الإعلام محصن ضد الإصلاح والتحديث..
نهاية مرحلة من تحالف الأنظمة مع المؤسسات الإعلامية التقليدية

ناصر صالح الصرامي*

المتكرر في مشهد المؤتمرات العربية، وخصوصا الإعلامية منها، ومهما يكن مستوى عرض القضايا وأهميتها وهمومه، إلا أنها مؤتمرات تؤكد الصفة العربية ،المتمثلة أعادة طرح quot;الأسماء التقليديةquot; وتدويرها، أسماء أشبعت كل المؤتمرات العربية الإعلامية والثقافية وحتى السياسية حضورا وquot;شبعتquot; منها، الأمر الذي يؤدي إلى إعاقة ومنع إتاحة فرص جديدة لجيل إعلامي جديد .. بسبب هذا التكريس المتكرر لأسماء ظلت تطبق على المؤسسات الإعلامية العربية، وتعيق تطورها.

وبالتالي فإن عدم البحث آو طرح مواضيع ساخنة، تتعلق بالحريات وحقيقية العمل الإعلامي في المنطقة العربية و جوانب ضعفه او تردي مهنيته، يفسر غياب اية محاولة مستحقة تجتاز حصون وقلاع الإعلاميين العرب او تتجاوز نرجسيتهم، في ظل استمرار تحصين واستثناء أنفسهم من رياح الإصلاح في المنطقة العربية. الأمر الذي جعل الأعلام العربي بعيدا عن دائرة الإصلاح التي يطالب الإعلام نفسه- من الآخرين- الوصول إليها، في قطاعات عدة من الاقتصادية الى السياسية والمدنية وتسريع وتيرة الإصلاح وحراكه في المؤسسات والهيئات المختلفة.

لذا يمكن ان نرى بسهولة كيف يبقى الإعلام العربي ndash; خصوصا المحلي- متخوفا من الإصلاح، ومن الديمقراطية في ان تكون ابرز أشكاله الإدارية، يبحث عن الإصلاح والتجديد والتحديث في كل المؤسسات إلا مؤسساته..!.

إعلام غير متحمس او مستعجل في التعديل او التصحيح للكثير من أحواله، كتعديل ميزان قوى الأجيال في قياداته وخلق المهنية الحقيقية داخل أروقته، وتنشيط التأهيل وإعادة التأهيل لكوادره، وهو ما عجزت او قصرت، كل الفعاليات العربية- في طرحه والحديث عنه، ولو من خلال مداخلة او تعليق على هامش إحدى جلسات مؤتمرات الإعلاميين العرب او مفكريهم خلال السنوات الأخيرة.

ومن اللافت أن النقد الوحيد المعلن خلال العامين الآخرين كان بمثابة اتهامات صارخة ومباشرة للإعلاميين العرب بان بينهم مرتشين وفاسدين وهو ما جاء من قبل وزير إماراتي ومسؤول شاب بارز على المستوي العربي،هو السيد محمد القرقاوي.

وهو موضوع أثارته في نفس العام جريدة التابلويد ndash; الإمارات اليوم- ووجهت فيه انتقادات واسعة جدية حول ممارسة الكثير من الاتحادات والهيئات ndash; بما فيها اتحادات رياضية، وشركات العلاقات العامة في إمارة دبي، التي لا تتردد في منح الصحافيين هدايا عينية ومادية ..!

وهو ما تم تجاهله داخل أروقة الإعلام العربي، والأمر الذي يغض الطرف عنه باستمرار، فيما يسمع العاملين في هذا المجال بين وقت وآخر الى quot;تبجحquot; صحافيين عرب علانية بحجم الهدايا والعطايا التي يحصلون عليها من دول وأشخاص وشركات، ومنح تصل أحيانا إلى مكاتبهم وبيوتهم وغرف نومهم...!
وهوquot;تبجحquot; يصل من بعض صحفي الإعلام العربي وابرز كتابه الصحفيين إلى أعمدتهم الصحفية علانية.!

جوانب أخرى من خفايا الإعلام العربي الذي أصبح عاجزا بهذا الفساد والضعف المهني أن يكون قادرا على المواجهة، والتأثير ومخاطبة الوعي المهني، بل هو عاجز بسبب هذا التخاذل المهني المخيف من الحديث إلى مواطنيه أو كسب مصداقية حقيقية في أوساطه، لذا يكتفي الإعلام بمسايرة الشارع والغوغاء ، في ممارسات صاخبة وصراخ مستمر، حيث ممارسة شي آخر غير الإعلام.

إشكالات الإعلام العربي تتجاوز ذلك إلى غياب واضح لعدة مواضع ساخنة متعلقة بالحريات، والبحث في المجتمع المدني، وسلطة القانون، والفساد، وكذا حقيقية العمل الإعلامي في المنطقة العربية من جوانب ضعف وقوة.

نعم، توجد قلة إعلامية، لكنها ضئيلة صامته، استطاعت أن تتجاوز نرجسية الإعلاميين وتحصينهم لأنفسهم من رياح الإصلاح في المنطقة العربية.

إلا أن ذلك ليس كافيا بعد لإدخال الإعلام العربي إلى دائرة الإصلاح ووضعه لضوابط حازمة لممارساته المهنية.فهو لازال يتجاهل دوائره ومؤسساته الحكومية وشبه الحكومية والخاصة من عمليات الإصلاح والدعوة إليها.

ذلك بصيغة او بأخرى جاء نتيجة تحالف الأنظمة العربية السياسية ومؤسساتها الإعلامية العتيقة، في منفعة تبادلية، حيث ظل الإعلام العربي على وضعه الضعيف والتقليدي، لكن ذلك قد لم يعد مجديا الآن، حيث ستجد الإدارة السياسية ومع دخول الإعلام الدولي إلى المنطقة- ضرورة استيعاب قيمة فعل الأعلام، وضرورة تطويره وتحديثه.

وتوجد الآن أكثر من 192 محطة عربية أرضية، ونحو 200 محطة فضائية تتنوع بين الترفيه والرياضة والأخبار والمنوعات وقنوات متخصصة واخرى شاملة، من بينهم قنوات دولية وأخرى عربية برؤوس موال أجنبية، ونحو 40 مطبوعة دخلت للأسواق العربية او صدرت فيها خلال العام ونصف العام 2005- 2006، وغالبيتها خارج الإطار التقليدي للمؤسسات الاعلامية التقليدية التي تحكم سيطرتها على 90% من سوق الصحف اليومية.
وهو أمر اخر يضغط على جوانب رضاء الأنظمة العربية على واقع مؤسساتها الصحفية التي توجه منافسة شرسة، تقلص من تأثيرها إذا لم تلغيه، مع تحولها إلى منشورات إعلانية ومساحة للبيانات الرسمية المرئية.
وهو ما يؤكد الحاجة العربية-ومن الداخل هذه المرة- إلى تجديد مؤسساتها الإعلامية ليكون لديها إجادة وحيوية لقراءة الواقع والقادم وإسداء النصح من منظور الواقع نحو نقد أو طرح رأي بناء جدير بالمساهمة في تضيق الهوة بين الإعلامي-المراقب- من جانب والسياسي-الإدارة-من جانب والمتلقي العربي من جبهة أخرى و بكل ما يحمله من احتقان وصخب ولغة جديدة لجيل عربي شاب ndash; المتلقي-.

أن يصبح العمل الإعلامي العربي عند اقل مستوياته وسوقا يضيع فيها الاحتراف والمصداقية، ناهيك عن غياب التأهيل، قد يكون مقبولا في مرحلة مضت، لكن فقدانه لقيمته وتأثيره، والقدرة على إحداث التغيير والمشاركة فيه آو حتى مجاراته، لن يكون مقبولا حتى من قبل الأنظمة التي ترعي تقليديته. وستجد الإدارة السياسية نفسها أمام خيار قد لا يكون المفضل لديها، والمتمثل في ضرورة تطبيق الإصلاح الإعلامي، من اجل مصالحها، وهو ما يقودنا إلى تقدير نهاية مرحلة من تحالف الأنظمة مع المؤسسات الإعلامية التقليدية وحمايتها ضد التطوير!.


مدير الأعلام، قناة العربية
[email protected]


* موضوع ينشر بالتزامن مع مجلة فوربز