"الحربُ استمرارٌ للسياسةِ لكنْ بطريقةٍ أخرى"... هذه الجملةُ الشائعة منذ "توماس هوبز" (1588-1679) تفترض أن الحربَ عارضٌ طارئ على فضاء سلميّ لا يمكن للسياسة أن تُمارَس إلا في أبهائه. تبعاً لذلك فإنّ ما يؤسس الدولَ ويمنحها شكلها وهويّتها هي تلك الحالةُ من اللاحرب، أيْ ان النظام القانونيّ السلميّ أصلٌ لكلّ نشاطٍ سياسيّ ممكن، وهو أصلٌ قد تقطعه فوضى الحروب وقعقعة السلاح، إلا انه ـ مع ذلك ـ يظلّ شغّالاً وفاعلاً كمرجعيةٍ ومثابةٍ تتمّ العودة اليها باستمرارٍ لتشخيص استثنائية الحرب و"طارئيتها".
السمةُ القانونيّة للدولة نقيضٌ للحرب إذاً. ونحن نشرع في الكفّ عن الاقتتال ما ان تكون للقانون قوّة ملزمة تنتقل أسماعنا بعونٍ منها إلى تملّي الحقائقَ التي ينطق بها لسانٌ قانونيّ باردٌ، بعد أن تكون قد أصمّتنا لبرهةٍ من الزمن أصواتُ الحقائق المتنافرة التي لا تُقال إلا ضجيجَ مدافع أو صافراتِ إنذار أو سيارات مفخخة تجوب الشوارع.
فالحربُ، هذه البقعةُ التي لا سيادةَ لأحدٍ فيها على أحد، هي غيابٌ لأصل قانونيّ مفقودٍ ويُطلب باستمرارٍ. إذْ القانون هو هذه السيادة ذاتها التي تجعل الناس أتباعاً لثلةٍ من الأفراد المتبوعين. ذلك هو النموذج القانونيّ للسيادة مختصراً: تبدأ السلطة "ومن ثمّ القانون" فقط حين نغتسل من وحل المعارك.
في مقابل هذه الرؤية "الهوبزية" التبسيطيّة استعان ميشال فوكو بشغفه الأصليّ في إدخال الخلخلة والالتباس على كلّ ما يبدو بدهياً، فتساءل أولاً عمّا إذا كان هناك في لحظة تأريخية ما خطابٌ آخر مضادّ يرى في القانون والنظام استمراراً للحرب وليس إطفاء لها، بحيث يمكننا عكس مقولة هوبز لتصبح كالتالي: (ان السياسة استمرار للحرب بطريقة أخرى)، لنكون بذلك متطابقين مع خطاب تأريخي ـ سياسيّ هو الأكثر فاعلية والأجدر بقراءة وتفسير الوقائع السياسيّة.
الملاحَظ أن قارئ فوكو يخلص إلى أنه لم يَمنحْ سماتٍ واضحةً ومحددة لأرباب هذا الخطاب المضادّ، فهم ظلّوا آباءً غامضين تحدس بهم دون أن تستطيع تسميتهم، خلا إشارته السريعة إلى عمل "ماركس ـ انجلز" المبتني ـ حسب رسالة أنجلز لماركس ـ على اكتشاف صراع الطبقات بعد دراستهما لكتابات المؤرخين الفرنسيين الذين رووا فصول الحروب الأهلية.
لكنْ وعلى الرغم من الضبابية التي تكتنف ملامح القائلين بالمفهوم غير القانونيّ للسيادة، إلاّ ان هذا المفهوم يزداد نضوجاً تحت يديْ الساحر فوكو، فهو ينتقل من تساؤله عن الدور الذي تلعبه الحقيقة هنا وهناك، في الحرب كما في القانون، إلى تشكيكه بقدرة (مفهوم القمع) على الإحاطة بالسلطة واختصارها، برغم انه ملمح أساس من ملامحها، مروراً بتساؤله العميق عن الشرعية التي يفضي إليها القانون: هل تصلح علّة كافية لتعقّل إستصدار هذا القانون أم ان إجراءات الإخضاع التي تسم القوانين كلّها هي الأجدى في أن تكون النافذة التي تتيح لنا رؤية الدساتير عاريةً دون اكسسوارات تُخلع عليها من خارجها.
وبدلاً من هذا الفصل القسريّ المقام بين الحرب "الطارئة" والسلْم الذي تكون السيادة والشرعيّة والقانون بعضاً من آثاره، فإنّ فوكو يخلص إلى إمكانية دراسة السلْم والسلطة والقانون على أساس الحرب وحدها، إذ (لا هوبز ولا كلوزفيتز ولا صراع طبقات وإنما الحرب الأهلية.... ) هي التي تعطي المضمون الدائم لكلّ المؤسسات المدنية. هذه الحرب التي لا ينبغي النظر إليها بعد الآن باعتبارها مجرد مؤامرة على صفاء المجتمع المسلّح بحقائق القوانين، بل هي الحاضنة الطبيعية لكلّ تشريع. ومنها، من وحلها ودماء ضحاياها وضجيج أسلحتها وُلدت القوانين كلّها، وفي أنقاضها ومدنها المحترقة فتحتْ الحقيقة عينها واستمرّتْ حيّة داخل آليات السلطة.
ذاك أن الحقيقة التي ينادي بها المتحاربون ، مثلها مثل الحقيقة التي يروم الدستور فرضها، لا عمل لها سوى أن تكون سلاح إخضاعٍ وهيمنة، وفي الحالتين فإنّ أهمية الحقيقة تكمن في قدرتها على أن تكون تبريراً للقوّة وإعداداً لها ومن ثمّ تهيئة لقبول الإكراه والإخضاع.
بناءً على ذلك فإن خطاب الحقّ الذي يرفرف دائماً على الجيوش كظلّ طائرٍ كبيرٍ ليس سوى هامش ملحقٍ بإرادة الغَلبة التي تُنجَز بالبندقية أو الطائرة أو شحنة الديناميت. وإذا أقنعتنا الحروب الصليبيّة بهذا الارتباط المضحك بين الصليب والحرب، أو إذا أقنعنا فاتحو أميركا بقداسة قضائهم على دول بأكملها كانتْ أكثر تحضّراً منهم، حينها فقط يمكن أن نقتنع بأن الاستشهاد وطلب الفردوس وحكم الشريعة هو مطلوب من يفجّر نفسه ويقتل معه عشرات الناس.
مهما بدتْ إعدادات (الحقيقة) صارخةً بألف لسانٍ ولها حضور طاغٍ يبلغ حدّ الهياج والقدرة على التجييش، على ما نرى اليوم في الخطاب الإسلاميّ أو القوميّ، فإنها لا تستطيع التستّر على ثانويتها، وفي كلّ يوم يتضح أكثر فأكثر أن موضوع الحقيقة متغيّرٌ أبداً وتابعٌ لممارسة القوّة التي هي الثابت الوحيد في هذه المعادلة. يكفي أن نمعن النظر في إنقلاب البعثيين إلى سلفيين، لندرك أن كلّ ما يحفّ بالقوة وإرادة الغَلَبة قابل للتغيير وإعادة النظر مهما كانت العلامات الدالّة على قداسته.
إن ضروب الاصطفافات والتحالفات الجديدة التي أحدثها زلزالُ العراق تدلّنا على مكامن الهشاشة التي تختفي حقائق طالما رُفعتْ كشعارٍ ليس وراءه إلا الموت من أجله. فليس من المدهش أن تجد ماركسيّاً يبدأ مقالته بدعاء للزرقاويّ الذي يسميّه (الزرقاويّ الرمز)، أو حزباً منشقّاً عن الحزب الشيوعيّ العراقيّ أصبح شعاره (يا عمال العالم ويا مستضعفيه !... أتحدوا)، كما لم يكنْ مدهشاً أن الذين رموا بدلات الحرس الخاصّ وفدائيي صدام يوم التاسع من نيسان ارتدوا سريعاً الدشاديش واللثام ليكونوا في جيش الصحابة أو أنصار السنّة.
القومية والماركسيّة فالإسلام مواضيع خلقتْها ممارسةُ القوّة وطلب الإخضاع لا العكس، فكلّ منها ليس أكثر من سلاحٍ يُراد تقديسه لأنه الأمضى في الفتك والأقدر على الوصول بأصحابه إلى الإنتصار. وهذه السيولة في الحقائق المكوّنة لـ (هويّتنا) تثبت ان المحاربين (مثالهم المجاهدون اليوم) لا يقاتلون دفاعاً عن هذه الهويّة بل يقاتلون بها بالأحرى، يستخدمونها سلاحاً في مجابهة هويّات ـ أسلحةٍ مضادّة.
ليست الحقيقة التي يرفعها المتحاربون وحدها التي تريد أن تُخفي إفضاءها إلى الهيمنة، بل تلك الحقيقةُ المؤدّاة بقدر وافر من ادعاء الشرعيّة، أي الحقيقة التي ينهض بمهمة التكلّم باسمها دستورٌ يحاول أن يبدو النقيضَ التامّ للحرب وسفك الدماء. فهنا أيضاً، في بقعة السلام هذه لا تعمل الحقيقة إلا كسلاح، وبلغة فوكو فإن للقانون وجهين: (تأكيد انتصار البعض وإخضاع البعض الآخر). ذلك أن تأريخ الحرب لا ينتهي بمجرد عودة المتحاربين إلى بيوتهم وإعلان نهاية المعارك، فإرادة التسلّط تستطيع أن تتخفى وراء الشرعية القانونيّة كتخفّيها من قبلُ وراء الكلمات المؤسسة للهويّة كالإسلام والعروبة.
وكما فقدتْ الحقائق الكبرى في الحروب تماسكها وتأبيدها وكشفتْ عن هشاشتها وإمكانية تداولها كسلاح (الذي يعني بالضرورة إمكانية الإستغناء عنها كذلك)، فإن الحقّ المُوقَّعُ باسمِ الشرعية القانونيّة لا يقلّ ضعفاً ووهناً رغم إرادة تقديسه من قِبل واضعيه. ومن يتابعْ مناقشات مسوّدة الدستور العراقي الجارية هذه الأيام بوتيرة متصاعدة، يلمسْ كيف أن ما سيكون ثوابت الهويّة العراقيّة في القادم من الأعوام يجري الآن تداوله وطرحه باعتباره ممكناً من بين ممكنات، بدليل أن هناك معترضين كثراً عليه. والطرح والتعديل كلاهما استراتيجية حربٍ تدور رحاها بين مكوّنات الشعب العراقيّ، حربٍ ظلّتْ غير مقالة أبداً إلا همساً وبعباراتٍ تحرّف حقيقتها، حرب كان علينا أن ننتظر الزرقاويّ وجيوش أنصار الصحابة ليقولوها علانيةً بدلاً عنا. فليس خطاب الاسلاميين السلفيين (وهو خطاب لا يتورّع عن تصنيف أغلبية الشعب العراقي كأهداف محتملة للإبادة) سوى استثمارٍ ناجح للمعركة التي كانتْ تخترق العلاقات بين مكوّنات هذا الشعب طولاً وعرضاً دون أن نجرؤ على تسميتها، ليستْ خُطبُ الزرقاويّ عن الرافضة ولا استهدافه الأسواق والمستشفيات والكنائس والحسينيّات سوى عَرْض لحربٍ جرتْ تحت جلودنا طويلاً ولم يزدها إنكارُنا لها إلا استفحالاً.
هذه الحرب يمكن أن تؤدى بآلياتٍ أخرى لا يحسنها الزرقاويّ وجميع المقاومين (لا يحسنونها؟ بل لا يحبذونها! بدليل فتواهم أن الديموقراطية بدعة وأن الانتخابات شرك وكتابة الدستور كفر صريح). لكنْ لا دولة ممكنة إلا حين يصار إلى تأبيد الحرب، ونقلها من كونها استخداماً محدوداً للسلاح يتساقط فيه قتلى بالمئات إلى ممارسة مقنّنة تعملُ عملها في النظام المدنيّ ذاته وفي أوقات السلم. ذلك ما لا يفهمه المقاومون الذين يرون في نهاية الحرب نهايتهم هم، إذ لا يمتلكون الآليات التي تتيح لهم نقل هذه المعركة من حيّز العلاقات الشرسة فقط إلى (دولنتها وجعلها قطعة احترافية) ـ التعبير لفوكو ـ.
الحرب ـ الدولة هي ما نرى الآن محاولات لصياغتها في مسوّدة الدستور العراقيّ المطروحة للنقاش، وهي حربٌ قد لا تسفرُ عن سقوط ضحايا كثرٍ لكنها لا تعدم المناورات ذاتها التي تتقنّع بها كلّ حربٍ أهلية. فكلّ طائفة تأتي ومعها حقيقتها ـ سلاحها، ويعضدها سندٌ من الدم الحقيقيّ الذي أريقَ بغية الوصول إلى هذه اللحظة التي يتحتّم فيها الإنتصار.
فبينما يطلب الشيعيّ ثمن أكثريته ودمه وثمار حربه الطويلة الخاسرة ، يريد الكرديّ ثمنَ وقوفه على الجبل بكامل سلاحة لمدة قرن كاملٍ والفظائع التي جرت عليه، ثمّ يريد أن يرى في الدستور ما يعادل قوّته المتمثلة بتلويحه بالانفصال، بينما يطالب السنيّ برأسماله الجديد: دمه المُراق في المقاومة.
هذه الحرب التي تجري اليوم هي ما سيستمرّ طويلاً في العراق، لا حرب الزرقاويّ ولا الملثمين. وهي حربٌ ليس فيها من طرف محايد، إذ كلّ فرد عراقيّ في جهة معيّنة. ومن ينكرْ هذه الترسيمة ـ بداعي نبذ الطائفية ـ فإنه لا يفعل شيئاً سوى تكرار نموذج المثقف المثاليّ المحايد الذي عبّر عنه فوكو بقوله (هو ذلك الذي يقيم بين التخوم محاولاً فرض قانون عامّ على الجميع وتأسيس نظام في صالح الجميع)، وهو نموذج أثبت عدم فاعليته واغترابه عما يحدث، إذ لا يتعلّق الأمر باستنكار ما يحدث بل بإنكاره.
لا يعدم من يراقب المشهد العراقيّ رؤية مثقفين تبلغ بهم ذواتهم الكونيّة المحايدة مبلغاً يتجاوز الاستنكار ـ استنكار الطائفية التي تقود الحرب كما تتحكم بالسياسة ـ ليصل إلى إنكارها. وهو موقف لا يمكن إلا أن يعيد علينا صورة المثقف المتحالف مع وهمه وانتشائه العميق بصفة الحياد حتى لو كانت الاسم الآخر لعدم الفاعليّة، ناسياً أن (حقائقه) ذاتها لا يمكن التعبير عنها إلا حين تكون سجالية، (فكلّ ذات متحدثة هي بالضرورة ذات سجالية بل مقاتلة) ـ الجملة لفوكو ـ
كان طبيعياً أن يتعرّض عمل فوكو هذا لانتقادات وكان في طليعة منتقديه "يورغن هابرماز" الذي أخذ على المفهوم غير القانونيّ للسلطة أنه غير اجتماعي وليس إجرائياً ولا يُعِين على تحليل الظاهرة السياسة. إلا ان انتقاد "شارل زركا" كان أكثر جذرية حين قال باستحالة تغييب المفهوم القانونيّ (لأن الحضارة الغربية ليس لها أصل سوى الأصل القانونيّ).
وقد يكون مقتضى الغرابة التي استُقبِل بها هذا المفهوم ناتجة عن انه يُغفل الجنبةَ الاقتصادية في بحثه لآليات السلطة، إضافة إلى انه يضع الحرب ونظام المعركة في صلب العملية السياسيّة، بل هو (يبحث عن الدم المجمّد في القوانين والدساتير).
هذه الأسباب التي هيأتْ نقداً كثيراً لفوكو هي ذاتها التي تجعل من مفهومه للسلطة مناسباً لتوصيف وفهم الحراك السياسيّ العراقيّ اليوم، ما دمنا اقتنعنا أخيراً (هل ما زال هناك من لم يقتنعْ بعد؟) أنّ أنظمتنا ـ حتى المدنيّة منها ـ مخترقة عميقاً بعلاقات حرب، وأن الحلّ الذي يُجرَّب اليوم هو في دولنة هذه الحربِ، للقضاء على شراسة القتل ونقل المعارك من مشاهد الدمِ السائل على الأرصفة بفعل أسلحة "الحقيقة" الإسلامية والوطنية والقومية إلى مشهد الدم المجفّف في الدستور بفعل أسلحة الحقيقة ذاتها، لكنْ يحملها هذه المرّة أشخاص آخرون منكبّون الآن على مسوّدة دستور لعراقٍ يفتح عينيه من بين الأنقاض.
http://aqwas.com















التعليقات