استيقظَ حمار له سطوة على قومهِ باعتبارهِ كبيرهم ونرفوز .. بُعيد منتصفِ الليل. جرى نحو الجرن وشربَ بقدرِ مطرتي ماء ثمّ جلسَ مستغرِقاً حتى قالَ كأنّما لنفسِه: إنّه منام عجيب غريب يطمئنّي ويُقلقُني في الوقت ذاته! فإذا نهضتُ له من هذه الناحية قعدَ لي من تلك الناحية والعكس صحيح! فهل أنا مُقبل أم مُدبر؟ ما الذي تخبّئهُ لي الأيّام؟.
وكأنّه فطنَ لأمرٍ جلدَ ظهرَهُ بكرباجِ ذيلِهِ ، وقالَ كمَنْ يحدِّثُ ذاتَه أيضاً: دائماً أنسى! سأجمعُهم لأرى ما إذا كان لديهم ما يقولونه.
لم يقل أنّ الصباحَ رباحٌ. وقامَ إلى النافذةِ، ونهقَ نهقةً اهتزّتْ من هولِها الكرةُ الأرضيّة كلّها. وما لبثت البراكينُ أن استيقظتْ هي أيضاً من نومِها، مذعورةً. وراحتْ قهراً تنفثُ الدخانَ الكثيفَ، ثمّ النيران والحممَ من فوّهاتها للحظات. حتى إذا استكانتْ قامتِ العواصفُ مولولةً، فيما الغيومُ الداكنةُ وكأنّها مدعوّة إلى تشييع مأتم، بدأتْ تتوافد من كلِّ حدبٍ وصوب، ويلتحمُ بعضُها ببعضِها في وسط السماء الكئيبة المحزونة المسكينة. وعلى حين غرّةٍ قام البرقُ ونحرَها في القلبِ منها، فزمجرتْ بالرعدِ، واندلقتْ، واجتاحت السيولُ كلّ ناحيةٍ، وجرفتْ في طريقِها إلى البحرِ كلَّ ما لم يتشبّثْ بالصخرِ.
وبعد ساعة انتبه المعنيّونَ بالنهقةِ من رقادِهم وقاموا على عجلٍ فقشروا الذبابَ المتراكم عليهم بأذيالِهم وآذانِهم وجروا بلا وعيٍ إلى إسطبلِ كبيرِهم. وبعد أن قبّلوا الأرضَ بين حوافرِه قالوا له بصوتٍ واحدٍ قلِقين: شبّيكَ لبّيكَ مماليكك نحن أتأمر أن نلقي بأنفسِنا من قمّةِ البرجِ فرِحينَ مستبشرينَ؟ قال لهم: بل دعوتُكم لأمرٍ آخر. قالوا بصوتٍ واحد أيضاً وكأنّهم تلاميذ في الصفّ يقرأون خلف معلّمهم ولا يملكون من أمرهم إلاّ أن يقرأوا: حضرتُك تقول quot;حاquot; أو quot;هِشْquot; فنقولُ quot;حاquot; أو quot;هِشْquot;. قال لهم مطرِقاً وكأنّه بينهم وليس بينهم: أنا في شِدّة. قالوا له بحدّة، فأجفلوه: نفديك بأتننا وكرارنا. قالَ لهم وهو يحدّدُ النظرَ فيهم: أفيكم من يعلمُ شيئاً عن عالمِ الأحلام؟. أجابوا باهتمام: وهل لدينا عمل غير الأحلام؟. قال: رأيتُ في منامي أنّي أُعطَى صولجاناً ضخماً، فيما حمار من حمير الزَرَدِ يصوفرُ بلحنٍ، وجنازةٌ تعبرُ من أمام المنصّة مهرولةً كأنّها تقومُ بالخطوةِ السريعة!.
واشتبكت الحميرُ ـ الأعيانُ مع ذواتِها، (وقلّما تشتبكُ الحميرُ مع ذواتها)، وقالَ بعضُها لبعضِها أنّه منامٌ عويْصٌ. وسألَ بعضُها بعضَها: ما علاقةُ الصولجان بالجنازة؟، وما علاقةُ الجنازة بالصفير؟، وما علاقةُ الصفير بالصولجان والجنازة؟، وما علاقة الكلّ بالكل؟. وقبل أن يحنوا رؤوسَهم استسلاماً، تقدّم حمارٌ مسنّ من آخِرِ الصفوف وهو يلتهمُ ورقةَ ملفوف وقالَ للكبير من دون أن يلتفت إلى زملائه: أنا مفسّرُ الحلم يا صاحب الحلم، ولكن قبل أن أبدأََ الكلام أرجوكَ يا سيِّدي ومولاي أن تعطيني الأمانَ، فأنا أخافُ على روحيَ من غضبِك إذا زلَّ لسانيَ بقولِ ما لا يعجبُك. قالَ له: لك هو. والآن إنهقْ بما تعلم. قالَ الحمارُ المسنُّ: أشكرك، ولكنْ لا بدّ من بعضِ الإستيضاحاتِ أوّلاً وذلك ردماً لفجواتٍ في المنام. قال له متململاً قليلاً: إسألْ.
وسألَه الحمارُ المسنّ: أكان الصولجانُ يا صاحب العصر والأوان من الذهب، أم من قصلِ الشعير؟. وكأنّ الكبير لدغتْهُ حيّة، لبطَ وانفتلَ، وقالَ للمسنّ: هُوْ هَاْ هِيْ أَهُوْ أَهَاْ أُهِيْ ـ إعلمْ أنّي لو لم أعطك الأمان للطمْتُ وجهكَ بحافرٍ تكون بعده عبرة لمن يعتبر، أصولجان من القشِّ لي أنا يا أيّها الحقير؟، أأنتَ عينٌ من الأعيان أم صبيّ من الصبيان؟، لي أنا صولجان من القشّ؟. وبعد أن ضرطَ هدأ قليلاً، وقال للمسنّ الذي كان يرتعد رعباً: أنا أريد أن آكل عنباً لا أريد أن أقتل الناطور. إسمعْ يا أيّها الطرطور، لقد كان الصولجانُ من ذهبٍ ومرصّع بالماس وكانت أنوارهما أسطع من نورِ الشمس أفي هذا ما يضيرك؟.
وهو يكاد يبكي، قالَ المسنُّ مجمجِماً كأنّما لذاته: ليتني أوصيتُ أتاني قبل مجيئي إلى هنا بأن تنتبه إلى إبننا الكرّ، وتحذّره من العمل عند الأفّاقين الظالمين، إنّ جوابَهُ يعني أنّنا في خطر، ولكنّي بحاجة إلى معلومات زيادة. والتفتَ إلى مولاه وسأله حذِراً: أكان اللحنُ بالصوفرةِ لحناً ترِحاً أم فرِحاً؟. وفهمَ السيّدُ أنّ المسنَّ، (وقلّما تفهمُ الحميرُ)، إنّما يستهزئُ به، فنهقَ بوجهه نهقةً شقلبتْه في الهواء، وقال له بعد أن لبطَ الهواء لبطةً لو وقع حافرُها على جبلٍ لدكّتْه دكّاً: أنا أكيد الآن بأنّ الملفوف يذهبُ بأمِّ عقلِ الفيلسوف، (وقلّما تتأكّد الحمير)، فكيف إذا كان العقلُ هو عقلك؟، ألحنٌ ترِح لي أنا؟. أجبني أنطقْ إنهقْ قلْ شيئاً. كيف لك عين وتسأل مثل هذه الأسئلة؟، أأنتَ ركنٌ من الأركان، أم راعٍ من الرعيان؟، تبّاً لأمِّك وأبيك وعموم صحبك وبنيك، اعترفْ، أأنتَ إنسي في سيماء حمار؟، أمدسوسٌ أنتَ علينا؟، ألحنٌ ترِحٌ لي أنا؟، ألا إعلمْ يا أيّها المجرم أنّ اللّحنَ لم يكن ترِحاً بل كان فرِحاً، وفرِحاً جدّاً، أفي ذلك ما يسيءُ إليك وللذين دفعوا بكَ إلينا؟.
وما أن أتمَّ السيِّدُ الحمارُ الكبيرُ صاحبُ السطوةِ والنرفوزُ كلامَهُ، حتى رؤوي الحمار المسنّ يترنّح ويكاد يقع أرضاً، فبادر إثنان من الأعيان، (وقلّما تبادر الحمير)، وسنّداه بقفاهما.
وقال المسنُّ مجمجماً ومغمغماً لنفسه: آهَاْ آهَاً أُوْهَاً أُوْهَاً ـ ألا يا ليتني شربتُ دلواً أو دلوين من الماء قبل مجئي إلى هنا. وَاهَاً وَاهَاً وِيْهِي ـ ألا يا ليتني أوصيتُ عيلتي بأن تأخذ بالها من إبننا الكرّ، (وقلّما تأخذ الحمير بالها)، وأن تمنعه بالحديد والنار من التعاون مع الأشرار وردائفِ الإستعمار والإستعمارِ ذاته. أَهَابَ ـ ألا يا ليتني نبّهتُ حليلتي، (وقلّما تنتبه الحمير)، بأن تحرصَ، (وقلّما تحرص الحمير)، على ألاّ يقترب إبننا ولو من بابِ التسلية العابرةِ من القمار. والتفتَ نحو السيِّد متردِّداً متهيِّباً مذعوراً متقدِّماً خطوةً إلى الأمام ومتراجعاً خطوةً إلى الوراء ويعصفُ به الرجاء ألاّ يكون الجواب الأخير على السؤالِ الثالث الأخير العلامة الثالثة والقاطعة على حتميّة وقوعِ كارثة ينفقُ بسببها وبالصعقة المدويّة كلّ مَنْ في الإسطبل. وسأله بعد أن قال له السيّدُ بأن يأخذَ حذره، فقد بلغ السيلُ الزبى، وطما العرام، وأنّه ليس للصبر في قلبه بعد مقام: أَهِيْ أَهَاْ أهْ أهْ أُوْهْ أُوْهْ إِيْهْ إِيْهْ ـ ما هو رأيكَ، كِيْهِ كِيْهْ ـ أكانت الجنازة أَحِيْ أَحَيْ ـ لميْتٍ أم لحي؟.
وكأنّ السيِّدَ كان يتوقّع سؤالاً، (وقلّما تتوقّع الحمير)، من هذا القبيل، ولذلك كان يحتقن وينفخ بطنَهُ كأنّما هو quot;بالونquot;، ويستمسك بالأرض كأنّما لئلاّ ينزلقَ، وما أن سمع السؤالَ حتى زاغتْ عيناهُ من هولِ السؤال، إذْ لم يسمعْ بحياتِه كلّها مثل هذا السؤال، وضرطَ ضرطةً انفلجَ من عزمِها مبعرُه، وطيّرتْ لمسافة مليون كلم كلّ مَنْ كان في طريقِها، وقرّبَ وجهَهُ حتى لامس أنفُهُ أنفَ المسنّ وقالَ له مرغياً مزبداً: ثكلتك أمّك، إنّ يومك أسود، سأجلبُ الفرّامة وأفرّمك، سأجلبُ الغدّارةَ وأطلق رصاصةً تستقرّ بين عينيك، سأخنقك وأرمي بجثّتكَ إلى الذباب والديدان، سأصلبك وسأجعلك مرعى للعقبان، سأرمي بك في قفصٍ مع ناب، سأجعلك خبراً لكان وأخواتها، وهنّ: ما فتئ، وما برح، وصار، وما زال،
وغيرهنّ وهنّ غير أخوات إنّ، ومنهنّ: كأنّ، وليت، ولعلّ، ولكنّ، وأنّ، سأُلحقكَ بالديناصورات وحيواناتٍ أُخرى كثيرة اغترّتْ فهلِكتْ، أتمتلئ هذه الدنيا بالضراط والبعر أيّها الشقيّ إلاّ بسببك؟، يا ويلك منّي، ألم أحذِّرك؟، إسمعْ يا هذا، إذا كنتَ تيساً، (وما أكثر التيوس)، فأنا الكرّاز، وإذا كنتَ كرّاً، فأنا الجحش، (وما أكثر الجحوش)، وإذا كنتَ ضبعاً، (وما أكثر الضباع)، فأنا الغضنفر، (ولا غضنفر بين الحمير)، وإذا كنتَ ثعلباً فأنا الشيطان الرجيم، وإذا كنتَ تبناً فأنا الحيّة التي تحت التبن، وإذا كنتَ جحراً فأنا الجرذ، وإذا أنت السحلب!، فأنا العقرب، وإذا كنتَ صاحب كيد فلا تنسَ بأنّك تلميذي، وإذا كنتَ الأحقر بين الخلق، فأنا الأخطر بينكم، ومهما يكن أَخَاخَاْ أَخَاْخَا ـ لا لا لم تكن الجنازة لحي، أوَ تكون جنازةٌ لحي؟، لقد كانت الجنازةُ طبعاً لميْت!، أفي هذا ما يثير إستغرابك أيّها المخرِّف النموذجي المثالي؟!.
وهو يهمُّ بتوجيه حافر إلى أمّ بطنه، ليسفِّرَه إلى كوكبِ المرّيخ، وإذ بالمسنِّ يهوي أرضاً مغميّاً عليه، بعد أن يَفهمَه الحضورُ يقول وعمرُكم يطول: هَاْلُوْ بَالُوْ ـ فاتَ ما فاتَ وماتَ مَنْ مَاتَ آمُوْ آمُوْ ـ الجنازة لميْت!. علينا العوض. هاتن باتن، باتن باتن ـ كلّ ما هو آتٍ آت، وكلّ ما قد فات، فات.
رأى السيّدُ وسمع، راحَ ورجع، طلعَ ونزلَ، شالَ وحطّ، أضافَ وأنقص. قالَ أخيراً نافثاً الهواءَ الحارّ كأنّما ينشد الصبر: لا أشكُّ، (وقلّما تشكِّكُ الحميرُ)، بأنّ لهذا الليل نهاية. والتفتَ صوب الأعيان الواقفين كالأصنام وسألَهم غير مكترثٍ بهم وبجوابهم: ما هو شأن المسنّ؟، ما به الليلة؟، لماذا هو لا للعير ولا للنفير؟، أنا لم أصبه بأذى!، أأصبتُه بأذى؟، لا لا لم أصبْه بأذى!، ألم يكفني همّي وغمّي وامرأة عمّي وحلمي حتى أُبتلى بهذا المسنِّ المعقّد المجنون المخطوف؟، لقد أفقدني توازني!، (وما أقلّ توازن الحمير)، وجعلني أضرب حافراً بحافر!، وأخماساً بأسداسٍ!، إذْ كنتُ في ديجورٍ، فإذا بي في ديجورين: ديجورِ المنامِ وديجورِ ما أسمع وأرى الآن!. ونظرَ، وأمرَ الحاجبَ بأن يهرعَ ويجلبَ دلوَ ماءٍ وصاعَ شعيرٍ، وأن يدلقَ الماءَ فوق رأسِ الحقير، وعندما يصحو، أن يلقّمَه من صاعِ الشعير، فترتدّ إليه روحُه، وينهضُ على حيلِه. وفعل الحاجبُ ما أُمِر به. وفعلاً استيقظَ الحمارُ، وتلمّظَ بلسانِه مرتوياً من قطرات ماءٍ كانت لا تزال تقطر من رأسِه باتّجاه فمه، وقضمَ كلَّ ما في صاعِ الشعير حتى آخر حبّةِ شعيرٍ، ونهض واقفاً على قوائمِه الأربع، واستتلى بالثغاء والمواء والأنين قائلاً لسيّده وهو يلتفت بين الفينة والفينة إلى زملائه الأعيان كأنّما يُشهدهم على كلامه وليتعاضدوا معه: أوَ هذا منام تحلم به يا مولاي؟. أوَ هذا منام؟، يا للكارثة، (وما أكثر كوارث الحمير). يا للملمّات كلِّها، (وما أكثر الملّمات التي تحدق بالحمير). أوَ تعتدُّ بأنّكَ رأيتَ في المنامِ صولجاناً من ذهبٍ وماس وأنوارهما تغطّي على الشمس؟. أقبّلُ حوافركَ أجبني يا مولاي؟. وما نفعنا مِنْ صولجانٍ من ذهبٍ وماس أنوارهما إذا دخلت من الباب فرّت الشمس خجلاً من النافذة؟. أنقضمُ نحن الحمير الذهبَ والماسَ؟، أم نقضم الأنوارَ المنبعثة منهما؟. ما هو شأننا نحن الحمير بالذهب والماس، أناقصنا ذهب وماس، وعصابات، وأفّاكون، وفتّاكون،
وحقراء؟. وما شأننا والأنوار، أنرقص ونغنّي أن تصيبنا الأنوارُ فنرمي قنابلَ ذريّة على هيروشيما وناكازاكي ونرمي قنابل زنة الواحدة منها عشرة أطنان على رؤوس أهل الطين في أفغانستان؟. ماذا دهاك أيّها السيّد الحكيم حتى ترى مثل هذا المنام؟. وأخطر من كلّ ذلك فأنا أسألك وأرجو أيّها السيّد الحليم أن ترأفَ بي وبربعك وتجيبني: فعلاً ما شأن الحمير بالذهبِ والماس؟. أنت تعرف ـ وأجهشَ المسنُّ بالبكاء ـ أنّ القومَ الغابرين كانوا أعقلَ منّا. إذْ جعلوا آلهتهم من التمرِ ومن التمرِ الفاخرِ بالتحديد. وانصرفوا إلى مناجاتِها، فحازوا على بركاتِها مرّتين:
في المرّةِ الأولى حين اطمأنّتْ وجوههم وتورّدتْ خدودهم وتفاءلتْ عيونُهم. وفي المرّة الثانية حين ألمَّ بهم عام الرمادة وأصابتهم المسغبة وتداعوا أرضاً فهبّتْ ودخلتْ إلى أفواههم واستقرّتْ في بطونهم وأعانتْهم على الوقوف. ولو كان الصولجان الذي رأيتَهُ من قصلِ النجيليّات ومنها الشعير مثالاً لا حصراً لاستفدتَ منه وأفدتنا نحن أعوانك، فتقضم منه ونحن نقضمُ معك ويطيب خاطرك ويطيب خاطرنا معك. ألا إعلمْ يا سيّدي ومولاي أنّ صولجانك هو أوّل إشارة على قرب وقوع الكارثة.
أمّا ثاني الإشارات وهنّ ثلاث فإنّك سمعتَ حمار الزَرَد يصوفر لحناً فرِحاً!. يا لسعدِنا وهنائنا، بل يا ويلنا وويل آخرتنا، ألحنٌ فرِحٌ يا أيّها العظيم الأعظم؟. ألحنٌ فرِحٌ وأنتَ تعلم أيّها الكريم الأكرم أنّ اللحنَ الفرِح هو للفرَح وأنّ اللحنَ الترِح هو للترَح؟. أمّا ولحنٌ فرِحٌ لترَحٍ نحن فيه منذ خرجتِ الأرضُ من قبضةٍ فَيَاْ فَيِيْ فَآهْ فَإِيْهْ.
وثالثة الأسافي هي أنّك رأيتَ في منامك جنازة لميْت!. أهذه رؤية؟، أنفرحُ لك أنّك رأيتَ لنا جنازة لميْت؟. ألا تدري، (وقلّما تدري الحمير)، أنّ الميْت هو الشرّير، هو الآثم، هو البطِر، هو الإستغلالي، هو المأجور المرتزق معدوم الضمير؟. أيخفى عليك، (وكم يُخفى على الحمير)، أنّ الميْت وهو على هذه الحال هو الميْت وأنّ الميْت الذي خرجَ على الظالمين شاهراً سيفَه هو حي؟.
ألا فليعلم الجميع ـ والتفتَ إلى الأعيان ثم عاد والتفتَ نحو السيّد ـ أنّنا بعد هنيهة سنكون عصفاً مأكولاً. وسكتَ وما أتمّ كلامَه.
كانت الحمير ـ الأعيان تصغي باهتمام إلى كلّ ما دار بين السيّد والمسنّ ومن دون أن تفقه شيئاً، (وهل تفقه الحمير؟)، ولكنْ ما أن سمعتْ عبارة quot;عصفاً مأكولاًquot; حتى فقدتْ صوابَها. إنّها عصفٌ آكِل فكيف تغدو عصفاً مأكولاً؟!. أيمكن أن تؤكل الحمير؟!. وضجّتْ قاعة الإسطبل المنيف بالنهيق المنكر، وتدافع الأعيانُ يطلبون الفرارَ والنجاة بأرواحهم من الفخّ الذي هم فيه. قال واحدٌ منهم وهو لا يعرف أيروح أم يجيء: أنا بعرضِكم دلّوني أين هو الباب من هنا؟. وصرخَ آخر يصطنع الرصانة، (أوَ بين الحمير رصين): يا قومي اعقلوا!. فصرخ به زميلُه متلفّتاً بحثاً عن المخرج: ونعقلُ ماذا الآن؟ أنج بنفسك يا سعيد فقد هلِك سعد!. سأله الرصين مذعوراً وهو يحفّ به طالباً المخرجَ: أوَ قلتُ شيئاً منكراً؟ إنّها كلمة سمعتُها قبل الآن في ظرفٍ كهذا الظرفِ الحرِج ولا أعرف ماذا تعني! أفي هذه اللفظة بالتحديد ضررٌ ما؟. وتضايق عينٌ من الأعيان فلبطَ وأصابَ بالصدْفةِ حنكَ زميلٍ كان خلفه، فكرّتْ على الأرض مسبحةُ أسنان. فما كان من الأخير إلاّ أن ضرط فتعمشقتِ الضرطةُ بوجهِ وأنفِ زميلٍ كان خلفه. فتخدّر هذا من فورِه كأنّه أُعطي إبرة بنج، ثمّ غاب عن الوعي واقفاً من شدّةِ الزحمة، ثمّ صحا ونتشَ على الفور رقبةَ زميلٍ كان يحاذيه. فنهق هذا قائلاً: أَهِيْ أَهَاْ أَهِيْ أَهُوْ. وصرخَ عينٌ من الأعيان من زاويةٍ في الأسطبل ويُدعى الأقطش إذْ كان إنسي على هيئة ذئب وقيل ذئب على هيئة أنسي قد صلمَ له أذناً: آهْ أُوْهْ ـ لا يصيبنا ما يصيبنا إلاّ بسبب خطايا يرتكبها يوميّاً مولانا. فردَّ عليه آخر من زاويةٍ أخرى ويُدعى الأجرب إذْ كان في حملةٍ عسكريّةٍ على قومٍ مظلومين هم الفيتناميون وقصفَ جنرالاتُه الفيتناميين بهواءٍ أصفر وبنّي وبرتقالي، فارتدّتْ نفحةٌ من هذا الهواء وأصابتْه في جنبِه، وهو من يومها ـ وقد كان محظوظاً إذْ نجا بروحه وإن ليس بعقله أيضاً ـ يصيبه حكاك شهراً في السنة، ردّ عليه قائلاً: أَهْ أَهْ ـ يا لك من منافق أوَ لستَ شريكاً لقبائح سيِّدك؟. وقال ثالث من زاوية ثالثة:
إِيْه إيْهْ ـ أجل لكلٍّ منّا ما سعى إليه، أستحلفك يا أقطش وأنتَ يا أجرب ألم تلبطا أمّيكما وأنتما بعد في بطنيهما؟.
واختلط الحابل بالنابل عضّاً ولبيطاً ونهيقاً وضراطاً وتبعيراً ولم يخل الأمر من مناكحةٍ وطار حافرٌ من لا مكان كأنّه قدّ من جبلِ الصوّان وحطّ من دون أي تردّد كأنّه نيزك على أمّ وجه السيِّد ذاته، فيندفع إلى الخلف متراً ويزمجر ألماً وقهراً. وترى الحميرُ وتسمع، فتجمد في أرضها، وتزوغ أبصارها، وتدور عيونها في محاجرها، ثمّ تهمد. وينتشرُ السكونُ كأنّه سكون القبورِ هنيهةً.
ثمّ تصحو وكأنّها لم تكن قبل قليل في حربٍ ولا حرب داحس والغبراء، أو الحرب الخسيسة الكونيّة الأولى، أو الحرب الخسيسة الكونيّة الثانية، أو حرب العلم الواحد، أو حرب العلمين، أو حرب عاصفة الصحراء، أو حرب النهب الأولى في جزيرة، أو حرب النهب الثانية في الجزيرة ذاتها، أو حرب الرمح والثور وغيرها من الحروب التي لا تعدّ ولا تُحصَر بين بني البشر. وتتعجّب الحمير ـ الأعيان إذْ ترى دماً على وجه هذا وذيلاً مشموطاً في ذاك وبعجةً في بطن ذيّاك ورسناً مقطوعاً في هذه الزاوية وبردعة منعوفة في تلك الزاوية ووبراً في كلّ مكان.
وتكون جَمْجَمة وتمتمة ثمّ نهيق. فينهق بهم السيّد نهقةً مزلزلةً، فيما يداري وجهه الشريف بحافريه مصلحاً موضِع اللطمة، ويقول لهم مهدِّداً متوعِّداً مزبداً مرغياً: سأقصفكم بالسلاح النووي إذا لم تصمتوا فوراً. امتثلتِ الحميرُ، (وهل تملك الحمير غير أن تمتثل؟). واستتبع بعد أن أخذَ نفساً عميقاً كمن اهتدى إلى حلٍّ بعد جهدٍ قائلاً: أَهْ أُهْ أَهَاهَا أَهَاهَا ـ اسمعوا وعوا. أَهْرُوْرُوْ ـ فكما لكلِّ حادثٍ حديث فإنّ لكلّ حديثٍ حادث، وكما لكلّ منامٍ تفسير فلكلّ تفسير منام، أَيْ أَيْ أَوْ أَوْ ـ وقبل بزوغ الفجر يجب أن يكون جميعكم متوجّهاً إلى حيث يبيت، وهناك يتوجّب على كلٍّ منكم أن يعتلف أوّلاً من معلفين، ويشرب الماء من جرنين، ويعفّر وجهه بالتراب أو الرمل أو الرماد ثلاث مرّات، ثمّ ينهق تسع مرّات، ويضرط بقدر ما يشاء فليس على الضراط عدّ وحساب، ثمّ يكسر إبريقَ الزيت، ثمّ يتمنطق برسنين وحياصتين ويلتحف ببردعتين، ثمّ يحذي حوافرَه ويضرب في كلٍّ منها خمسة مسامير أو ستّة أو ثلاثة أو حتى مسماراً واحداً ويخلد للنوم، حتى إذا استيقظ سيجد أنّه نسي تماماً هذه الليلة المشؤومة، أَهْرِيْرِيْ ـ آسف، أَهْرَارِيْرَكَة ـ المباركة. وستعيشون بعد ذلك أنتم وذريّاتكم بَاْتْ بَاْتْ أَهِيْ أَهِيْ باتٍ باتٍ ـ بسباتٍ ونباتٍ قطيعاً بعد قطيعٍ وجيلاً بعد جيل.
وخرجت الحمير ـ الأعيان إلى مراقدها ملوِّحةً بمحارمِ أذيالها لنجمةِ الصبح ومحوربةً: حقّاً لا يرى كبيرنا إلاّ مَنْ يسمعه ولا يسمع كبيرنا إِيْهِي إِيْهِيْ ـ إلاّ مَنْ يراه. آهُوْ آهُوْ ـ ويا ويلنا، آهَا آهَا ـ من بعدك، أيْهِي أَهِيْنَا ـ يا سيّدنا.
ووصلت الحمير إلى مراقدِها، وعمِلتْ بما علِمتْ وحفظتْ عن ظهرِ قلب كما عمِل السيِّدُ أيضاً بالتمامِ والكمال، ومن دون أدنى شكّ.


[email protected]