الجمعة: 04. 11. 2005


د. رغيد الصلح

المجابهات الحامية التي بدأت منذ أيام في كليشي سو بوا الضاحية الباريسية الشعبية التي يقطنها عدد كبير من عرب شمال افريقيا، سوف تنتهي كما انتهت غيرها من المجابهات: سقوط عدد من الجرحى أكثرهم من العرب، واعتقال عدد آخر منهم، ثم يعود الجميع من بعدها الى حياتهم المعتادة. ولكن هل ينتهي الامر عند هذا الحد؟

قد ينتهي الأمر عند هذا الحد لو ان هذه المجابهات لم تنشأ من فراغ، ولا هي قفزت مصادفة الى واجهة الاحداث الباريسية. انها تعكس واقعا متأزما يعيشه العرب في أوروبا بحيث بات البعض منهم يشعر وكأنه ينتمي الى جماعة محاصرة كما جاء في تحقيق رئيسي نشرته مجلة “تايم” الأمريكية (31/10/2005). وكما يتعرض عرب كثيرون في أوروبا الى مثل هذه المشاعر، فهناك أوروبيون كثيرون ينظرون الى العرب بقلق وخوف كأنهم “العدو فيما بينهم”. هذه النظرة الارتيابية الحادة، التي بدأت تتفاقم بعد الحادي عشر من سبتمبر/ ايلول، جعلت الكاتب البريطاني جوليان بارنيز يتذكر انذارا عنيفا وجهه قائد فرنسي الى اقلية فرنسية جاء فيه: “ان الحكومة الفرنسية لا تستطيع السكوت على امة منحطة، وضيعة قادرة على اتيان كل انواع السفالات... انها أمة وسط الأمة الفرنسية”! (الغارديان 3/5/2005). هذا الكلام لم يصدر عن عنصري فرنسي مثل جان ماري لوبن، ولم يقصد به العرب، ولكنه صدر عن نابليون بونابرت وفي ذم اليهود والتعريض بهم (3/5/2005). ولكن مع ذلك وجدته “الغارديان” وكأنه يعبر عن مشاعر الكراهية والخوف التي أخذت تستولي على عقول أعداد متزايدة من الأوروبيين.

في مثل هذه الاجواء فإنه من الارجح ان تتلاشى الآثار المباشرة للمجابهات اما آثارها غير المباشرة فإنها سوف تترسب في النفس الفرنسية والأوروبية. وهذه الآثار هي الاخطر والامر. وهي التي يتوجه اليها ويرعاها فريقان ناشطان من تجار “الآرابوفوبيا” في المجتمعات الغربية، ويعملان على ترسيخها ومن ثم على توظيفها سياسيا. تجار “الآرابوفوبيا” يضمون، بصورة رئيسية، العنصريين الأوروبيين والجماعات الصهيونية خاصة المؤيدة لشارون ولحزب الليكود.

العنصريون الأوروبيون سوف يستخدمون احداث “كليشي سو بوا” لكي يكرروا اطروحات صموئيل هانتنغتون حول “صراع الحضارات” وحول الاقليات العربية في الغرب التي “تستعصي على الاندماج وعلى التفاعل مع المجتمعات الغربية”. ولسوف ينطلق العنصريون الأوروبيون من هذه التوصيفات العنصرية ضد العرب للمطالبة باغلاق الابواب الأوروبية في وجه المهاجرين، بل وللمطالبة، على الطريقة الهتلرية البونابرتية بتنقية أوروبا من الاقلية التي افسدت اجواء القارة وبطرد المهاجرين منها.

سوف يجد العنصريون الأوروبيون بين أفراد النخب الحاكمة من يصغي اليهم باهتمام، ويتجاوب معهم أو حتى ينافسهم في تجارتهم مثل وزير الداخلية الفرنسي، نيقولا ساركوزي الطامح الى رئاسة الجمهورية الفرنسية، الذي اعتاد توجيه الشتائم الى العرب الفرنسيين. كذلك سوف يجد العنصريون الفرنسيون بين الأوروبيين العاديين من يتجاوب معهم فينساق الى تأييدهم. هكذا ضاعف العنصريون في الدنمارك حصتهم في مجلس النواب بعد احداث الحادي عشر من ايلول/ سبتمبر، وتمكن العنصريون الهولنديون بزعامة بيم فورتوين من الفوز بأكثرية المقاعد في مجلس النواب الهولندي في الانتخابات التي جرت خلال ايار/ مايو ،2002 وتمكنت الاحزاب العنصرية المشابهة من تسجيل انتصارات انتخابية في النمسا وسويسرا وايطاليا والنرويج.

الجماعات الصهيونية ترحب عادة بمثل هذه المجابهات بين الحكومات الأوروبية، من جهة، والعرب الأوروبيين من جهة ثانية، بل انها تحرض عليها ملوحة بخطر اسلمة او تعريب أوروبا. ومن بين هذه الجماعات خرج مصطلح “اورابيا” بدلا من أوروبا وذلك في سياق التحريض ضد زيادة عدد العرب في أوروبا ونمو حراكهم السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي. واذا كانت مشكلة بعض العنصريين الأوروبيين، مثل جان ماري لوبن تبدأ وتنتهي باخراج العرب من أوروبا، فإن تجار “الآرابوفيا” الصهاينة يبدأون بهذا المطلب، لكي ينتقلوا الى المطلب الاهم ألا وهو تحريض دول الغرب على انتهاج سياسة العداء للعرب والانحياز الكامل ل “اسرائيل”. وهم يجدون بين النخب الحاكمة وفي اوساط الرأي العام من يماشيهم أو ينساق اليهم. وفي هذه الحالة كما في حالة الاستجابة الى مطالب العنصريين الأوروبيين يدفع العرب، في بلادهم، وليس في بلاد الهجرة فحسب الثمن من امنهم وحرياتهم وحقوقهم بعد ان يتألب عليهم الرأي العام والحكومات في العالم.

من أجل درء هذه المخاطر وضمان امن العرب في أوروبا واقامة علاقات سليمة ومعافاة مع الجيران الأوروبيين، فإنه من الممكن الاضطلاع بالخطوات التالية:


1 توفير ونشر حقائق عن العرب والمسلمين في أوروبا. فتجار الآرابوفوبيا يعتمدون اساسا على المبالغات وعلى تعميم معلومات مضللة وكاذبة حول العرب الأوروبيين. فالكّتاب الصهاينة مثل مارك ستاين الذي يكتب في ال”دايلي تلغراف” و”السبكتاتور” البريطانيتين يوحون بأن اغلبية العرب الأوروبيين تؤيد الجماعات الارهابية. بالمقابل توصلت جيتيه كلوسون، استاذ العلوم السياسية في جامعة برانديس، بعد بحوث واسعة أجرتها في المانيا وفرنسا وبريطانيا والدنمارك وهولندا الى ان أغلبية المهاجرين العرب والمسلمين في هذه الدول تنبذ الافكار والممارسات والافعال المتطرفة وتؤيد المبادئ الديمقراطية الاساسية.

وما قامت به كلوسون من عمل فردي ومشكور، جدير بأن يتحول الى موضوع جهد جماعي ومنهجي. وحبذا لو اسس بمبادرة عربية سواء رسمية أو من قبل القطاع الخاص أو مشتركة لإنشاء مركز لدراسة أوضاع العرب في أوروبا يعنى بجمع الحقائق ووضع الاحصائيات ونشرها عن العرب الأوروبيين وعن قضايا الهجرة، هذا فضلا عن المساهمة في المناقشات الدائرة بين الأوروبيين حول التعددية الثقافية والاندماج والهوية والعلاقة بين الارهاب والاستلاب والهجرة وغير ذلك من القضايا التي لا تهم الأوروبيين فحسب وانما ايضا الدول العربية نفسها التي يقصدها المهاجرون. واذا تعثر انشاء مثل هذا المركز في الوقت الراهن، فلعله بالامكان التعويض عن هذا النقص عبر قيام جامعات عربية، خاصة في البلدان التي تكثر الهجرة منها الى أوروبا مثل دول المغرب العربي ولبنان والعراق بتخصيص برامج بحثية باللغات العربية والاجنبية لدراسة اوضاع الهجرة والمهاجرين.


2 الكف عن تبني الجماعات القومية والدينية المتطرفة في دول الغرب وتشجيع الجماعات العربية التي تعمل على فتح الابواب امام العرب لكي يساهموا بصورة سلمية فعالة وخلاقة في الحياة العامة في هذه الدول، وفي طرح مطالبهم عبر الاطارات الديمقراطية التي توفر لهم سبل التعبير عن آرائهم بحرية والتي تتيح لهم، بذلك خدمة القضية العربية على نحو قد لا يتوفر لهم في اوطانهم الاصلية. هذه الاطارات هي المجال المناسب لكي يعمل عرب في “كليشي سو بوا” من خلاله على معالجة الاسباب التي ادت الى اثارة غضبتهم، وهي الطريق الصحيح لمعاقبة أي مسيء اليهم.