محمد نبيل -برلين :قررت اللجنة المنظمة لمهرجان برلين السينمائي عرض فيلم عن أسطورة الغناء أديث بياف تحت عنوان الصبية أو الحياة الوردية لمخرجه أوليفيي داهان والذي لا يعد أول عمل يتناول حياة و عذاب إديث بياف،بل سبقه العديد من الأعمال السينمائية التي تناولت حياة بياف و على رأسها *الزحام* و *نشيد إلى الحب* و *ما فائدة الحب* و *بادام بادام*دون نسيان العمل السينمائي الأكثر شهرة حول حياتها وهو فيلم *اديث ومارسيل* لمخرجه كلود ليلوش الذي أنجزه عام 1983، والذي تدور حكايته حول تلك العلاقة المثيرة التي ربطت نجمة الغناء بياف ونجم الملاكمة مارسيل سيردان. لكن جديد أوليفيي داهان هذه المرة،إضافة إلى هذا النزوع السينمائي نحو تناول حياة إديث بياف،يطرح لدى العديد الكثير من الأسئلة و يفرض وقفة أمام هذه الأسطورة الفنية الخالدة التي تركت بصماتها الفنية واضحة في سجل تاريخ الأغنية العالمي.

من فلم أديث بياف
أديث بياف مسار حياة تراجيدية !
ولدت النجمة إديث بياف ـ وإسمها الكامل هو إديث جيوفانا كاسيون ـ يوم التاسع عشر من دجنبر عام 1915. لقد ورثت بياف الفن عن أمها ذات الأصول الجزائرية و الإيطالية ـ أنيثا ميار ـ التي كانت مطربة شعبية معروفة. و ستتولى تربيتها جدتها من الأم، الجزائرية عائشة سعيد بن محمد، قبل أن يسلمها أبوها إلى أمه بعدما قرر الذهاب للمشاركة في الحرب. لقبت بالصبية بياف من طرف لوي لوبلي،صاحب ملهى ليلي بباريس والذي التقته عام 1935قبل أن يفتح لها باب الملهى من أجل الغناء و الظهور أمام الجمهور،بعدها ستسجل أول أغنية لها بعنوان : الأطفال المتسكعون عام 1936، إلا أن اغتيال لوبلي عام 1937أزم إيديث بياف و خلق تحولا حاسما في مسار حياتها.

الكثير يعرف أن بياف مرت بتجارب و علاقات حميمية عديدة مطبوعة بالفشل بل و أن سوء الحظ كان يطاردها خلال علاقاتها مع عشاقها. و لعل خير مثال على ذلك، هو علاقتها الغرامية مع الملاكم مارسيل سردان،ذي الأصل الجزائري،و التي بسببها تغيرت حالة النجمة بياف وأمست أسوأ من سابقتها. فمع مارسيل، لم تنعم بالاستمرارية أكثر من أربع سنوات، بعدما توفي هذا الملاكم في تحطم طائرة كانت تقله عام 1947. و تحت تأثير هذا الحادث الأليم ستخرج بياف أغنية نشيد للحب إلى الوجود والتي تقول كلماتها: إذا خطفتكَ الحياة مني * أو إذا متَّ أو كنت بعيدا عني * لا يهم،إذا كنت تحبني * لأنني،أنا بدوري سأموت يوما ما.

وخلال هذه الهزات التي عصفت بحياتها،ستلتقي بياف بالعديد من الفنانين الكبار أمثال شارل ازنافور وكذلك بكاتب يدعى بيلس،هذا الأخير سيكون زوجها، إلا أن زواجهما لن يستمر أكثر من أربع سنوات،وكأن لعنة الانفصال ترافق بياف طيلة حياتها.

التحولات والحوادث التراجيدية التي عصفت بحياة بياف في نظر العديد من المتتبعين لحياتها،دفعها إلى تتناول المخدرات وعمرها لا يتجاوز عشرين عاما،بل اقتربت من فضاءات العهارة و أصيبت بانهيارات نفسية عديدة،لم تكن لتبعدها عن الميدان الفني أو تؤدي بها إلى الاستسلام،بالمقابل، خلقت نجاحها الأكبر و جعلت منها أسطورة الغناء العالمي.

بياف لا تخاف الموت و ها هي تعود إلى برلين بعد حياة مطبوعة بالحب والعنف والتمرد. فبياف تعود إلى العاصمة الألمانية هذا العام من خلال فيلم الصبية أو الحياة الوردية، بعدما غنت قبل رحيلها عام 1963 أغنية عن رجل برلين،المتشائمة من بحثها عنه، فهي تريد أن تحبه دوما، إنه واحد من الناس الذين يمرون في الشارع،يبحث بدوره عن النسيان،حتى قالت عنه في نهاية الأغنية: ليس هو الرجل الوحيد في هذا البلد السيئ.

تعود بياف مرة أخرى في حلة جديدة يعتبرها العديد من النقاد بمثابة لحظة تكريم كبرى لفنانة قدمت الكثير للموسيقى العالمية. بياف التي تعود هذا العام إلى برلين، مازالت حاضرة في قلوب عشاقها،وهي التي قالت أنها لا تهاب الموت لأنها لم تمارس شيئا شريرا في حياتها حتى تخاف من العقاب. بياف تعتز ـ ضدا على كل ما تقدمه المعطيات عن سيرة حياتها ـ بعلاقاتها الحميمة بالرغم من فشلها وما جلبت لها من مشاكل و آلام. إنها تعتبر أن كل هذه العلاقات قدمت لها تجربة هائلة. لم تندم بياف على ما فعلت، وعلى ما رأته في حياتها،و إذا كانت هناك فرصة جديدة،فستقوم بياف ـ كما صرحت بذلك ـ بإعادة نفس الأفعال و ستبدأ من جديد. أشكر السماء التي وهبتني الحياة، وهذه الإمكانية من أجل العيش،لأنني عشت مئة في المئة و لا أندم على ذلك.
صوت بياف ينبعث من جديد مع ماريون كونيار !
أن نتحدث عن إديث بياف في سطور، يعد فقط إشارة بسيطة لمشوار كبير خاص بفنانة وهبت نفسها للكلمة و الموسيقى. ويعد فيلم الصبية أو الحياة الوردية جزءا من هذا الحب الذي تحظى به من طرف عشاقها في كل بقاع العالم. فالكثير سيشاهد فيلم الحياة الوردية من خلال الممثلة ماريون كونيار التي تقمصت دور بياف بعدما وجدت صعوبة بالغة في تحقيق هدفها داخل الفيلم. وحسب ما صرحت هذه الممثلة في لقاءاتها الصحفية، فقد اضطرت إلى قراءة بيوغرافية بياف و الإنصات أكثر من مرة إلى أغانيها حتى يتم استحضار صوتها وروحها في هذا العمل السينمائي المتميز. فبياف كما تقول عنها ماريون هي خلاصة عذابها و ألمها طيلة الحياة و خاصة بعدما فقدت طفلتها و حبيبها الملاكم مارسيل.

ماريون قررت داخل الفيلم أن تلقي الأغاني بصوتها كما تقرأ نصا غنائيا،لأنها جربت العملية مرات عديدة و اكتشفت أن صوت بياف ينبعث من جديد من داخلها. لقد أحست كيف أن جسدها يتحرك كما كان جسد بياف يفعل ذلك على الخشبة. إن الأمر لا يتعلق بوسواس أو حالة مرَضية بل هو فقط عبارة عن إحساس بشيء سكن الممثلة الفرنسية خلال مراحل التصوير.


[email protected]