كثير من العرب والمسلمين لا يعرفون من هو الشيخ quot;محمد بن راشد آل مكتومquot;، ولكنهم بكل تأكيد يعرفون ويقدسون عبد الناصر وصدام حسين وأبو عمار والشيخ حسن نصر وغيره من مكافحى الميكروفونات، وهذا شئ مؤسف لأنهم يقدسون أصحاب الأصوات العالية حتى لوquot;خربوها وقعدوا على تلهاquot;، ولكنهم لايأبهون كثيرا للذين يعملون فى صمت، وإذا ذهبنا إلى دبى فلسوف نرى أن النجاح الحقيقى هو حليف المجتهدين الحقيقين ويكتفى مجاهدى لميكروفونات ببريق الدعاية والشهرة الكذابة.
....
ولقد ذهبت إلى دبى فى الإسبوع الماضى فى زيارة عمل، حيث تنوى شركتنا الهندسية الأمريكية فتح فرع لها فى دبى، وشاهدت الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم حاكم إمارة دبى (لمن لا يعرف) وهو يزور المعرض والذى كنت مشتركا به، ورأيته وهو يهرول بسرعة ووراءه عدد كبير من معاونيه ومواطنيه، وبدا وكأنه حريصا على مشاهدة أكبر عدد ممكن من المشروعات فى أنحاء المعرض الكبير والذى يعتبر الأكبر من نوعه فى العالم، وتستطيع أن تخمن أن الشيخ محمد فى سباق مع الزمن وكما قال لمراسل محطة السى بى إس الأمريكية فى البرنامج العالمى المشهور
quot;60 دقيقةquot; الأسبوع الماضى:
quot;أريد أن يستمتع شعبى بكل شئ فى هذا الجيل وأن يتم هذا فى خمس سنوات وليس فى عشرين سنةquot;:
http://www.cbsnews.com/stories/2007/10/12/60minutes/main3361753.shtml
وتستطيع مشاهدة حديث الشيخ محمد على الرابط السابق، وقد قال للمراسل الأمريكى: quot;أريد دبى أن تحتل المركز الأول فى كل شئ، ليس فقط فى المنطقة ولكن فى العالم quot;.

...
الزائر إلى دبى لا بد وأن ينبهر بحركة الإنشاء والعمران والتى لا تهدأ صباح ومساء وكأنك فى ورشة عمل كبيرة تحتل كل دبى، ولا بد وأن ينبهر بالعمارات وناطحات السحاب وبالأسواق التجارية، وإلى جانب تلك الإنجازات الرائعة والتى أبهرتنى كمهندس أكثر شئ أبهرنى فى دبى هو التعايش بين الجنسيات المختلفة فى توافق مذهل يعطيك الأمل والتفاؤل بالمستقبل، فعلى سبيل المثال عرفت من مدير الفندق الذى نزلت به بأن الفندق يعمل به أكثر من خمسة وخمسون جنسية مختلفة!! وقد قرأت فى العام الماضى تصريحا لقائد شرطى دبى الفريق ضاحى خلفان بأن دبى يعمل بها أكثر من مائة جنسية مختلفة. هل هناك عولمة أكثر من هذا؟
...
وعندما ذهبت لصلاة الجمعة وجدت أن المسجد قد فاض بالمصلين، وتذهب مساء إلى المطاعم أو الملاهى الليلية فتجدها أيضا غاصة بالشباب، وتجد هناك الناسك والفاسق وإللى بيشاور عقله، والجميع يعمل ويجتهد ويكسب والله سبحانه يحاسب الجميع يوم القيامة.
...
وما يحدث فى دبى اليوم هو معجزة بكل المقاييس، فدبى أمارة صغيرة محدودة الموارد فليست غنية بالبترول مثل من حولها وليس لديها مياه مثل بلاد ما بين النهرين وبلاد وادى النيل، وليس لديها عدد كبير من السكان، ولكنها إستطاعت فى غمضة عين أن تصبح مركز تجارى ومالى وسياحى، هلى تصدق أن عدد السياح الذين زاروا دبى فى العام الماضى يقترب من عدد السياح الذين زاروا مصر، وعلى حد قول الشيخ محمد آل مكتوم فى كتابه رؤيتى، عندما قال: quot;لو قلت لأى شخص من عشر سنوات بأن دبى سوف تصبح مدينة سياحية ربما لضحك عليكquot;، ولكن دبى اليوم تجتذب ست ملايين سائح سنويا وفى طريقها لإجتذاب خمسة عشر مليون سائح فى خلال عشر سنوات.
وحاكم دبى هو من القادة العرب القلائل الذى له رؤية للمستقبل ووضع هذا فى كتاب بسيط، عنوانه quot;رؤيتى quot; وعندما تتصفح الكتاب سوف تجده مكتوبا بلغة بسيطة يفهمها المواطن العادى، ويتحدث عن الأمور التى تهم المواطن العادى مثل التعليم والصحة والوظائف وحقوق المرأة و..
وأرجو من الكتاب القومجية من تلامذة الإستاذ (....) أن يذهبوا لدبى لمعرفة معنى المشروع القومى الحقيقى، وبدلا من عبادة أصنام الأحياء والأموات، سوف يرون الرؤية والخطط تتحقق على الطبيعة، بدون ميكروفات وبدون خطب عصماء.
ولقد تعود الكتاب فى عالمنا العربى، إما أن يهاجموا الحكام عمال على بطال، وأما أن يقدسوهم عمال على بطال برضه، أو أن يعملوا فى بلاط السلطان ويقولون له كل شئ تمام ياأفندم وينالون كيسا من الذهب عما يكتبون أو عما يكذبون، وأنا اليوم أكتب لكى أعطى لكل ذى حق حقه (بدون أن أنتظر كيسا من الذهب أو سيارة مرسيدس، لأنى أفضل السيارة الليكزس!!)، وأعترف بأن نجاح دبى اليوم هو نتيجة عمل الملايين من كل أجناس العالم والفضل الكبير يعود للشيخ محمد ووالده المرحوم الشيخ راشد آل مكتوم، وأرجو من كل حكام العرب أن يتواضعوا ويزوروا دبى ويتعلموا من تلك التجربة الفريدة فى التاريخ العربى، وعليهم أن يبطلوا quot;عنطزةquot; فارغة قبل أن يسبقهم الزمن، ولقد رأيت دبى تقفز بسرعة الصاروخ إلى القرن الواحد والعشرين وبعض بلاد المنطقة تلهث لكى تعود إلى الوراء مئات السنين.
ولقد بدأت الفورة العمرانية فى دبى تأتى ثمارها ليس فى دبى وحدها ولكن فى المنطقة كلها، فها هى أبو ظبى و قطر تحذو حذو دبى، وكذلك البحرين ومسقط، وقريبا تلحقهم السعودية والأردن والكويت والعراق (بعد إستقرار أمنه) وعقبى للباقى.
ولقد نجحت دبى في هذا لأنها تخلصت من عقدة الخواجة المزدوجة لدى معظم العرب، وهى عقدة ملخصها أن quot;الخواجاتquot; أفضل منا ولكنهم فى نفس الوقت لا يصح الثقة بهم لأنهم يرغبون فى غزونا وتدميرنا ثقافيا وإقتصاديا و.. إلخ أكاذيب الستينيات، ولقد أثبتت دبى كذب كل هذه الشعارات وإستطاعات بفضل الإستخدام الصحيح لكل quot;خواجاتquot; الشرق والغرب أن تنجز فى أعوام قليلة ما عجزت بلاد أخرى عن إنجازه فى قرنين من الزمان.
ودبى ليس جنة الله على الأرض، وبها العديد من المشاكل وعلى سبيل المثال لا الحصر، إرتفاع الأسعار بشكل جنونى وخاصة أسعار العقارات والفنادق ( ولكنى أتوقع هبوط الأسعار فى خلال سنتين أو ثلاثة)، وكذلك مشكلة مئات الالآف من العمال الأجانب والذين يعيشون فى أحوال سيئة فى كثير من الأحيان، وكذلك خطورة مشكلة المضاربة فى العقارات، وكذلك مشكلة تكدس المرور بشكل غير طبيعى، ومشاكل تلوث البيئة ونقص مياه الشرب، وغيرها من المشاكل والتى يجب مواجهتها قبل تضخمها.
ولقد سعدت أيما سعادة وشعرت بالفخر أمام زملائى الأمريكان ممن صحبونى فى الزيارة بأن هناك بلدا عربيا قد حقق كل هذا، وأن العرب يستطيعون البناء حتى وهم محاطون ببعض مجانين الإرهاب والتطرف فى بلاد المشرق من العراق وحتى بلاد المغرب فى الجزائر.
فهل يستطيع الشيخ محمد آل مكتوم تعميم quot;رؤيتهquot; ليس فقط على دبى ولكن على بلاد الشرق الأوسط كلها وهل يستطيع أن يكون هو quot;محمد علىquot; بانى مصر الحديثة، وهل سيسلم من شر القومجية والإرهاب المتمسح برداء الدين، أرجو هذا.
[email protected]

أية إعادة نشر من دون ذكر المصدر إيلاف تسبب ملاحقة قانونية