طوال زمن الوصاية السورية، كان الموضوع الفلسطيني في لبنان احد المحرمات التي لا سبيل الي مناقشتها. ارتبط التحريم بعنصرين: ارث حرب المخيمات الدموي الثقيل من جهة، وفزّاعة التوطين من جهة ثانية. وعاشت المخيمات الفلسطينية في واقع غرائبي لا مثيل له. خطاب رسمي لبناني مقاوم، وحصار شبه كامل مفروض علي المخيمات، وسلاح فلسطيني في داخل المخيمات او في قواعد محددة لمنظمات فلسطينية ذات هوي سوري في خارجها.
كان علي فلسطينيي لبنان دفع ثمن الحرب الأهلية اللبنانية كاملا. من مذبحة شاتيلا وصبرا الي حرب المخيمات الاجرامية. وبلغ الثمن ذروته حين تم اخراج الفلسطينيين من ملف المهجرين والتعويضات التي دفعت لهم. كأن مخيم تل الزعتر لم يشهد مذبحة مروعة، قدر عدد ضحاياها بثلاثة آلاف، وكأن مهجري تل الزعتر وجسر الباشا والضبية ليسوا بشرا كغيرهم من ضحايا الحرب.
وكان الثمن السياسي والثقافي كبيرا هو ايضا. فبعد قيام الاسرائيليين بنهب مكتبة مركز الابحاث الفلسطيني وارشيفه خلال الغزو عام 1982، جري بعد الانسحاب الاسرائيلي نسف مبني المركز علي العاملين فيه، كما اقفل مكتب منظمة التحرير الفلسطينية في بيروت، بحيث فقد الفلسطينيون مرجعيتهم السياسية والثقافية.
اي ان الشعب الفلسطيني عرف في اعوام الهيمنة السورية اسوأ ايامه. من التصفيات الجسدية، الي الحصار، الي منع وجود مرجعية سياسية، وصولا الي اصدار حكم باعدام مسؤول فتح والمنظمة في لبنان العميد سلطان ابو العينين.
وكانت كل محاولة لطرح مسألة الحقوق المدنية تواجه بهستيريا التوطين، الي ان وصلت الأمور الي حد اصدار ذلك القانون العجيب الذي يمنع علي الفلسطيني تملك شقة في بلد يقيم فيه منذ ستة وخمسين عاما!
قام حكم الأجهزة بتنظيم فوضي فلسطينية في لبنان يغذيها القهر والخوف. ونجح العقل المخابراتي السائد في جمع ما لا يجمع: مقاطعة لمنظمة التحرير ورفض للاعتراف بالسلطة الفلسطينية بحجة وطنية تحمل نبرة اتهامية لما اطلق عليه اسم الخيانة الفلسطينية ، واثارة مشاعر الخوف العنصري من الفلسطينيين بلغة حرب اهلية قيل ان اتفاق الطائف والهيمنة السورية وضعا نقطة نهايتها.
اجتماع هذين الخطابين المتناقضين، سمح للسلطة باضطهاد الفلسطينيين في لبنان في شكل منظم ومنهجي، كأن سياسة اقفال كل الابواب في وجوههم، لم تكتف بتحويل الفلسطينيين الي كبش محرقة الحرب الأهلية، بل كانت تهدف ايضا الي انجاز ما عجز الغزو الاسرائيلي عن تحقيقه، اي دفعهم الي الهجرة.
غير ان المسألة كانت تسعي، علي المستوي السياسي، الي احداث فراغ يسمح لما يسمي اليوم بالبؤر الأمنية بأن يطل برأسه من جديد. اي ان الهيمنة السورية نجحت، عبر حصار المخيمات واختراق بعضها، في تشكيل حال من فوضي السلاح التي يمكن استخدامها في لحظة الحاجة اليها. وربما كانت بعض البؤر في عين الحلوة هي الدليل الأساسي علي واقع الفوضي المنظمة التي سعي النظام الأمني اللبناني ـ السوري المشترك الي تأسيسها.
والبؤر الأمنية داخل المخيمات وخارجها، تعيش من واقع التغييب المتعمد للشرعية الوطنية الممثلة في منظمة التحرير. فالمنظمة التي قام الغزاة الاسرائيليون باحتلال مقر بعثتها الدبلوماسية عام 1982، غائبة عن لبنان وممنوعة منذ ثلاثة وعشرين عاما.
السؤال الملح اليوم لبناني وفلسطيني في الوقت نفسه.
اي ان حاجة لبنان الي الاستقرار الأمني، في انتظار نتائج التحقيق الدولي ومضاعفاته، لا توازيها سوي حاجة الفلسطينيين في لبنان الي اخراجهم من احتمالات استخدامهم واستخدام قضيتهم وقودا في مفاوضات اللحظة الأخيرة التي قد يتم اللجوء اليها من اجل انقاذ النظام السوري من ورطته.
لا لبنان ولا فلسطين يريدان احتمال الخراب هذا.
لكن النيات الحسنة وحدها لا تكفي، فالمسألة في حاجة الي عقلانية سياسية تضع هدفا لها اقفال ملف الحرب بالنسبة لفلسطينيي لبنان، عبر معالجة جذرية لثلاث مسائل:
1 ـ التمثيل السياسي الفلسطيني في لبنان، عبر فتح سفارة فلسطينية في بيروت، والاعتراف بالشرعية الفلسطينية ممثلة بالمنظمة والسلطة الوطنية.
2 ـ فتح ملف الحقوق المدنية للفلسطينيين في لبنان، وهي مسألة لم تعد تحتمل التأجيل. ان العمل بكرامة، والعيش بحرية، يجب ان يكونا حقا وليس منة. وهذا يقتضي تعديلا في القوانين اللبنانية كي يصير من حق الطبيب والمحامي والمهندس والسائق والممرض... العمل كأي انسان مقيم في دولة منذ اكثر من نصف قرن.
3 ـ تنظيم الوجود العسكري الفلسطيني في داخل المخيمات كوجود مؤقت، تمهيدا للوصول الي تأسيس دولة القانون في لبنان التي لا حاجة ولا امكانية فيها لوجود سلاح غير سلاح القوي العسكرية الشرعية النظامية.
المسألة اكثر الحاحا مما نعتقد، اقفال البؤر الأمنية خارج المخيمات، وضبط الوضع في داخلها، وعودة منظمة التحرير الي لعب دورها في شكل عاجل، هي اجراءات تحافظ علي تراث نضالي مشترك صنعه الشعبان عبر تضحيات هائلة. وهي العتبة التي يجب اجتيازها كي يتخذ النضال الوطني الفلسطيني من اجل تحرير الارض بعده العربي الجديد، ومن اجل ان ينجح لبنان في عبورامتحانه الاستقلالي الكبير.