ميليس في المرايا الأسطورية المحلية مارد قضاء وعدالة خارج القمقم

خرج الصوت المرح من أحد محال البائعين الى رصيف الطريق العام: أخبره اني باعث له ميليس إذا لم يدفع...». والطريق العام هذا هو من طرق أو شوارع بيروت الداخلية والأهلية. وميليس ليس غير قاضي التحقيق، أو الضابط العدلي على ما يحلو القول لبعض وكلاء الدفاع عن الضباط المسجونين على ذمة التحقيق والشبهة، ورئيس اللجنة الدولية التي تتولى اعداد ملف الاتهام في اغتيال رفيق الحريري. والملوح بـ «بعث» القاضي المحقق الألماني «عامي»، ينطق بلسان العامة والجمهور، أو بأحد ألسنتها الكثيرة والمتفرقة. وفي كلام العامة والجمهور ينتصب الضابط العدلي، أو اسمه الغريب التوقيع: ديتليف ميليس – وتألَّف شهرته المضحِكُ الراحل وسيم طبارة فكتب: «حلِس مِلس» عنواناً على تشخيص مسرحي هازل – علماً على قوة القانون والحق. فينسب الجمهور الى الرجل، أي الى عمله ووظيفته، سلطاناً يقصره، عادة، على قوة السلطة والقتل والدمار.

وقد يكون هذا قرينة على ظهور دور غير مألوف ولا معروف في ثقافة الجمهور هو دور رجل القانون والقضاء والعدل. وليس مرد الأمر، بديهة، الى ان الجمهور كان يجهل من هو القاضي، على صوره ومراتبه، أو لم تسبق له خبرة به ومعرفة. فالقضاء، في صور التحكيم والإفتاء والمحاكم الشرعية والمدنية والتجارية والجزائية، قديم. ويرقى عمر محدثه وجديده الى بعض التنظيمات العثمانية، أي الى قرن ونصف القرن. فما «يظهر»، والحال هذه، مع قاضي التحقيق الدولي هو وجه رجل القضاء والعدل القوي والمستقل عن هياكل السلطة وأبنيتها ومراتبها. فبدا، جراء امتثال القضاة لأوامر السلطة وانصياعهم لإشارتها ومصالح أهلها وطاقمها، أن مثال القاضي هو العاجز عن القيام بنفسه وبأحكامه.

ويتحدر مثال الضعف والانصياع من اختبار قديم ومزمن. فأخبار القضاة العدول، غير الخائفين من السلطان والولاة والعمّال (على مراتبهم)، والحاكمين بما يحسبونه «منزلاً» ومنزهاً، هذه الأخبار تصور القضاة في صورة الأولياء وأصحاب الكرامات والملهمين والمصطفين. وهم، على هذا، ليسوا من طينة الناس ولا من سوادهم الشعبي والعامي والديموقراطي. فلا يبعد أن يكونوا استثناء وشواذاً. وقد يظن فيهم شيء من السحر. ولا يعقل على وجه آخر تجرؤهم على السلطان وقوته وماله وعسكره، وانحيازهم الى الضعفاء والمقهورين.

ولم تكذب الأنظمة السياسية «القوية» المعاصرة هذا الظن. فألغت «الجماهيرية العظمى» القذافية (الليبية) مهنة المحاماة (ولم يدعُ هذا نقابات المحامين العربية الى الاحجام عن التضامن مع الجماهيرية العتيدة على الاقتصاص الأميركي الفظ منها غداة تفجير بعض عملائها طائرة ركاب مدنية فوق لوكربي الاسكتلندية). ولم يفق القضاة المصريون من سباتهم الناصري و «الاشتراكي» والإداري إلا بعد نصف قرن من الهيمنة السياسية والإدارية على سلكهم.

ولا ينفك المحامون السوريون يذكرون، في صدد الشاردة والواردة القضائية، بالمسلمات الدستورية، وبالمواثيق والعهود الدولية التي صدقت عليها «الدولة» السورية، وتصون كلها حقوق الشاهد والمدعى عليه والمظنون والموقوف والمدان، وتتعهدها. وحين نظر روح الله خميني، وكان فقيهاً ومحاضراً بالنجف، في رسوم «الحكومة الإسلامية» (أو ولاية الفقيه)، والقضاء رسم من هذه الرسوم، وعد بتقليص إجراءات القضاء الثقيلة والمحابية الى «الورق والحبر» فحسب. وطعن في بدعة المحاماة، وندد بدور المحامين، وأغراضهم الأنانية، في حرف العدالة عن بساطتها وفطرتها. ويتولى القضاء الخميني اليوم بإيران التحقيق على الشاكلة التي تولاها في قضية زهرة كاظمي، الصحافية الكندية – الإيرانية التي خرجت من استجوابها الأولي مهشمة الجمجمة.

ويصدر تحقيق الضابط العدلي الألماني عن تكليف دولي، وولاية دولية. وهذا يخرجه من حكم القضاء الوطني (المحلي)، ومن حده (المثلوم). فلا ريب في أن ما يسبغ على الرجل الدمث والمهذب (قياساً على عدنان عضوم، المدعي العام التمييزي السابق) القوة مرده الى قوة «المجتمع الدولي» في شأن غير الشأن الفلسطيني والعربي والاسلامي (فالتهمة بازدواج المعايير ومحاباة اسرائيل والغرب في هذا الشأن تبطل الإقرار للمجتمع الدولي بأضعف فضيلة)، وفي مسألة لا تدعو معالجتها الى انتداب قوات طوارئ يستضعفها «الضعفاء» وينتقمون بها من ضعفهم. ويمد «المجتمع الدولي» لجنته بوسائل تحقق وتقنيات استقصاء تبدو خارقة. فيبدو ما شاع عن فحص الحمض النووي بعدما جزم أحد الموقوفين باستحالته، دليلاً على سلطان «العلم» الدولي. وتقاضي قوة الضابط العدلي الدولي سلطاناً يظن الجمهور فيه الاغتيال والقتل عنوة وظلماً. ويظن فيه استبداداً قبيحاً ودنيئاً كبل اللبنانيين بسلاسل حسب اللبنانيون وغيرهم أن لا فكاك لهم منها. فإذا بالقوة المعنوية الدولية تحطمها. ولعل نسبة اعتقال «عصابة الأربعة»، على قول الصينيين في ورثة طاغيتهم المحصنين، الى قاضي التحقيق الدولي، وحمله السلطة السورية على قبول استجوابه قدس أقداسها البوليسي السياسي، عظما قوته المفترضة، وبالغا فيها.

وبإزاء انتهاك المحقق الأعزل والمهدد حصانة «المدينة المحرمة» أو «الحصان»، على قول صيني كذلك، أي عقر دار القوة المتسلطة والمسورة بالأسرار والصمت، نكص بعض أهل «العلم» الممتازين الى تعليل طفولي. فذهبوا الى ان بعض معاوني المحقق، وأحصوا منهم عشرة، هم اسرائيليون (مزدوجو الجنسية، على ما ينبغي) متسترون. وإلا لم يعقل حرسُ «المدينة المحرمة» إقدام الرجل (ومعاونيه) على استجواب من لا يليق بهم إلا النطق الآمر وإجابتهم بـ «أمرك سيدو»، على رواية معتقلين سابقين آخرهم علي يوسف فرحات العربصاليمي الفرنسي – اللبناني («النهار» اللبنانية في 8 تشرين الأول/ اكتوبر). ولما كانت شبهة التستر الاسرائيلي يسيرٌ دحضها، خُشي «التسييس».

واشترط من لا يشكون في المسؤولية «الأميركية – الصهيونية» عن الجريمة و «بناتها» الى اليوم – وآخرهن محاولة قتل مي شدياق -، ولا في المسؤولية عن «التسييس» والانتهاك والتشكيك، اشترط هؤلاء «الأدلة التقنية» الدامغة والمهنية، وإلا افتضح أمر اللجنة الدولية، على شاكلة افتضاح أمر سابقتها لجنة التقصي، على قول أحد أعيان المجلس التشريعي (اللبناني) السابق. والمشترطون هؤلاء، وفيهم أمناء عامون أجلاء وآيات عظمى و «أصوات»، يحدسون في العتاد الأميركي، وآلات مكتب التحقيقات الفيديرالي، انتهاكاً فاضحاً «للهوية» والسيادة، وعدواناً قاهراً عليهما. وهؤلاء يشاركون الجمهور المسلِّم للسيد ديتليف ميليس بالقوة الخارقة القريبة من سحر «خاتم لبيك» وبساط الريح و «إفتح يا سمسم»، تسليمه. ويفترقون عن الجمهور في حملهم تحقيق الرجل على السياسة وعدوانها واستكبارها.

وهم، شأن الجمهور، يختبرون للمرة الأولى معنى القضاء، ومعنى عامل القضاء. فيروعهم الاختبار ويرهبهم، ويخرجهم من عالمهم المسحور وسياسة «الشياطين» و «العفاريت»، على قول كبار «مفكريهم»، الى عالم القوانين والوقائع والأدلة والبينات الذي يفوق عالمهم سحراً وفتنة. وهذا الخروج لا يُعقل، أي لا تتعقله وتتدبره مقالات سياسية وحقوقية وتاريخية تتقصى الوقائع وتعللها. فنلجأ، جمهوراً و «سياسيين» محترفين، الى الكنايات القصصية والأخبار، ونقول من طريقها أفكاراً ورغبات لا تطيقها «يقظتنا» أو «نهضتنا».
كاتب لبناني.