الصوم

تشكل ظاهرة الصوم ممارسة إنسانية قديمة ارتبطت بأقدم النواميس البشرية، وسبقت حتى طقوس الصلاة والشعائر التي عرفتها الأديان، وتذكر الكتب والدراسات والأبحاث أن آدم أول من مارس الصيام من البشر، وحين طلب الله عز وجل من آدم أن يأكل من كل شجر الجنة إلا من شجرة معينة، لكن آدم اختار طريقةً مغايرة ثانية للحياة، و تصرف متناسياً أمر الرب وما فرضه من وصية، إنما بحسب ما اشتهته نفسه، وتغلبت الحاجة الجسدية التي تمثل غلبة الجسد الفاني على الروح الأزلية، ومع أن عدم رضا الله على آدم في تناسيه الأمر فأنه شمله برحمته الواسعة التي لن تنغلق على أي كائن، لذا صار الصوم تعبيراً عن خضوع الجسد للروح، أو تعبيراً عن الخضوع التام للإرادة الإلهية، أو يمكن اعتباره نذراً من نذور الإنسان إلى الله، كما يعتبر تطويع لشهوات الجسد إلى سمو الروح، وقيل إن الله جعل الصوم مضماراً لعباده ليستبقوا إلى طاعته، وقد فرضه على الإنسان منذ بدء الخليقة.
وتجد ان جميع الديانات السائدة او البائدة دعت للصيام وحثت على ممارسته. رغم الاختلاف في طبيعة تلك الفريضة وكيفية الإتيان بها، ولو تتبعنا تلك الاختلافات نجدها تختلف في المدة او في الطريقة لكنها تتفق جميعها على المعاني السامية والواسعة لمفهوم الممارسة، ويعتبر الصيام ظاهرة بشرية ارتبطتْ مع كل الأديان. وتعددت أشكاله ومفاهيمه بتعدد هذه الأديان. ويمكن إن يكون تعبيراً عن تطهير الجسد من الآثام والذنوب التي لحقته في الحياة، كما يمكن إن يكون تطويعاً وسيطرة الإنسان على حاجات الجسد لصالح الروح السامية، ويمكن إن يكون أيضا تقرباً إلى الإله وخضوعاً مادياً طوعياً، كما يمكن ان يعتبره آخرين تعذيباً للجسد الفاني عقاباً على الخطايا التي يرتكبها الجسد البشري في الحياة، فالجسد يرتبط بالحياة المادية ولذا فأنه يرتبط بالحاجات الجسمانية، بينما لاتحتاج الروح إلى هذه الحاجات فهي سامية، ولذا نجد أن سمو الروح لا يمكن أن يتحقق إلا بمقدرة الإنسان السيطرة على الجسد وشهواته،ولأن سمو الإنسان له مواصفات تتعارض وطبيعة الجسد، فإن الأمر يدفع باتجاه ذلك الاستفادة من الجسد ليمكن تطويعه ورضوخه للروح، ولكن دون الرضوخ الى متطلباته والخضوع لرغباته. ووفق ذلك سيكون من الممكن أن تسمو الروح من خلال ترويض الجسد والنفس على حد سواء، مع أن هذا التطويع لايؤذي الجسد.
وأذا كانت طقوس الصلاة تعني أداء الشعائر الدينية التي يعبر فيها الإنسان عن خضوعه لله، فأن الصيام أيضا تعبيراً طقسياً للتقرب إلى الإله، وقد مارسه المصريون القدماء ومن قبلهم اليونانيون والرومان، وكان المصريون يصومون فترات تتراوح بين 6 أيام وبين 7 أسابيع. وصام اليونان دائماً قبل الحروب. وصام الرومـان أيضاً، ويذكر أبن الأثير في كتابه ( الكامل في التأريخ ) بالصفحة 19 :
(( قال ابن الكلبي: أول ملوك الأرض من بابل طهمورث، وكان لله مطيعاً، وكان ملكه أربعين سنة، وهو أوّل من كتب بالفارسية، وفي أيامه عبدت الأصنام، وأول ما عرف الصوم في ملكه، وسببه أن قوماً فقراء تعذّر عليهم القوت فأمسكوا نهاراً وأكلوا ليلاً ما يمسك رمقهم، ثم اعتقدوه تقرُّباً الى الله وجاءت الشرائع به )).
وأكد مؤرخو الأديان أن الصوم كان يحتل مكاناً هاماً في الممارسات الدينية بدافع النسك والتطهير والحداد والتوسل إلى الله والاعتراف بالقدرة الكلية لله.
ويروي التاريخ أن هناك أنواعا من الصيام تدل على ان الصيام كان مشروعا في جميع الأديان القديمة وفي جميع الملل، حيث كان المصريون القدماء يصومون، كذلك اليونانيون والرومان والبراهمة والبوذية والمانوية.
وكان الصيام موجوداً قبل أن يحل الإسلام، فقد ورد في سورة البقرة الاية 183 : ( ياءيها الذين امنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون)
هذه الآية الكريمة تدلل بعبارة كما كتب على الذين من قبلكم صراحة ان الصوم كتب على الناس قبل أن يحل الإسلام في الأزمان الغابرة، حيث جعل لكل أمة شريعة ومنهاج بخصوص الطقوس ومنها الصيام.
وفي لسان العرب في باب صيام، (( تَرْكُ الطعامِ والشَّرابِ والنِّكاحِ والكلامِ، صامَ يَصُوم صَوْماً وصِياماً واصْطامَ، ورجل صائمٌ وصَوْمٌ من قومٍ صُوَّامٍ وصُيّامٍ وصُوَّمٍ، بالتشديد )).
ولعل التشابه الغريب بين الديانة الأيزيدية وبين الهندوسية البرهمية ( الهندوسية من أقدم ديانات الهند وأكبرها من حيث عدد معتنقيها )، و يقسم الهندوس إلى ثلاث جماعات، منهم من يعبدون الإلهة شيفا Shiva، ومن يعبدون الإله فيشنا Vishnu في تجسداته المختلفة، وأولئك الذين يعبدون الإله شاكتي، وللهندوسية عدة فرق أو جماعات لكل منها شكل عبادة خاص ).
والهندوسية ويطلق عليها أيضاً البرهمية والتي تعود الى العصور الأولى والتي انتشرت في الهند على ضفاف البنجاب، وهي ديانة وثنية يعتنقها معظم أهل الهند،وتتشكل من مجموعة من العقائد والتقاليد عبر مسيرة طويلة من القرن الخامس عشر قبل الميلاد إلى وقتنا الحاضر. إنها ديانة تضم القيم الروحية والخلقية إلى جانب المبادئ القانونية والتنظيمية متخذة عدة آلهة بحسب الأعمال المتعلقة بها، فلكل منطقة إله ولكل عمل أو ظاهرة إله.
وهذه الديانة وأن لم تقل بثنوية الالهة ولكنها تعتبر الأصل للديانة الزرادشتية، وليس فقط في الاعتقاد بتقمص الأرواح وأرتقاء الروح الإنسانية وفقاً لأفعالها الدنيوية، حيث إذا مات الإنسان يفنى منه الجسد وتنطلق منه الروح لتتقمص وتحل في جسد آخر بحسب ما قدم من عمل في حياته الأولى، وتبدأ الروح في ذلك دورة جديدة. الا أنهم يشتركون في الغلو في الزهد والتقشف وفي وجود طبقة الفقراء، والفقير هو الذي يخرج من حكم الجسد وتتحكم فيه الروح ويقترب من الآلهة.
واعتقد السيد عبد الرزاق الحسني في كتابه ( اليزيديون في حاضرهم وماضيهم ) بيروت 1980 ص 74 : ( قد يكون أصل هذه الجماعة ( ويقصد الفقراء ) من الهنود، كان للشيخ عادي ( عدي ) فقراء من الهنود، وعلى هذا ربما كان فقراء الايزيديون الحاليون من احفاد أولئك الفقراء الهنود ).
والمعروف أيضاً أنهم يطلقون في الهند صفة ( الفقير ) على كل زاهد متقشف مسلماً كان ام هندوسياً ). وقد اشار الى هذه الملاحظة الكاتب الدكتور خليل جندي في كتابه نحو معرفة حقيقة الديانة الايزيدية المار ذكره بالصفحة 65، وعزز قول الحسني حسب الدكتور خليل جندي إن القسم الاعظم من عشيرة الفقراء في سنجار تتم تسميتهم بالشرقيين ولهذا اعتقد الكاتب الدكتور خلف الجراد في كتابه ( اليزيدية واليزيديون ) اصدار دار الحوار دمشق 1995 ص 160 أن أصل الفقراء الأيزيدية من الهنود استنادا لما مر آنفاً، غير أن أصول الايزيدية الكوردية التي لم يختلط نسبها يتناقض مع هذا الرأي، فلم يعرف التاريخ أن موجات هندية اختلطت بالكورد في المنطقة، كما لايقبل أنتماء من خارج الدم الأيزيدي في الديانة الأيزيدية كما أسلفنا.
ان الاحتمالات التاريخية تؤكد ان الايزيدية هم بقايا شعوب جبال زاكروس ومن السلالات الاولى التي سكنت كوردستان، كما ان العشائر الايزيدية تعود إلى شجرة واحدة من عشيرة ( الهكارية ) القديمة والتي لم تتداخل معها موجات بشرية أخرى، فكيف يمكن التمازج بين الهنود القادمين وبين الأيزيدية الكورد مما يضعف الأحتمال الوارد في كتاب الحسني من كون عشيرة الفقراء في سنجار من أصول هندية..
وأذ يترك الفقير الايزيدي الدنيا وزينتها، فأن له منزلة محترمة في المجتمع الأيزيدي، ومن المحرمات على الفقير قص الشوارب واللحى، ويرتبط الفقراء بعشيرة تدعى عشيرة الفقراء، ويبجل المجتمع الايزيدي الخرقة التي يرتديها الفقير، ويصل التبجيل حد القسم بالخرقة، كما لايمكن الأعتداء على لابس الخرقة أو تمزيقها، والخرقة لباس من الصوف الخالص يصبغ باللون الاسود بواسطة اوراق وقشور شجرة الزركوز، يلبسه الرجال من الزهاد، وعشيرة الفقراء في سنجار، وتسمى هذه العشيرة ايضا به ( الشرفيين )، يلبسون جلهم لباس الخرقة مع تربية اللحية والشوارب ويضعون خيطا منسوجا في عنقهم يسمى ( المفتول )، أو طوق طاؤوس الملائكة وأيزيد كما يضعون طاقية على راسهم تسمى ( كمة الفقير ) اما بقية ملابسهم بيضاء ناصعة. ( الدكتور خليل جندي ndash; نحو معرفة حقيقة الديانة الأيزيدية ndash; المصدر السابق ndash; ص 64 ).
ويكون البابا شيخ المسؤول عن تبيين أحكام الصوم اذ يرجع الايزيدية اليه في ما يلتبس عليهم من امور دينهم، ويصوم البابا شيخ اربعينية الصيف والشتاء، وطقس الصيام الأربعيني هذا يمارسه اغلب الفقراء والعديد من ابناء الأيزيدية تقرباً الى الله.

ينظر العديد من المتطلعين إلى تراتيبية الديانة الأيزيدية بغرابة وعجب لوجود هذا العدد من المتقشفين والفقراء والزاهدين في العبادة لله ضمن طبقات المجتمع الايزيدي، حتى عدهم بعض من غلاة المتصوفين الذين لم يسبر غورهم احد، سيما وأن الأيزيدية تتخذ من تبجيل رموز التصوف الأسلامي رموزاً يبجلونها، مما يؤكد وجود روابط انسانية مشتركة بين هذا النموذج في جميع الاديان.
يقول الجنيد ( ت 297 هـ ) :
تغرب أمري عند كل غريب فصرت عجيباً عند كل عجيب
ويبدو للمتمعن من الخارج وجود قواسم مشتركة بين الحركة الصوفية لدى المسلمين وبين فقراء الأيزيدية، غير أن الحقيقة تجمعهما في تفاني النفس البشرية وإذلالها في سبيل عبادة الله، وتطويع الجسد البشري وتعويده على الخشن والطعام القليل والممارسات النفسية والسمو بالروح، كل تلك وغيرها قد تكون عوامل مشتركة، غير أن هناك أختلافات عديدة بين الجانبين، فالفقراء طبقة من طبقات الأيزيدية، بالإضافة إلى وجود تحريم في زواج الطبقات بين الأيزيدية ليس لها مثيل بين المتصوفة في الأسلام.
ولابد من بحث جذور طبقة الفقراء لدى الأيزيدية، لفهم أسس ترك الدنيا وتجنب لذاتها وهجره لمباهجها والأكثار من الصوم والتعبد طمعاً في رضاء الله، يشد الفقير فوق خرقته حزاماً أحمر من الصوف فيه حلقة صفراء، ومن التقليد الديني أن يتم دفن الفقير بخرقته.
ومن الشروط التي يلتزم بها الفقير ان لايعبث بلحيته، وتتشابه صفة الفقير مع النساك الهنود في الديانة الهندوسية أو البوذية.
ويمكن اعتبار الفقراء زهاد روحانيين يقومون بدور المصلح والقدوة في الالتزام بما قررته الشريعة وما امر به الدين، هجروا الدنيا بغية نيل إسرار الدين.
وفي معنى التصوف هناك من قال ان اصل التسمية يعود الى (الصوف) لباس الزهاد. ومنهم من ارجعها الى صفاء النفس والصفو, وقال غيرهم انه منسوب الى الصف الاول في الصلاة, ونسبه آخرون الى (صوفيا) اليونانية التي تعني الحكمة, وغيرها.. كما يعرض تعريف عام يشتمل على العناصر الاساسية للتصوف, فيصفه بانه سلوك شخصي هدفه التقرب الى الله وغايته الاتصال به حتى مرتبة الفناء وهي السعادة القصوى.
أول مشكلة تثار بالنسبة للتصوف مشكلة quot;الاسمquot; ومن أين يشتق ؟ وهي مشكلة قديمة قدم الظاهرة نفسها كما يذكر الدكتور عبد الرحمن بدوي في تاريخ التصوف الإسلامي (( من البداية حتى نهاية القرن الثاني، طبعة وكالة المطبوعات الكويت، الطبعة الثانية 1978 ))، ومشكلة تعريف التصوف التي لا يكاد يخلو مرجع متخصص من آثارها انعكاس للاسم.
وفي المعجم الوسيط ndash; مجمع اللغة العربية ndash; مصر ndash; الطبعة الثانية ndash; 1972 ndash; المجلد الأول ndash; ص 549 (( الصوفي: العارف بالتصوف، وأشهر الآراء في تسميته أنه سمي بذلك لأنه يفضل لبس الصوف تقشفاquot;))، وإذا تجاوزنا المعني اللغوي إلى إشكالية التعريف وجدنا على سبيل المثال لمؤرخ الفلسفة المعروف الدكتور عبد الرحمن بدوي خمسة وعشرين تعريفا للتصوف من أقوال الصوفية أنفسهم تحت عنوان quot;حد التصوفquot; ونكتفي هنا بإيراد ما يتصل بالتصوف بأعتباره جزء من التجربة الدينية كقول الجنيد: quot;أن تكون مع الله بلا علاقة. وإثبات المعية مع نفي العلاقة تعبير صارخ عن رفض مفاهيم: الوساطة والاختلاف والمسافة والشعائرية في الاتصال بالإله وتلك سمات وثيقة بالأديان السماوية.

والتصوف فكرة ونحلة وملة قديمة، موجودة قبل الإسلام، أصولها وأحكامها معروفة مستقرة ثابتة، بإقرار كافة الباحثين، من متصوفة وغير متصوفة ومستشرقين، والمنتسبون إليه منهم المتحقق بالتصوف، ومنهم دون ذلك، ومنهم من ليس له إلا الاسم دون الحقيقة، وبهذا فأن حال النسك والزهد موجود في العديد من الديانات القديمة قبل الإسلام، ويشكل الصوم معلماً واضحاً ضمن الالتزامات التي يلتزم بها الزاهد أو الناسك.
والناسك تعني العبادة والطاعة وكل ما يتفرب بت الى الله، ورجل ناسك بمعنى رجل عابد، وقد نَسَك وتَنَسَّكَ أَي تعبد.