عاطف عبدالجواد

شركة كوكاكولا الشهيرة بهذا المشروب الفوار، الذي يشربه الناس في اركان الكرة الأرضية، ستطرح في الشهر المقبل مشروبا جديدا في الأسواق الفرنسية اسمه بلاك، وهو مزيج من الكوكاكولا والقهوة. وقرار الشركة طرح المشروب الجديد في فرنسا، دون بقية اسواق العالم، مثير للدهشة، وفي هذا الوقت بالذات. فالفرنسيون لا يحبون الأميركان اليوم ، ولا المنتجات الأميركية. وبعض الأميركيين يشاطرونهم هذا الشعور، والدليل هو أن اعضاء الكونغرس الأميركي، قبيل حرب العراق ، قرروا تغيير اسم أصابع البطاطس المقلية ، من فرنش فرايز، الى فريدم فرايز. أي من اسم المقليات الفرنسية، الى مقليات الحرية. غيروا هذا الاسم في المطعم الخاص بالكونغرس، وكانوا يأملون في أن بقية مطاعم اميركا سوف تحذو حذوهم. ولكن الأميركيين خيبوا رجاء أعضاء الكونغرس، واستمروا يستخدمون اسم المقليات الفرنسية. وفيما يعد نصرا للتراث الفرنسي، اضطر اعضاء الكونغرس انفسهم، بعد الحرب، الى العودة الى الاسم الفرنسي. وفي فرنسا منذ اعوام قليلة، خرجت مظاهرات احتجاج ضد اميركا، وقذف المتظاهرون مطعم ماكدونالدز في باريس بالحجارة. ويقال إن بعض هؤلاء المتظاهرين تناولوا طعام البيرغر الشهير في المطعم قبل قذفه بالحجارة ، لانهم كانوا يعلمون ان الشرطة الفرنسية سوف تأخذهم الى السجن حيث الطعام رديء للغاية. وتاريخ علاقات الأكل الفرنسية الأميركية، اسوأ كثيرا من تاريخ العلاقات السياسية بين البلدين. الكوكاكولا بالذات لها سوابق تاريخية في فرنسا. فبعد الحرب العالمية الثانية، حاول الحزب الشيوعي الفرنسي اقناع الجمعية الوطنية الفرنسية ، أو البرلمان الفرنسي، بحظر بيع الكوكاكولا في فرنسا، كرمز للاستعمار الأميركي. ولعل السبب الأكبر وراء فشل جهود الشيوعيين، هو أن اعضاء البرلمان الفرنسي وعائلاتهم كانوا من أكبر مستهلكي المشروب الاستعماري. وعلى الرغم من أن الشيوعيين الفرنسيين جادلوا بأن الكوكاكولا اضرارها سياسية، فإن الأطباء الأميركيين الرأسماليين يتفقون مع الشيوعيين في اضرار الكوكاكولا، ولكن لسبب غير سياسي. إذ ينصح اطباء اميركا الأمهات بمنع اطفالهن من تناول الكوكاكولا، لأن المشروب يسهم في تسوس وتآكل الأسنان. وينصحون الناس بصورة عامة بعدم شرب الكوكاكولا والمشروبات الأخرى المماثلة، لأنها تسهم في السمنة وفي اضرار صحية اخرى بسبب ارتفاع محتواها من السكريات والكافين والسعرات الحرارية.
في السبعينيات عندما زرت باريس لأول مرة دخلت مقهى فرنسيا وطلبت من النادل مشروب الكوكاكولا فقال المتعجرف إنه لا يمكنه تلبية طلبي لسببين. الأول هو أن الكوكاكولا مشروب اميركي. والثاني هو أني اتحدث باللغة الانكليزية في مقهى فرنسي في العاصمة الفرنسية. وأسعفتني ذاكرتي بكلمة فرنسية كنت تعلمتها منذ سنوات اسمها (تي)، أي الشاي. وفي اكتوبر الماضي توقفت في مطار باريس وحاولت ان أطلب الغداء باللغة الفرنسية، فإذا بالنادلة الفرنسية ، في مفاجأة سارة لي، تكلمني باللغة الإنكليزية. فسارعت الى طلب الكوكاكولا.
تقول شركة كوكاكولا إن السبب في اختيارها فرنسا لطرح مشروبها الجديد بلاك يعود الى عوامل تجارية بحتة وليس وراءه عامل سياسي. ولعل خلط الكوكاكولا بالقهوة هو مزج بين المذاق، والاستعمار، الأميركي والفرنسي.


[email protected]