الأهرام: الخميس: 16 ـ 06 ـ 2005
لؤلؤة باب المندب تأكل بالأثيوبي وتدرس المنهج اليمني ومثلها الأعلي دبي
رسالة جيبوتي: عاطف صقر
استفزت طائرة عسكرية صغيرة في مطار جيبوتي شابا صوماليا عابرا لجيبوتي إلي الصومال, عندما كانت تجري علي الممر للانطلاق في مهمة مراقبة للسواحل( علي ما يبدو).. كرر الشاب عبارة المجرمون مشيرا بيده إلي الطائرة, موضحا أنهم جاءوا إلي جيبوتي بعد أن طردهم سياد بري الرئيس الصومالي الراحل, أي تركوا جزءا من الصومال وعادوا إلي جزء آخر, لأن البعض يري أن جيبوتي جزء مما يعرف بالصومال التاريخي الذي تم تقسيمه إلي دول وكيانات وأجزاء من دول كإثيوبيا وكينيا.
مثل هذا الشاب هو الذي استخدمته الولايات المتحدة كذريعة لطلب قاعدة في جيبوتي التي تطل علي الجانب الغربي من الجزء الجنوبي من البحر الأحمر علي خليج عدن باب المندب, وهي القاعدة العسكرية الأمريكية الوحيدة في إفريقيا. وتتمتع جيبوتي بموقع حيوي علي الطريق من البحر المتوسط مرورا بقناة السويس والمحيط الهندي, فضلا عن وجود أكبر قاعدة عسكرية فرنسية في أعالي البحار هناك.
فقد أرسلت الولايات المتحدة هذه القوات, التي تقف إلي جانبها قوات ألمانية وإيطالية وأوروبية أخري, في إطار قيادة قوات التحالف المركزية لمكافحة الإرهاب في يونيو2002 بعد أحداث سبتمبر2001 التي ضرب فيها تنظيم القاعدة الولايات المتحدة, وبعد ضرب السفينة الأمريكية كول في اليمن, والفرنسية لابورجيه وهي في طريقها من صلالة بعمان. فقد رأت الدول الغربية خصوصا الولايات المتحدة, أن تنظيم القاعدة بات موجودا في اليمن والمنطقة البحرية المجاورة, وأنه يتعرض لمطاردة يمنية نشيطة, الأمر الذي قد يدفعه إلي التسلل بحرا إلي الصومال التي تغيب فيها السلطة المركزية منذ14 عاما, بالرغم من أن اختلاف اللون بين المنتمين للقاعدة( بشرة فاتحة) وبين الصوماليين( بشرة سمراء) يحول دون تفكير القاعدة في اللجوء إلي الصومال!! ولعل هذا هو السبب في سريان شائعة بين أهل جيبوتي تتحدث عن أن رفع أمريكا لراية محاربة الإرهاب يخبئ مساعيها لسرقة الأسماك في تلك المنطقة التي تتكاثر فيها الأسماك حتي التوحش لعدم صيدها في ميعادها المناسب.
والمعروف أن الولايات المتحدة تدفع30 مليون دولار لجيبوتي منحة في شكل مشروعات تنموية أو إضافة لموازنة الدولة مقابل تلك القاعدة, فهل تعوض ذلك بالأسماك؟! أما السبب في مشاركة دول غربية للقوات الأمريكية فهو أن40% من احتياجات الطاقة المتجهة إلي أوروبا تمر عبر باب المندب, لهذا تشارك تلك القوات في تفتيش السفن التي تشك فيها في عرض البحر حتي تضيق الفرصة أمام القيام بعمل هجومي ضد الأهداف الغربية. وفي مثل هذا الجو العدائي, الذي عبر عنه الشاب الصومالي وآخرون ـ في لقاءات معهم ـ اضطرت القوات الأمريكية إلي البقاء في معسكرها خارج المدينة, وأخذت إجراءات وقائية مثل: الحراسة المشددة أو خلع الزي العسكري مع عدم التدخل في الشئون الداخلية لجيبوتي.
وعلي النقيض من ذلك, رأيت الفرنسيين يتجولون بتلقائية واسترخاء في شارع تجاري مليء بالتحف والأنتيكات الإفريقية, مع انخفاض حرارة الشمس الحارقة المصحوبة بالرطوبة بعد الخامسة عصرا.. هذا يسير مع زوجته وآخر مع أطفاله, وآخرون يجلسون معا في مقهي علي الرصيف علي طريق مقاهي شارع الشانزلزيه بباريس مع فارق مستوي الخدمة.
وهنا سألت مواطنا جيبوتيا عن السبب في أن الفرنسي يعيش حياة عادية في جيبوتي بالرغم من أنه أجنبي, فرد بتهكم: نحن نقول: بابا فرانسيس ـ أي فرنسا ـ وماما العرب, أما أمريكا فهي عدونا( خصوصا بعد التجاوزات الأمريكية في العراق والمساندة الأمريكية لإسرائيل ضد حقوق العرب الذين ينتمي إليهم المواطن الجيبوتي) وأوضح محدثي أن ما يميز الجيبوتي أنه يتحدث اللغة الفرنسية منذ صغره, مما يوجد تفاهما بينه وبين الفرنسي, بل إن لعبة فرنسية تسمي بولو هي الشائعة بين الشباب يلعبونها ليلا ونهارا. كما يدرك الجيبوتي المساهمة الفرنسية في اقتصاد بلاده التي تصل إلي20% من الناتج القومي, من خلال ما يدفع مقابل القاعدة الفرنسية الملحق بها ناد للجيمنزيوم للترفيه عن عائلات الجنود, فضلا عن بيع تحف وأنتيكات إفريقية للفرنسيين بأضعاف مضاعفة.
فقد لاحظت أن المتاجر تعرض ملابس وأنتيكات مصرية وكينية وإثيوبية ويمنية وأخري إفريقية وإسلامية.. أي تحاول أن تلبي كل احتياجات السائح وتجذب نقوده. وهناك تعبير شائع لدي البائع الجيبوتي هو كم تسلم؟! أي كم تدفع مقابل السلع, وغالبا ما يقول هذا التعبير عندما يصل المشتري إلي حد اليأس من عدم قدرته علي شراء السلعة من البائع ـ الذي يغالي في سعره ـ ويتركه ويهم بالمغادرة, وهي لحظة لا يدع فيها الجيبوتي المشتري يكمل المغادرة وإنما يرضي بالسعر الأخير ويبيع سلعته.
وعلي مسافة قريبة من سوق الأنتيكات ـ التي يسيطر عليه الرجال ـ بدت سوق أخري تسيطر عليها النساء لبيع الخضراوات والفواكه.. استفسرت عن السبب, فقالوا: إن هؤلاء النسوة لسن من الجيبوتيات, وإنما قادمات من إثيوبيا والصومال, حيث توجد امتدادات قبلية تربط الدول الثلاث, كان التوقيت أصيل الأربعاء, والأهالي يتزاحمون ويشترون بكميات كبيرة ـ يحملونها في سياراتهم ـ لأنها يجب أن تكفي أسبوعا حتي الأربعاء التالي موعد الوصول الأسبوعي لقطار الخضراوات الإثيوبي, الذي لو غاب لتضاعفت الأسعار. فالعلاقات الاقتصادية الإثيوبية ـ الجيبوتية قوية بعد أن تحول ميناء جيبوتي المتطور إلي منفذ لجزء أساسي من واردات وصادرات إثيوبيا الدولة المعزولة جغرافيا, في حين يؤدي نقص المياه في جيبوتي وضعف خبرتها الزراعية إلي اعتمادها علي المنتجات الزراعية الإثيوبية التي يجذبها ارتفاع الأسعار, مما يوفر فرصة للربح وربما سداد غير مباشر لجزء من الرسوم التي تدفعها إثيوبيا مقابل استخدام ميناء جيبوتي الذي يعد مصدرا أساسيا للدخل إلي الدرجة التي توصف فيها جيبوتي بأنها الدولة الميناء.
وامتدادا لذلك, بدأت جيبوتي( عدد سكانها نحو750 ألف نسمة) خطوات للاستفادة من موقعها الجغرافي ومن تجربة دبي في تطوير الموقع للحصول علي عائد منافس لعائدات البترول, حيث يجري استكمال ميناء دوراله للحاويات باستثمارات400 مليون دولار, ويشمل منطقة حرة للتجارة والصناعة.
وأذن المؤذن لصلاة المغرب, وتدافعت أفواج المصلين حتي امتلأ المسجد عن آخره بنحو ألفي مصل, ثم تلت صلاة الجماعة الأولي صلوات جماعة أقل عددا, وعندما أذن العشاء كانت الجماعة الأولي لا تزيد علي عشر ما كان بصلاة المغرب. وفسر مرافقي ذلك بأن المذهب الشافعي هو السائد هناك, وأن صلاة العشاء في جماعة تتوالي حتي بعد ساعة ونصف ساعة من الأذان.
بدا الزي اليمني واضحا بين صفوف المصلين, حيث يعمل اليمنيون ـ الذين يطلق عليهم لقب العرب ـ في المنطقة التجارية المحيطة بالمسجد المصمم كنسخة مصغرة من الحرم النبوي تقريبا, مع وضع صفوف ـ فاصلة بلون متميز ـ من البلاط ليقف عليه المصلون باتجاه القبلة في الجزء غير المفروش من المسجد.
وليس بعيدا عن الوجود البشري اليمني, الوجود الثقافي السعودي عبر مدرسة تابعة لجامعة سعودية أو الكويتي عبر مشروعات ـ خصوصا زيادة الطاقة الكهربائية ـ أو الإماراتي, حيث باتت دبي نموذجا لجيبوتي, وحصلت شركة مقرها في دبي علي عقد لإنشاء ميناء دوراله. كما تقدم تلك الدول مساعدات لحفر آبار المياه العذبة التي يؤدي نقصها ـ وشرب الفقراء للمياه غير الصالحة ـ إلي مرض الفشل الكلوي. ويعزز هذا الوجود الثقافي العربي قرار حكومي بتوحيد المناهج الدراسية بالاستفادة من المنهج اليمني الذي هو بدوره متأثر بالمنهج المصري, أما الوجود المصري فله قصة أخري في حلقة تالية.















التعليقات