إيلاف من بيروت: كان هو كلمة الفصل الحاضرة بخمسين سنة من العطاء، هامة ترتفع فوق راحة الكلام والشعر، تلقي الالحان وترسل الأنغام صوتاً، ينحت في ذاكرة هذا الوطن إرثاً، أبو بكر سالم، من الصعب أن تحويه فصول أو حلقة واحدة، فاستحق حلقتين من quot;كلمة فصلquot; وكان حضوره الختام المسك لهذه الدورة من البرنامج الذي سيعود ليطل بعد شهر رمضان الكريم. قطفت روتانا الوهج عندما كرمت وأحتفلت بأحد أكبر فناني العرب، وأكدت جومانة بوعيد قدرتها على مقارعة وحوار الكبار.
لم تكن هذه المرة من كلمة فصل يقولها الفنان الكبير، بل كان هناك توقيع على ورقة آخر الفصول، توقيع حب للأم الحاضنة التي رحلت وهي تسبح الرحمن وتسجد له. الكلام الذي قيل مؤثراً جداً، فيه رائحة الحب والعطر. رشها ابو بكر سالم ليس فقط على من اعطى بهم شهادة مودة وتقدير مثل محمد عبده الذي وصفه بالحبيب ، وعبد المجيد عبد الله وعلي بن محمد وراشد الماجد، ورابح صقر وعبادي الجوهر. وسواهم ممن وصفهم بالاحباء بل ايضاً وصل اريج كلامه الى الراحلين الذين وغنوا الحانه ويعتز بهم مثل ذكرى .. معتبراً اسماء المنور صوت واعد يمكن ان يرث مكانه ذكرى.
لم يكن سهلا على جومانة ان تجول في كل هذا التاريخ دفعة واحدة، لكنها كمتمرسة حفظت هذا التاريخ عن ظهر قلب، وقلبته برشاقة غير معهودة، قاطفة من كل حقل وردة، زارعة في كل جلّ سؤال يعيدنا الى وهج الحقائق، والحقائق مع ابو بكر سالم قد تنقلب رأياً يطاع وحكمة يؤخذ بها، والمدرك يعرف اي صدى تركه كلامه عند الفنانين والعرب، فنال غيث التقدير، هو الذي لم يكن قد دخل بعد فصل المطر مع جومانة. الذي بشرت به بسؤال بان كبيرنا يكتب ويلحن وهو نائم، لم يجاوب كالعاديين بل قال العشق وحده يأتي بالكلام والنغم هذا العاشق حتى الثمالة رسم خمسين عاماً من الفن وودعها تركة للاجيال.
فعرفنا لماذا استحق شهادة الدكتوراة الفخرية من كلية الاداب والفنون اليمنية، وعرفنا لماذا قال ما قاله عنه الفنان اللبناني احسان صادق والموسيقار المصري عمار الشريعي الذي وصفه بالانسان الظاهرة وليس فقط الفنان الظاهرة، وكذلك رئيس شركة روتانا سالم الهندي الذي نعته باجمل الصفات، وهو لا يأخذ من كل هذه الشهادات سوى المزيد من الانحناء والترفع والشكر، فهو بدوره وصف الامير وليد بن طلال بانه الوالد الذي اوصل الفن الخليجي خاصة والعربي عامة الى كل العالم.
كبيرنا يحب العتمة اكثر من الضوء فيها يحدث نفسه باحاديث الروح، وعلى ضوء الشموع بكى يتذكر رفيق دربه الشاعر حسين المحضار الذي غنى له اكثر من 100 اغنية على مدى اكثر من 26 عاماً، جال فيها مسجلاً فنه ما بين لبنان، ومصر واليمن والمملكة، تاركاً الحانه بصمات رفيعة في اصوات الفنانين العرب اجمع.
ولأن كلام ضيفنا لا ينزل الارض بل ينزل الاسماع كان من الجدير ان نسمعه وهو قول بانه يقدر اصوات مثل وديع الصافي، ونصري شمس الدين، والصبوحة وفيروز ومن الجيل الجديد جورج وسوف ، ولمح بسخرية راقية ومبطنة عن بعض الاصوات الرجالية والتي لا تليق بها صفة الرجولة .
سهرة اليوبيل الذهبي احيتها روتانا لا لتقفل فصلاً بل لتفتح فصول الفن الملتزم باحد اكبر اعمدته ابو بكر سالم الذي اعترف لجومانة بانه عرف العثرات في حياته، لكنها عثرات فكرية اكثر منها عثرات حياتية، معتبراً بان الفن اليوم تطغى عليه سمات المادة والمال ، بعد ان كان المال يصرف على الفن، بات اليوم يصرف على شراء الفساتين، ولم يوارب الفنان ابو بكر سالم عندما سألته جومانة بانه يحبس الاغنية التي يضع عبد الله رويشد عينه عليها، قالها بصراحة لائقة انها ليست له، ملاطفاً إياه بلقب العفريت و مقدما له كل ما يرغب به من الحان الا هذه الاغنية quot; ليل الليلquot; او quot;روح الليلquot; ، وجّه ابو بكر عتابه لابنه اصيل مطالبا
اياه بزيارته في الرياض فاقامة اصيل في القاهرة طالت .
لم نعرف حقيقة اذا كانت روتانا موسيقى قد دفعت للفنان مبلغ 10 ملايين دولار مقابل ارشيفه على حسب معلومة رماها الصوت الضمير الحاضر في البرنامج، وبادبه المعهود قال ابو بكر يكفي ان اخذ من روتانا الحب والمودة فالشريف يتعامل بشرف .
على اغنية quot;يا بلادي واصلي quot; اقفلت ستارة quot;كلمة فصلquot; على ان يعود مزهراً، يانعاً، متجدداً بعد حين قليل.