كنت في "كورشفيل" في جبال الالب بمنطقة "سافوا" الفرنسية عندما قامت مجموعة من انصار داعش بهجوم مسلح على مدينة بن قردان على الحدود مع ليبيا بهدف اقامة امارة اسلامية فيها. ويوم الجمعة الماضي عدت الى تونس تنهشني المخاوف والهموم. فقد اصبحت بلادي مهددة في امنها واستقرارها اكثر من ايّ وقت مضى.
وصلت الى مطار قرطاج في الثامنة ليلا. وكانت اختي في استقبالي. ابتهجت كثيرا عندما اعلمتني ان امطارا غزيرة تهاطلت على كامل انحاء البلاد منهية اشهرا من الجفاف المرعب. ولما سلكت سيارتها طريقا لم يكن الطريق الى بيتها في ضاحية "العوينة" القريبة من المطار سالتها: الى اين؟ فردت: الى مطعم في حلق الوادي ...اريد ان احتفي بعودتك!...آه حلق الوادي...الضاحية الشمالية الجميلة التي كانت رمزا للتسامح بين الثقافات واللغات والاديان...ففيها تعايش المسلمون والمسيحيون واليهود في كنف السلام والوئام. وفي الصيف تصبح ايامها ولياليها افراحا ومسرات، ويتحول شاطئها الى فضاء رحب يعكس فرحة الحياة مبرزا جمال الصبايا اللاتي تغنى بهن فريد الاطرش في اغنيته الشهيرة "بساط الريح"، واصفا اياهن بـ "الغزلان البيضاء" التي لا تخشى امهر الصيادين....آه..حلق الوادي! واليهودي رؤول جورنو يصدح بالاغاني التونسية الاصيلة في سهرات الصيف البديعة، والاندلسي الهادي الجويني يردد: تحت الياسمينة في الليل .. نسمة والورد محاذيني..الاغصان عليّا تميل ..تمسحلي دمعة عيني...
لكن من يسمح دموع عائلات ضحايا الارهاب الاعمى الذي بات يعصف بارواح العشرات من ابناء وطني الحبيب؟
اختارت اختي ان نتناول العشاء في مطعم "البحر" في شارع روزفلت الذي تكثر فيه مطاعم السمك. من النظرة الاولى عاينت ان هناك عددا كبيرا من الزبائن. وجميعهم كانوا في حالة من الانبساط والمرح والسرور. وقد اندهشت لذلك غير ان اختي همست لي: اطمئن! ما حدث في بن قردان سيزيد التونسيين حبًا للحياة، وتعلقا بأفراحها! وما ان جلسنا، حتى سمعت احدهم يناديني. التفت فإذا بي اجد حول الطاولة التي خلف طاولتنا صديقين عزيزين من القيروان هما الشاعرمعزماجد، نجل الشاعر الراحل جعفر ماجد، والكاتب والصحفي كمال الهلالي الذي تربطني به علاقة منذ سنوات مراهقته عندما كان يرسل الي وانا في ميونيخ قصائد ونصوصا بديعة. وكانا مرفوقين بفتاتين انيقتين. قال لي معز ضاحكا: اراك مستغربا وجودنا هنا ... لعلك كنت تعتقد انك ستجدنا مختبئين في بيوتنا مثل فئران مذعورة ... اليس كذلك؟ ومن دون ان ينتظر ردا مني اضاف قائلا: لا تخشى شيئا يا صديقي! سوف ننتصر على اعداء الحياة بحب الحياة وسوف ينهزمون. وعاضدته صديقته الجالسة بجانبه قائلة: تونسنا عصية عليهم وعلى كل من يبتغي فصلها عن ثقافتها المتوسطية العريقة!
انشرح صدري، وفي الحين تلاشت الهواجس والمخاوف ووجدتني خفيفا منتعشا بالجو المعطر بحب الحياة في مطعم "البحر". وتذكرت ما فعلته صبايا تونس الفاتنات عندما شرعت حركة النهضة تهدد التونسيين عام 2012 بتطبيق مشروعها الظلامي. فقد نظمت في جميع المعاهد والجامعات حفلات راقصة على انغام الموسيقى التونسية الاصيلة. ونقلت القنوات التلفزيونية بالصورة والصوت العديدمن تلك الحفلات البهيجة التي ازعجت قادة النهضة واجبرتهم على الكف عن التهديدات التي كانوا يطلقونها صبحا مساء بهدف ترويع التونسيين. وبذلك انتصرت فرحة الحياة على ثقافة الظلام والموت والعبوس!









التعليقات