الإثنين: 24. 10. 2005
كامل زهيري: سُجِنَ الزعيم الإفريقي نيلسون مانديلا 28 عاماً في سجون التمييز العنصري. ورفض أكثر من مرة الإفراج عنه مقابل التنازل عن المقاومة. واستحق مانديلا لقب “أشهر سجين في العالم”. وقد قدم الزعيم نيلسون مانديلا آخر كتاب ظهر في باريس بالفرنسية عن الزعيم الفلسطيني “ياسر عرفات”. وكتب مقدمته في يناير/كانون الثاني 2004 أثناء الحصار “الإسرائيلي” على مقر عرفات في رام الله لمدة عامين. وتمنى مانديلا نجاة عرفات من الحصار ليحقق مشروعه الوطني لإنشاء دولة فلسطين المستقلة. وقال مانديلا في مقدمة كتاب أمنون كابليوك عن ياسر عرفات:
سيظل عرفات دائماً رمزاً للبطولة عند شعوب العالم التي تناضل من أجل العدل والحرية.
ولكن أمنية مانديلا لم تتحقق.
.. وتردد السؤال بعد وفاة ياسر عرفات: هل قامت “إسرائيل” بدس السم لعرفات. واغتياله؟
وهذا الكتاب الجديد “ياسر عرفات” كتبه أمنون كابليوك الكاتب والصحافي “الإسرائيلي” الذي يكتب بانتظام في جريدة “لوموند دبلوماتيك” بالفرنسية. وكثيراً ما استشهدت بآرائه في عمود “من ثقب الباب” وخاصة منذ ،1982 لأنه نشر كتابه الموثق عن مذبحة صبرا وشاتيلا. وقد ترجم هذا الكتاب إلى تسع لغات. وكابليوك قابل ياسر عرفات كما يقول في فلسطين ولبنان وتونس أكثر من 120 مرة. وعند هجوم شارون على لبنان ومحاولة تصفية ياسر عرفات بالغارات المتواصلة ذهب كابليوك ليقابل عرفات في المخيمات. ونقل الكاتب الصحافي ما شاهده من جرائم. وما لمسه من إرادة المقاومة. وكتابه عن مذبحة صبرا وشاتيلا في ديسمبر/كانون الأول 1982 مليء بالوثائق والحقائق. ويصف أيام العدوان “الإسرائيلي” يوماً بيوم. وساعة بساعة.
وجاء كتاب كابليوك الجديد عن ياسر عرفات سجلاً تاريخياً دقيقاً. وفي 517 صفحة مع كثير من الخرائط وعديد من الصور الفوتوغرافية لياسر عرفات من طفولته حتى الحصار في رام الله.
يقول كابليوك: إنه قابل ياسر عرفات أول مرة في أغسطس/آب 1982 أثناء حرب لبنان. وحصل منه على حديث. والقنابل لا تتوقف. لينشره في جريدة “اللوموند”. ويذكر كابليوك أن عرفات قال له في نهاية الحديث وسط الغارة: “أرجو أن نلتقي مرة أخرى”.
وكان الحديث مع عرفات بالعربية.. وقد قابلت عرفات في أوروبا وشمال إفريقيا وإفريقيا والأردن وغزة. وفي الحرب والمنفى. وشاهدته في المحافل الدولية. وقد ظل اسمه سراً حتى معركة الكرامة عام 1968 حين واجهت المقاومة الفلسطينية القوات “الإسرائيلية”.
ويقول كابليوك في مقدمة الكتاب: لقد أطلق على ياسر عرفات أنه رجل “بسبع أرواح”. وقد نجا من محاولات الاغتيال. وكل مرة بأعجوبة أو معجزة.
ففي رام الله عام 1967. غادر عرفات مخبأه قبل دقائق من اقتحام الجنود “الإسرائيليين” له. ولم يجد الجنود غير مائدة إفطاره. ولم يمسسها عرفات لأنه لم يحس ساعتها بالجوع!
وفي عام 1968 استخدمت “إسرائيل” عميلاً لحساب “الشين بيت” أو الأمن “الإسرائيلي”. واتفقت مع العميل على اغتيال عرفات. وأعدت المخابرات للعميل الخطة وجواز السفر السويسري وحساباً مفتوحاً بأحد البنوك السويسرية. وحاول العميل الذي تسلل إلى منظمة فتح. وفشلت محاولتان. ثم أحس باليأس في المحاولة الثالثة. وفي عام 1969 نجا عرفات من رسالة مفخخة.
ويقول كابليوك: اقترح الماجور بنيامين شاليت رئيس الخدمات السيكولوجية في البحرية “الإسرائيلية” خطة استوحاها من أحد الأفلام الأمريكية! وهو فيلم: “جريمة في الدماغ” ل”جون فرانكاهيمر” 1962 ويحكي عن استخدام المخابرات الصينية جندياً أمريكياً كان سجيناً في حرب كوريا لاغتيال الرئيس الأمريكي. وقامت “إسرائيل” بتنفيذ نفس الخطة بتجنيد شاب سموه “فتحي”.. وقام الموساد بغسل مخ هذا الفتى “فتحي”. وأقنعوه أن ياسر عرفات يضر بمصالح “فتح”. والواجب إزالته من أجل القضية الفلسطينية. ولكن غسيل المخ لم يكن كاملاً.. لأن “فتحي” حين اتجه إلى الأردن لاغتيال عرفات. توجه إلى أقرب نقطة شرطة ليعترف!
وقد تكررت خطط الاغتيال بالقنابل والعربات المفخخة وقصف مقار قيادته.
وفي صيف 1982 كان حصار بيروت الغربية. ويعترف رافائيل إيتان رئيس الأركان في الحرب ضد لبنان “أن الفشل الحقيقي في حرب لبنان كان في نجاة عرفات كل مرة”. “فقد حاولنا عشرات المرات بالمدفعية. ثم الصواريخ من طائرات الهيلكوبتر. وفي كل مرة كان عرفات ينجو سليماً”.
ولم تتردد الصحف “الإسرائيلية” في تكرار هذا السؤال: “هل يجب قتل عرفات؟!..”.
وكتب الخبير العسكري “الإسرائيلي” زئيف شيف في جريدة “هاآرتس” في 11 أكتوبر/تشرين الأول 1985 عن اغتيال عرفات. وهل أصبح ضرورياً؟ ونشرت الصحيفة العمالية “الإسرائيلية” “كوتريث راشيس” في 19 أكتوبر 1985 إجابات 13 شخصية من أقصى اليمين إلى اليسار الصهيوني عن هذا السؤال: “هل يفيد اغتيال عرفات اليهود؟”.
ويقول كابليوك: “إن الذين عارضوا الفكرة لم يعارضوها لاعتبارات قانونية. بل لأن الاغتيال قد يضر بصورة “إسرائيل” في الخارج”.
ويضيف المؤلف أن الاغتيال وحده لم يكن الهدف الوحيد. لأن حملات اغتيال عرفات معنوياً لم تتوقف. ويقول يوسي جينوسار الملحق بالشين بيت في عدد 9 أكتوبر 1985 من نفس الجريدة إن كتاب “الرجل والأسطورة” عن تاريخ حياة ياسر عرفات. وقد نشرته شركة نورتون الأمريكية لكاتب أمريكي اسمه توماس كرنان كان هدفه تلويث وتحطيم سمعة ياسر عرفات. والكتاب نشر عام 1976.
ويكشف أمنون كابليوك حياة ياسر عرفات في منفاه بتونس. وقد نزل أولاً في فندق فلسطين بتونس بعد انتقاله من لبنان. ويحكي كابليوك نجاة عرفات يوم الثلاثاء 7 أبريل/نيسان 1992 عند انتقاله من السودان بعد مقابلة الرئيس عمر البشير. وكانت الطائرة الروسية قديمة وعمرها 23 سنة. وكان قائدا الطائرة فلسطينيين مع مساعد روماني. وفي الطائرة كان عدد من معاوني عرفات. وكان على الطائرة التزود بالوقود في مطار بواحة الكُفرة جنوب شرقي ليبيا. وبعد ساعة وأربعين دقيقة من إقلاع الطائرة وصلت إشارة إلى مطار طرابلس العاصمة الليبية تقول: “اختفت الطائرة من شاشات الرادار” وانقطعت الاتصالات.
ويوم الأربعاء. بعد عشر ساعات. اكتشف أن عرفات لا يزال حياً على بعد 70 كيلومترا وسط الصحراء. فقد هبت عاصفة رمال هوجاء ودخل عرفات إلى غرفة القيادة. مع أن مستشاريه نصحوه بالبقاء في الخلف.
وسقطت الطائرة في حفرة. ودفعت الهزة العنيفة ياسر عرفات على بعد ثلاثين مترا وسط الرمال. وتبعثرت حقائب ثمينة تحمل عديداً من أسرار منظمة التحرير. وعند الفجر شاركت طائرات مصرية وليبية وفرنسية قادمة من تشاد في التعرف إلى مكان الحادث. وقد توفي فيه قائد الطائرة والمساعد الروماني. ونجا ياسر عرفات وصحبه بأعجوبة أخرى.. ويقول كابليوك: لم يتوقف عرفات عن تلاوة القرآن.















التعليقات