محاد المعشني من صلالة: شهد المؤتمر العربي السادس للإدارة والإبداع والتجديد من أجل التنمية الإنسانية المنعقد مؤخرا في صلالة وبمشاركة أربع عشرة دولة عربية ومجموعة من الخبراء الدوليين وأساتذة الجامعات طرح الكثير من القضايا المتعلقة بدور الإدارة العربية في إقامة مجتمع المعرفة ومناقشة مجموعة كبيرة من البحوث وأوراق العمل تتعلق بشتى جوانب الموضوع وبعضها تجارب لمؤسسات ودول في نقل وتوطين المعرفة بوصفها التحدي الأكبر الذي يواجه الدول العربية في المستقبل المنظور.
طريق واحد
في البداية تحدث الدكتور بسمان فيصل محجوب منسق عام المؤتمر واستشاري المنظمة العربية للتنمية الإدارية قائلا: تم اختيار موضوع المؤتمر وهو دور الإدارة العربية في إقامة مجتمع المعرفة من خلال إدراك متكامل بأن المعرفة سمة العصر الجديد التي تمثل التدرج والانتقال من عصر المعلومات إلى عصر المعرفة وبالتالي سيتحول الجميع إلى ما يسمى بعمال المعرفة الذين سيشاركون في الأنشطة المعرفية بوصفها المصدر الحقيقي على القدرة التنافسية إذ أن الأنشطة المعرفية تمثل الأماكن الأكثر حساسية في مكونات القيم للسلعة أو الخدمة؛ كما أنها تمنح القدرة الأساسية للدول والمنظمات والشركات حتى يمكن أن تحصل على أحسن استثمار.
من هنا كان اختيار هذا الموضوع الذي يمثل تحديا للعرب في بلدانهم قبل غيرهم ونأمل من هذا المؤتمر من خلال ما ضمه من عقول وخبرات أن يضع إجابة لآليات نقل المعرفة وتوطينها ونشرها وتخليقها، انه طريق لا خيار عنه سوى خيار الوقوف على هامش التاريخ القادم.
القيادة والمعرفة
ويؤكد الدكتور سعيد بن حجر مدير إدارة البحوث والاستشارات بمعهد التنمية الإدارية بدولة الإمارات العربية المتحدة أن أوراق العمل والبحوث تطرقت إلى العديد من المحاور في التكنولوجيا والإنترنت ومدى الاستفادة من المعلومات والمعارف.
كما تم الخروج بالعديد من التوصيات في مجال نقل التكنولوجيا والاستفادة من تجارب الدول العربية والعالم لتعميم الفائدة على جميع الدول العربية من خلال تبادل الأفكار والآراء التي طرحت في المؤتمر.
وأشار إلى أن العصر الحالي لمن يمتلك المعرفة فمن يقود المؤسسات الإدارية والحكومية ولا يمتلك المعرفة عليه أن يتنحى لان عصر التكنولوجيا وعصر المعرفة هو الذي سيقود المرحلة ولا بد من التأكيد على أهمية المعرفة والتسلح بها .
قضايا ملحة
الدكتور سامي الصمادي من جامعة اليرموك في الأردن قال إن انطباعه كان ايجابيا عن نتائج المؤتمر وعن التنظيم والبحوث التي قدمت والاصرار الواضح من قبل المنظمين والمشاركين على الخروج بتوصيات تعالج قضايا ملحة في الإدارة العربية من خلال بحث مجموعة كبيرة من أوراق العمل والبحوث العلمية القيمة والتجارب العملية المفيدة وخرج المؤتمر بمجموعة من التوصيات تصب في مجملها على تطوير المعرفة وكيفية استخدامها ونعتقد أن مثل هذه المؤتمرات مهمة جدا بين الفترة والأخرى من أجل تدارس هموم وتطلعات البلدان العربية في مجالات المعرفة التي تعتبر سمة من سمات العصر الجديد.
الحاضنات
المهندس أحمد عبد الرحمن الجودر من مملكة البحرين قدم ورقة عمل في حلقة حاضنات الأعمال بالمؤتمر قال: شاركت بورقة عمل في حلقة الحاضنات على هامش المؤتمر وركزت على الأسس التخطيطية في اختيار المواقع للحاضنات مع تحفظي على مسمى الحاضنات وأتمنى أن يتم اختيار مسميات ملهمة لها توحي بحفز الإبداع والابتكار ولا توحي بالعجز والضعف .
لقد تتبعت في الورقة أنواع الحاضنات المختلفة ومسيرة تطورها وأسس القبول والتخرج فيها مع التركيز على المعايير الهندسية في الموقع ومحتويات الحاضنة والمساحات التي تتطلبها وعلاقتها بمراكز الأعمال ومراكز الشحن والبريد والمطار.
البدء من المنزل
ابتسام عبد القادر المطوع شاركت عن دولة الكويت وهي مقيمة في مسقط وتقول: على كل مشارك أن يبدأ بنفسه وفي بيته لتعلم وتطبيق فنون نقل المعرفة فأساليب المعرفة بين المعلم والطالب في معظم أرجاء الوطن العربي مازالت تقليدية وتعتمد على تنشيط النصف الأيسر من المخ في حين أن أسس نقل المعرفة الحديثة هي تنشيط النصفين الأيمن والأيسر .
وأنا أرى أن كل فرد يحتاج إلى تعلم فنون التواصل ونقل المعرفة، كلغة العين ولغة الجسد والتواصل أو نقل المعرفة من خلال النظام التمثيلي لمتلقي المعلومة ولا يجب أن ننسى الطالب في تدريبه على كيفية استيعابه للمعلومة وكيف يمكن أن يحتفظ بها دون عناء وكيف يمكن أن يحقق الامتياز بوقت وجهد أقل وهذه التقنيات يتم تدريب المعلم والطالب عليها وبصورة أوسع بين المرسل والمتلقي سواء بين الرئيس والمرؤوس أو بين الوالد والولد أو نحوه .
وقالت المطوع إن أكثر ما شدني في المؤتمر هو محاضرات اليوم الثاني والثالث والمتعلقة بالاستشراف المستقبلي للنظم التعليمية في ضوء اقتصاد المعرفة والرؤية المستقبلية للإدارة الصفية في المؤسسات التعليمية في ضوء الأدوار الجديدة للمعلم .
وتحدثت المطوع عن تجربتها في نقل المعرفة من خلال المشاركة في إلقاء بعض المحاضرات في مدارس السلطنة وقالت: أتاحت لي مدرسة أحمد بن ماجد التواصل مع الهيئات التدريسية والطلاب من السلطنة وكانت محاضرتي عن فنون التواصل مع الذات للكادر التدريسي في المدرسة ومحاضرة عن التفوق الدراسي (الخريطة الذهنية ) لمجموعة من طلبة وطالبات السلطنة وكنت في الكويت أقوم بتدريس هذه المهارات في المدارس عن الحياة وفنون التواصل ونقل المعرفة .
نقاط مصيرية
خميس بن سعيد المنيري من وزارة الصحة احد المشاركين في المؤتمر قال إن فعاليات المؤتمر أكدت دور الإبداع والتجديد في إقامة مجتمع المعرفة حيث أصبحت المعرفة غاية وهدفا أسمى في الزمن المعاصر فبها تتمايز الأمم في رقيها.
وقد اشتملت الموضوعات المطروحة في المؤتمر على نقاط مصيرية حاسمة تمس الأسس التي تقوم عليها نهضة المجتمعات العربية المعاصرة على شتى المستويات العلمية والتكنولوجية والاقتصادية.
الفجوة كبيرة
أما سالم بن عاشور حبراص من شؤون البلاط السلطاني واحد المشاركين في المؤتمر فقد قال إن تطبيق هذه المفاهيم في الوطن العربي ضرورة حتمية فمن حضر أعمال المؤتمر يلاحظ الفجوة الكبيرة في الإبداع والتجديد في الوطن العربي والدول الأخرى (أوروبية وآسيوية) إن الإحصاءات والأرقام التي تم عرضها في المؤتمر تؤرق مضاجع كل إنسان حريص على تقدم أمته إذ أن هذه المؤشرات الإحصائية تدل على تخلف الأمة العربية في مفهوم الإبداع والتجديد في الوقت الراهن .
لقد أصبحت الأمة العربية مستهلكة ليس سلعيا فقط وإنما حتى فكريا وكأن العقل العربي أصبح خاويا لا يستطيع أن يفكر أو يبدع أو يخترع وقد عزا بعض المحاضرين ذلك إلى هجرة العقول العربية وغياب بيئة مجتمع المعرفة وعدم اهتمام القيادات بالمعرفة الحديثة لذا ركزت بعض مناقشات المؤتمر على ضرورة إشراك القيادات العليا في أعمال المؤتمرات عمليا وليس بروتوكوليا لحضور حفلات الافتتاح وعدم الاستمرار في مناقشات أعمال المؤتمرات وكأن هذا المؤتمر أو ذلك يهم شريحة معينة من المعنيين فقط دون غيرهم ونتيجة لذلك أصبحت أغلب المؤتمرات العلمية مثل المؤتمرات السياسية تنحصر مهمتها في إقرار التوصيات في نهاية المؤتمر ثم توضع التوصيات في الإدراج وبهذا تضيع الجهود البشرية والأموال التي أنفقت على المؤتمرات .
نأمل أن يتم التركيز على مثل هذه المؤتمرات العلمية من القيادات العليا في الوطن العربي من خلال تبني أعمال المؤتمرات ونأمل أن تقوم القيادات في الدول العربية بتخصيص ( 1% ) على الأقل من موازناتها السنوية للبحث العلمي والمعرفة .
البيان الختامي
جاء في البيان الختامي للمؤتمر أن المنظمة العربية للتنمية الإدارية بالتعاون مع معهد الإدارة العامة بالسلطنة عقدت المؤتمر العربي السادس في الإدارة والإبداع والتجديد من أجل التنمية الإنسانية ( دور الإدارة العربية في أقامة مجتمع المعرفة ) وحلقة عمل حاضنات الأعمال في الفترة من 10 إلى 14 سبتمبر 2005 بمدينة صلالة؛ وشاركت في المؤتمر نخبة من القيادات الإدارية وأساتذة الجامعات والخبراء المتخصصين بلغ عددهم (120) مشاركا مثلوا ( 14 ) دولة عربية هي (السلطنة، الأردن ؛ الأمارات ؛ البحرين ؛ السعودية ؛ السودان ؛ سوريا ؛ العراق ؛ قطر ؛ الكويت ؛ لبنان ؛ ليبيا ؛ مصر ؛ اليمن ) .
وقد ناقش المشاركون على مدى ثلاثة أيام (23) بحثا وورقة عمل ؛ كما طرحت التجارب العربية المتميزة في مجال المعرفة ونشرها ونقلها وتوطينها وتخليقها ؛ الأمر الذي ساهم في تسليط الضوء على دور الإدارة العربية في إقامة مجتمع المعرفة في الأقطار العربية في ظل التحديات المعاصرة واستحقاقات الثورة التكنولوجية وثورة الاتصالات والمعلومات فضلا عن تأثيرات العولمة واقتصاد السوق.
توصيات هامة
وخلص المشاركون إلى اقتراح الإطار العام لبناء مجتمع المعرفة وطالب بضرورة مساهمة كافة قطاعات المجتمع وأن لا تلقى المسؤولية على عاتق الدولة فقط بل لابد من مشاركة القطاع الخاص ومؤسسات المجتمع المدني والأفراد الذين لديهم القدرة والإمكانيات على نشر ذلك الوعي والبناء المؤسسي لتفعيل معطياته وقيام كل دولة عربية بإجراء المسوح والدراسات الميدانية للتعرف على ما لديها من مخزون معرفي وتكنولوجي وقوى بشرية وإمكانيات مادية للتأكد من ودرجة توافر البنية الأساسية اللازمة لإقامة مجتمع المعرفة والانفتاح على العالم للاستفادة من التجارب الايجابية في ميادين نقل وتوطين المعرفة وتخليقها مع المحافظة على هوية المجتمع العربي والأصالة الثقافية على أن تكون هذه الأصالة بدون جمود والانفتاح بدون ذوبان كلي وإذ يقدر المؤتمرون الخصائص والسمات الخاصة لكل دولة عربية وخصوصياتها في التعامل مع المعطيات المختلفة يناشدون هذه الدول البدء بتأسيس واحات للمعرفة (KRAP EGDELWONK) وجامعة تكنولوجيا عربية على أن تضمن لها الحياد وذلك بأبعاد السياسة وتأثيراتها على هذه المراكز وأن يختار لها النخب العلمية والفكرية القادرة على البدء ببناء النموذج العربي مستفيدة من التجارب العالمية وإذ يؤمن المشاركون أن حالة المعرفة والتكنولوجيا في الوطن العربي هي النقل والاستهلاك وأن تكاليف ذلك تقدر بعشرات البلايين من الدولارات سنويا وأن هذا الإنفاق يذهب دون فائدة كبيرة منه نتيجة للتغير المتسارع في التكنولوجيا والمعرفة فإنهم يتقدمون برؤيتهم لأن تضع الدول العربية جزءا من هذا الإنفاق لتوطين المعرفة والتكنولوجيا وبناء القاعدة العلمية حتى يكون هذا الإنفاق ؛ إنفاقا استثماريا لا إنفاقا استهلاكيا تفاخريا.
اقتراحـــات
وتوصل المجتمعون الى بعض الاقتراحات وهي انه وبناء على ما تأسس فإن المؤتمرين يقترحون تحديد بعض القطاعات التي لها حظ في النمو والنجاح في العالم العربي؛ وأثبتت بعض الدول العربية كفاءة في هذا المجال في الصناعات المتقدمة كالصناعات الدوائية والحواسيب وبعض الصناعات الكهربائية وتعميم هذه النجاحات على الدول العربية الأخرى أو الدخول معها في شراكة وتعاون ويرى المؤتمرون أن العلم والمعرفة لا ينموان إلا في ظل جو يركز على تربية الناشئة على استقلالية التفكير والنقد البناء والحوار الهادف والتفكير الإبداعي وتقديس العمل ولن يتأتى ذلك إلا في مجتمع يحترم الفرد ويحافظ على كرامته وأكد المشاركون أن الإنفاق على البحث العلمي في البلاد العربية لا يفي بمتطلبات الحد الأدنى المطلوب لبناء بيئة أساسية للبحث العلمي وأن تدني الأنفاق ساهم وبشكل سلبي في الوصول إلى الحالة التي وصلنا إليها من حيث المعرفة إنتاجا ونشرا مما أنعكس سلبا على مخرجات المعرفة وأثرها على الاقتصاد العربي؛ ويتمنى المشاركون من الدول العربية زيادة الإنفاق على البحث العلمي بشكل تدريجي خلال السنوات العشر القادمة بحيث يصل إلى ضعف ما هو عليه الآن حتى يتمكن الباحثون ومراكز البحث العلمي من زيادة كفاءتهم البحثية عن طريق توفير وسائل وآليات البحث المختلفة واستكمالا لما سبق ولما كان العالم العربي يعاني من نسبة أمية عالية تقدر بحوالي ( 11.6% ) من مجموع عدد الأميين بالعالم الثالث أي سبعين مليون مواطن عربي أمي، فإن المشاركين يتوجهون إلى الدول العربية التي توجد فيها نسبة أمية أو ترتفع فيها هذه النسبة أن تضع الآليات الكافية القابلة للقياس للقضاء على الأمية خلال السنوات العشر القادمة في البلاد العربية وللخروج من مأزق التعليم وتدني مستوى مخرجاته وتحديدا في التعليم العالي، والمؤتمرون يقترحون إعادة النظر في مناهج التعليم الجامعي وآلياته ووسائله بهدف تحسين نوعية المدخلات والمخرجات وتجويد أداء أعضاء هيئة التدريس في الجامعات والعاملين في مراكز البحث العلمي .
وأخيرا فإن المؤتمرين يتوجهون بالشكر والتقدير إلى السلطنة لاستضافتها هذا المؤتمر ويثمنون عاليا الجهود التي بذلها رجال السلطنة ومسؤولوها لتسهيل انعقاد المؤتمر ويخصون بالشكر العاملين في معهد الإدارة العامة بمسقط على ما بذلوه من جهود تنسيقية ومتابعة لإنجاح أعمال المؤتمر .



التعليقات