنه من لوعة واغتراب: إن الماضي ليس المخلص الناجع من الواقع المؤلم، بل هو مجرد ذكرى مضت، تتشكل في صورة عابرة هي محض هباء زائل. إنه زمن الجدة العتيق، وليس زمن الحفيد المنشود، وهذا ما يقصده شاعرنا ويدركه تماما:
وانفجرت باكية !
همست : جدتي
صرخت ، جدتي
أعدت ، زمجرت
ودفعة واحدة ،
صارت هباء . (16)
وإن كنا نتفق مع ما كتب محمد حسين الأعرجي، في معرض تقديمه لديوان "فراديس أيائل وعساكر"، من أن التفاصيل المرتبطة بمشهد الجدة تمثل "ماهو مشترك بين الجدات جميعا، بحيث يتصور كل واحد منا أنه يتحدث عنه وعن جدته..."(17) ، فإننا قد لا نشاطره الرأي في أن الحديث عن الجدة يدخل في "تهشيم الماضي بأشكاله"(18) من خلال منظور الحداثة الذي يتبناه جنابي. إن الشاعر، باعتقادنا، يستدعي الماضي على صورة الجدة، التي نفهمها كرمز للأمة بأكملها، محاولا من خلال ذلك التذكير بالتاريخ الحضاري المجيد، وبعزة الأمة وعظمتها؛ ولطالما ذكرنا الشعراء المعاصرون بالأمجاد السالفة. غير أن جنابي لا يضع عنبه في سلة الأيام التليدة، ولا يرى في الماضي المخلص السحري من القضايا الحاضرة، وإنما يستحضره هنيهة قصيرة مركزا الضوء على دقائق صغيرة في ألفاظها، كبيرة في رمزيتها التي قد تشمل دولتنا المنيعة السالفة. أفلا يكون الفناء رمزا للحرية، والانعتاق، واتساع الأفق (تمدد الدولة مثلا)؟ ألا تكون الرياش رمزا للفرسان النبلاء الأشداء، واضعي الريش على رؤوسهم (ابن الوليد مثلا)؟ وألا يكون الذهب والعصا رمزين للغنى والقوة (الدولة العربية)؟؟ وبقدر ما يعي الشاعر أهمية استذكار الأمجاد، بقدر ما يدرك أهمية العودة إلى الواقع، لذلك سرعان ما يلقي بالماضي الذي أصبح مملكة من غبار وركام، يلقي به في سلة الهباء.
إن محاولة الشاعر الخروج من عالم اليأس والاغتراب الفاجع بينة، فها هو غير مستكين يسعى إلى تلمس طريق الأمل، رغم أنف الواقع المزري، ورغم القناعة الفاقعة أن الوصول إلى رأس الرجاء المنشود أمر غير ممكن. إنه يطلب الممكن، وفي الوقت نفسه يعرف أنه يطلب المستحيل، بعينه، مصرا على تسميته بالممكن:
قلت للممكنات افعلي الممكنا
قلت : يا قول ، قاطعني ،
قلت : يا كلمة ،
افتحي فخذيك ،
بكت الكلمة . (19)
هذا البكاء ليس إلا تعبيرا عن العجز، واليأس الذي يطوق الشاعر، وأبناء جلدته، في عصر انتصار الظلم، والتشريد، والمنافي. إن الماضي يمتد بعجزه إلى الحاضر، والشاعر يقر بذلك. وبسؤال بلاغي جوابه معروف سلفا، وبكلام مباشر صريح أقرب إلى النثر منه إلى الشعر، يقنعنا أن عجزنا الآن أكبر من عجز الماضي، لكنه يبقي الباب مواربا أمام بصيص أمل مستقبلي غامض، فالكلمة الأخيرة تبقى للزمن القادم:
فإذا افترضنا عجزنا عن إنجاز أحلامنا ماضيا ،
فهل سنفعل ذلك في مساحة تضيق بأعشابها وخرفانها ، بضفادعها المضربة
عن تناسل البياض ، وعظام أبنائها التي حولت إلى مضارب وهراوات ؟
هذا ما ستجيب عنه الفسحة ما بين نهدين ممزقين،
وهما يستغيثان بوحش . (20)
إن كان تساؤل الشاعر عن إمكان الخلاص من الظلام والظلم، وتحقيق الحلم مشوبا بالشك والتوجس، فإن الطريق إلى انبعاث المعجزة قد يكون أقصر مسافة من صراط الفسحة ما بين نهدين جريحين؛ ويمكن للمعجزة أن تخرج من مخاض الألم واليأس. ولا يسعنا هنا إلا أن نذكر كلمات مبدع آخر، غني عن التعريف، عايش التشرد والمنافي، هو غسان كنفاني الذي شخص هذه الحالة بقوله في رواية "الأعمى والأطرش": "إن المعجزة ليست أكثر من الجنين الغريب الذي ينمو في رحم اليأس، ثم يولد على غير توقع من أحد ليضحي جزءا من الأشياء، تبدو، ثمة، ناقصة دونه"(12) . كذلك معظمنا لا ينسى جملة الشاعر نزار قباني التي تصب في الخانة نفسها: "إن الثورة تولد في رحم الأحزان" (22)، فهي واضحة الدلالات والمعاني في توكيدها على أن الشعر يجنح إلى الأمل، وأنه سيبقى، بلا شك، يقارع اليأس والإحباط – توأمي الهزيمة والانكسار، ويستشرف زمنا زاهيا مشرقا. وهذا ما نلمحه أيضا في شعر هاتف جنابي، ونراه واضحا في خاتمة قصائده، وكأني به قد تقصد وضع هذه الأبيات الموحية على آخر صفحة من صفحات ديوانه، ليؤكد على إيمانه بالمضي في مسيرة الحياة حتى شروق الأمل:
الشاعر المسحور بالأضواء والعتمة
بمدية يبهجها الشقاء […]
يصبح يمسي ، حالما ، بالكلمات .
الراحلون يدفنون صوته .
القادمون يركلون قبره .
وليس من وسيلة سوى المضي .(23)
إن كان المنفى، والاغتراب، والزمن الرديء مقلوب المفاهيم، قد شغل حيزا كبيرا من الوجدان الشعري في قصائد هاتف جنابي، وشكل محورا رئيسا من محاورها، فقد كان الشعر يفلت من أي إطار تصنيفي واحد يمكنه أن يحد من انطلاقته الجريئة إلى فضاءات، ومناخات شعرية أخرى، وموضوعات متنوعة، غنية، تشكل عالما متكاملا لحياة تهيم بتفاصيل المشهد المتخيل والواقع المحموم، وتفيض بشمولية الرؤية، وبالتناغم البهي بين المتشابهات والمتناقضات، وبين الجزء والكل في وجدان غامر دافق.
إحالات
1- هاتف الجنابي ، فراديس أيائل وعساكر ، دار المدى للثقافة والنشر: دمشق 1998 ، ص 23.
2- المصدر نفسه، ص 29.
3- المصدر نفسه، ص 90.
4- المصدر نفسه، ص 51.
5- المصدر نفسه، ص 42.
6- المصدر نفسه، ص 29.
7- المصدر نفسه، ص 23-24.
8- انظر : عبد الإله الصائغ ، الزمن عند الشعراء العرب قبل الإسلام، منشورات وزارة الثقافة والإعلام ، العراق 1982 ، ص 260-261.
9- قارن : هانز ميرهوف ، الزمن في الأدب ، ترجمة أسعد رزق ، مؤسسة سجل العرب ، القاهرة 1972 ، ص 9-11.
10- هاتف الجنابي ، فراديس .. ، مصدر سابق ، ص 34-35.
11- كتبت هذه القصيدة عام 1991.
12- المصدر نفسه، ص 24.
13- المصدر نفسه، ص 26.
14- المصدر نفسه، ص 25.
15- المصدر نفسه، ص 27.
16- المصدر نفسه، ص 27-28.
17- محمد حسين الأعرجي ، عن الأيائل لا العساكر ، (مقدمة) في: هاتف الجنابي ، فراديس .. ، ص 10.
18- المصدر نفسه ، ص 11.
19- هاتف الجنابي ، فراديس ..، مصدر سابق ، ص 30.
20- المصدر نفسه، ص 199.
21- غسان كنفاني ، الآثار الكاملة – المجلد الأول (الروايات) ، مؤسسة غسان كنفاني الثقافية ، دار الطليعة للطباعة والنشر ، بيروت 1980 (الطبعة الثانية) ، ص 473.
22- نزار قباني ، إلى بيروت الأنثى .. مع حبي ، منشورات نزار قباني ، بيروت 1976 ، ص 45.
23- هاتف الجنابي ، فراديس ..، مصدر سابق ، ص 236.




التعليقات