المهاجرون في البلدان الغربية بين خياري مجتمع quot;سلطة الخضارquot; وquot;مجتمع السوبquot;

تشكل ظاهرة الهجرة إشكالية كبيرة تواجه جميع الأطراف المعنية بها، والمتمثلة بكل من البلد الطارد، والبلد المستقطب، بالإضافة الى المهاجر نفسه. فالبلد الطارد للهجرة وهو البلد الأم للمهاجر، سوف يخسر طاقة بشرية ومهمة بقدر درجة تعليمها ومهارتها. والبلد المستقطب للهجرة سوف يواجه إشكالية تدريب وتأهيل وتوجيه المهاجر وبحث سبل إندماجه في مجتمعه الجديد. أما بالنسبة للمهاجر نفسه فإنه سوف يواجه إشكاليات وتحديات تتمثل في فقدان وطنه الأم وتواصله مع ثقافته الأصلية التي تربى عليها، وسيواجه إشكالية التكيف والإندماج مع المجتمع الجديد التي تتطلب منه بذل الكثير لرفع مستوى كفاءته في اللغة والعمل وتعديل أو تغيير الكثير من عاداته وتقاليده، وقيمه الثقافية في معظم الأحيان، فضلا عن إجهاد نفسه في تعلم لغة جديدة إذا ما كانت لغته الأصلية مختلفة بالاضافة الى مهارات أخرى.
وعليه فإن عملية quot;الاندماج الاجتماعي Social Integrationquot; تعد حجر الزاوية في مسألة وضع المهاجر الجديد ومستقبله، ومدى ما سيقدمه للبلد الحاضن (المستقطب للهجرة). وكذا إرتباطه ببلده الأم. الأمر الذي جعل موضوع quot;الاندماج الاجتماعيquot; يمثل أحد الفقرات الرئيسية والهامة في برامج الدول الأوربية وتحديدا المستقطبة (الجاذبة) للهجرة، وذلك من خلال أهمية ودرجة حساسية موضوع الهجرة والمهاجرين الى هذه البلدان.
إن مفهوم الإندماج الإجتماعي يقوم على مدى التفاعل الإجتماعي الذي يبديه المهاجر تجاه البلد الحاضن أو quot;بلده الجديدquot;، ودرجة إرتباطه وولائه له؟
ومن وجهة نظر علم الاجتماع فضلا عن وجهات نظر المعنيين ومطالبهم، فإن السؤال الهام هو: ماهي المعايير والمقاييس التي يمكن للشخص فيها أن يكون quot;مندمجاquot; مع/في المجتمع الجديد؟
ولهذا يثار الجدل وتترى الإجتهادات معه، وتختلف الأطراف المعنية، ويختلط العلمي منها بالسياسي، ويتضاد العنصري من الإنساني في أحيان أخرى. فتجد العديد من الأحزاب والسياسيين يضعون أمر المهاجرين وعملية إدماجهم أو إندماجهم في سلم أولوياتهم أو شعاراتهم الإنتخابية، مثلما تحصل الكثير من المزايدات على أمرهم في جوانب أخرى. وبالمقابل تنتظم بعض الجمعيات التي تنبثق من داخل مجتمعات المهاجرين أنفسهم لتنبري في صياغة تصوراتها ومواقفها من عملية الإندماج الإجتماعي، مدفوعة بمخاوف quot;تذويب الهوية الثقافيةquot; لهم واستهداف حرياتهم الثقافية، ودرجة إرتباطهم بأوطانهم الأصلية.
لقد دفعت موجات الهجرة التي قدمت إلى البلدان الغربية وإنسجاما مع القيم الإنسانية الجديدة، ووفقا للقوانين والإتفاقات الداخلية والدولية لكل دولة، وبحثا عن صيغ حياتية أفضل ومشاركة عامة في بناء بلادها، دفعت كل تلك وغيرها هذه البلدان إلى إيجاد برامج تسمى ببرامج الإندماج الاجتماعي. وتعد هذه السياسة نوعا مما يطلق عليه بالتغير الإجتماعي المخطط، أو الهندسة الاجتماعية، والتي quot;ترمي إلى تنظيم المجتمع، وتخطيطه وفق ما تتطلبه الظروف الحياتية والخواص البيئية التي يتميز بها، لكن الدولة هي المؤسسة القادرة على إنتهاج وتنفيذ مشاريع الهندسة الإجتماعية عن طريق مبادرتها إلى تصميم برامج التنمية الإجتماعية والعمل على وضعها موضع التنفيذquot;.
وتهدف برامج الإندماج الإجتماعي هذه من بين ما تهدف إليه الى كسر عزلة الجماعات المهاجرة، وخاصة تلك القادمة من ثقافات متباينة بشكل كبير عن ثقافة بلد المهجر. كما تضمن تلك البرامج إلى حد ما تحقيق تنمية فردية وجماعية لتلك الجماعات والأفراد المهاجرين من خلال رفع كفاءتهم المهنية والتعليمية وكسر الحواجز النفسية التي تعيق مشاركتهم في الحياة اليومية لهذه البلاد.
إن الحديث يجري أحيانا عن خلق مجتمع (سلطة الخُضار Salad) التي تحتفظ مكوناتها بألوانها وتمايزها، كنمط من الإندماج الإجتماعي المطلوب بدلا من نموذج (الطبخة المغلية أو السوب Soup أو الشوربة)، التي تتلاشى فيها الخصائص البارزة لمكوناتها مثلا. حيث تهدف هذه البلدان الحاضنة إلى إدماج هذه الجماعات وجعلها جزءا من نسيجها الإجتماعي وتعديل هويتها الثقافية بما يستوعب هذه الثقافات الفرعية من جانب، ويلون ثقافة المجتمع الأوسع بشيء من السمات والأنماط الجزئية الواردة.
إن الفرق بين الخيارين quot;سلطة الخضارquot; وquot;السوبquot;، هو أن الأول يشير الى جانب كبير من التسامح والتساهل تجاه الأقليات المهاجرة، وإمكانية التعايش المشترك مع ثقافاتها المتمايزة، شرط أن تكون غير متقاطعة. والتقاطع هنا يعني الخروج عن نواميس المجتمع الحاضن وخاصة قوانينه الوضعية الصارمة التي يحتم على الجميع الخضوع لها. وأن لا ضير من تحتفظ كل أقلية مهاجرة بخصائصها الثقافية وإن كانت مختلفة وغريبة عن المجتمع الحاضن. بل تتم رعايتها والحفاظ على ديمومتها إلى حد ما، وذلك من خلال تقديم الدعم المادي للجمعيات الثقافية التي تقوم بمهمة إحياء تراثها وفلكلورها وتوثيق عرى التواصل بين أفرادها، حتى لتجد كإن المشهد يبدو أنه دول داخل دولة.
وقد ساد هذا النوع من المجتمعات quot;المغايرة الثقافية Multicultural Societiesquot; في العديد من البلدان الغربية خاصة بريطانيا، التي تعتبر رائدة في ها المجال، نتيجة لسجلها الكولنيالي quot;الاستعماريquot;، وثم فرنسا واسبانيا وهولندا ولاحقا المانيا ودول سكندنيفيا، فضلا عن دول ما عرف بالعالم الجديد quot;الاميركتين وأستراليا ونيوزيلاندquot;. في حين أن مطلب مجتمع الـquot;سوب quot; يقتضي أقصى درجات الاندماج الاجتماعي وهي التمثل quot;Assimilationquot;، وتعني الذوبان التام وفقدان الخصائص الفردية لكل أقلية أو جماعة مهاجرة.
وتتراوح فترة برنامج quot;الاندماج الاجتماعي عادة بين 6 أشهر و3 سنين في بعض البلدان. ففي هولندا مثلا يمتد كورس الاندماج حوالي 6 أشهر، باستثناء برنامج اللغة التأهيلي الذي يمتد أكثر من ذلك، وحسب مقدرة المهاجر على اجتياز المستوى المطلوب وهو مستوى 2. في حين أنها تصل الى 3 سنوات في الدنمارك. وتتضمن برامج الاندماج الاجتماعي في بلدان المهجر عادة تعليم لغة البلد، وتوعيته بضوابطه وقوانينه وعاداته وتقاليده.
وخلاصة القول يمكن اختصار الاندماج الاجتماعي في وجهه quot;المتسامحquot; وفق ما يلى:
الاندماج هو عكس العزلة، وهو عملية تستهدف تقليص الهوة بين المهاجرين وبين المجتمع الحاضن او المستقبل لهم، وذلك عن طريق التركيز على الجوانب الاجتماعية ndash; الاقتصادية، من خلال توفير فرص العمل والتعليم والسكن اللائق والمساواة في الحقوق القانونية والكرامة الإنسانية ومحاولة تجنيبهم الوقوع في الجريمة، والتمييز العنصري. ويكون الشخص مندمجا في المجتمع الجديد إذا كان: يجيد لغة هذا المجتمع بقدر جيد، ويحترم ثقافته، ولا يتعاطى ممارسات سلوكية وثقافية تتقاطع مع ثقافة هذا المجتمع، وأن يشارك مشاركة فعالة في الحياة اليومية بجوانبها الإجتماعية والإدارية والسياسية.
وهو معادلة تتطلب تعاون طرفيها المشار اليهما، كما يشير إلى مقدار الإتصال بين الجماعات الإجتماعية. وبهذا فالإندماج هو ليس عملية التمثيل أو التمثل (assimilation) التي ينصهر فيها المهاجر في مجتمع المهجر بحيث يفقد هويته وثقافته الأصلية.


مختص بعلم الاجتماع- لندن:

[email protected]