قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

يمكن للأدوية أن تعزز السلوك الانتحاري، كما حصل مع طيار جيرمان ونغز اندرياس لوبيتز، لكن الاطباء يعتقدون الآن أن بعض العقاقير يمكن أن تغيّر الأخلاق أيضًا.

ماجد الخطيب: يمكن لبعض الأدوية، وخصوصًا العقاقير المعقدة الخاصة بمعالجة الأمراض المستعصية، أن تؤثر في قراراتنا الاخلاقية. هذا ما توصلت إليه دراسة بريطانية جديدة أجريت على عدد كبير من متطوعين، واستخدم فيها العلاج بالايهام (بلاسيبو) للتأكد من صحة النتائج.

حفنة من الجنيهات

باستخدام العقاقير الخاصة بمعالجة مرضى الباركنسون (الشلل الرعاش غير الإرادي) والاكتئاب على متطوعين، من دون علمهم، أظهر بعضهم استعداده للتعرض لصدمات كهربائية، أو تعذيب الآخرين بها، مقابل "حفنة من الجنيهات"، بينما أظهر البعض الآخر، على غير عاداتهم أيضًا، ميلًا للكرم أصبحوا بسببه مستعدين "قلبيًا" للتخلي عن مالهم.

وفسر العلماء، من جامعة أوكسفورد، هذا التغيير الأخلاقي على أساس تأثير هذه العقاقير على المواد الحيوية (الهرمونات على وجه الخصوص) في الدماغ، وصاروا يشكون الآن بأن تأثير هذه العقاقير على مرضى باركنسون والاكتئاب ربما يعود إلى تفاعلات هذه المواد مع المواد الناقلة للايعازات في المادة العصبية في الدماغ.

هرمونات السعادة

المهم هو أن المتطوعين الذين خاضوا التجربة كانوا من البشر السليمين جسديًا وعقليًا، ولهذا فمن غير المعروف، بالنسبة للعلماء، إذا كانت هذه العقاقير تؤثر بنفس الطريقة على المرضى المعانين من باركنسون والاكتئاب. ويبقى أن يعرف العلماء أيضًا كيف ومتى، وأية ظروف أخرى يمكن أن تعزز أو تقلل الأثر الاخلاقي لهذه العقاقير على الإنسان.

يعرف العلم أن الهرمونات التي يفرزها الدماغ تؤثر سلبًا او ايجابًا في قراراتنا، وسبق لدراسات علمية سابقة ان كشفت ذلك. فهرمون السعادة "دوبامين" لا يجعلنا نشعر بالسرور فحسب، وإنما يعزز جنوحنا للعنف وممارسة أفعال اجرامية، في حين يعمل هرمون السعادة الآخر "سيروتونين" على كبح جماح الميل نحو العنف، ويضعف مشاعر الخوف والقلق. وسبق للعلماء أن عثروا على معدلات سيروتونين أقل من الطبيعية في دماء مرتكبي الجرائم الثقيلة.

ويطلق على أشهر العقاقير الخاصة بمعالجة الاكتئاب اسم "كابحة السيروتونين" لأنها تتحكم بفرز هرمون سيروتونين في الدماغ، بينما تعمل الأدوية الخاصة بعلاج باركنسون، مثل "ليفودوبا"، على زيادة فرز الدوبامين. وهنا بالضبط يأتي دور هذه الأدوية المكمل لخصوصية القرار الاخلاقي عند متلقيها.

صدمات كهربائية

عملت الباحثة مولي كروكيت وزملاؤها من جامعة اوكسفورد مع 89 متطوعًا، سليمي العقل والجسد، بهدف الكشف عن التأثير الأخلاقي لهذه الأدوية. عالج الأطباء نصف هذه المجموعة بعقار "سيتالوبرام" المضاد للاكتئاب، بينما عالجوا النصف الآخر بالماء المقطر (بلاسيبو)، أي العلاج بالايهام. واستخدم العلماء مجموعة أخرى من 89 متطوعًا جرى علاج نصفهم بعقار ليفودوبا الخاص بمرض باركنسون، كما عالجوا النصف الآخر بالبلاسيبو أيضًا. والمهم جدًا في التجربة أن الأطباء أنفسهم لم يعرفوا مَنْ مِن المتطوعين تلقى الأدوية، ومن منهم تلقى البلاسيبو.

عرض الأطباء على أفراد من كافة المجموعات الأربع بعض المال مقابل الموافقة على تلقيهم صعقات كهربائية خفيفة. وكان على المتطوعين الاختيار بين 7 صعقات مقابل 10 جنيهات أو عشر صعقات مقابل 15 جنيهًا.

ونال أفراد، تم انتقاؤهم عشوائيًا، نفس المبالغ مقابل قيامهم بصعق الآخرين من زملائهم. وواضح أن الهدف من التجربة هو معرفة استعداد الأفراد الاخلاقي لالحاق الأذى بأنفسهم وبغيرهم مقابل المال.

وكتبت كولي كروكيت في مجلة "كرنت بيولوجيCurrent Biology" ان البشر الطبيعيين ميالون لالحاق الأذى بأنفسهم أكثر من الميل لإلحاق الأذى بالآخرين، وان كان ذلك مقابل المال. لكن الحالة كانت معكوسة هنا عند متلقي عقار ليفودوبا، مقارنة بمتلقي البلاسيبو، وكان بعض المتطوعين من هذه المجموعة مستعدين لصعق زملائهم بكل سهولة. بل انهم اختاروا، كمعدل، الصعقات العشر لالحاق الأذى بالآخرين.

وبالنسبة للمتطوعين الذين تلقوا عقار سيتالوبرام، المستخدم ضد الاكتئاب، ظهر بوضوح ترددهم الكبير في إيذاء الآخرين بالكهرباء مقابل المال، وكانوا ميالين بشكل أقل من غيرهم لصعق أنفسهم بالكهرباء.

تأثير أخلاقي واضح للعقارين

وعبرت كروكيت عن قناعتها بأن عقاري ليفودوبا وسيتالوبرام يعززان تأثير هرموني الدوبامين والسيروتونين في الدماغ، وكان ذلك واضحاً جدًا من خلال استعداد البعض لإيذاء البشر الآخرين مقابل مبلغ بسيط، كما يظهر ذلك لدى آخرين كان بامكانهم بسهولة ان يكسبوا بعض المال لقاء أذى بسيط لا يؤلم كثيرًا يلحقونه بأنفسهم.

وكتبت الباحثة البريطانية تدعو إلى تدقيق تأثير مختلف العقاقير الأخرى السائدة في الصيدليات على الجانب الأخلاقي من الإنسان. وعلى أية حال، فإن التجربة أجريت على أفراد سليمين، ويتمتع الإنسان السليم بمعدلات من هرموني السعادة المذكورين أعلى منها لدى المرضى، وهذا ظاهر في حالة المعانين من الاكتئاب مثلًا. وهذا يعني ان تأثيراتها على مرضى باركنسون والاكتئاب قد يختلف، ولابد من التأكد من ذلك من خلال دراسات جديدة.