لا مناص لأية دولة أو شعب من اللجوء للقضاء، فهو الملاذ الآمن، حتى في الدول التي يعتقد أن قضاءها سيئ، نجد هناك دائما مطالبات بأن تبقى له هيبته ومكانته، فبغيره تصبح الأمور صعبة جدا.

يعتبر دستور الولايات المتحدة، ونظامها القضائي، الذي تم اختراقه، في حالات نادرة، نموذجا يحتذى في «مثاليتهما» النسبية، وبالرغم من ذلك لم يخلوا من «التدخل السياسي»، خاصة في اختيارات رئيس الولايات المتحدة الأمريكية لأعضاء المحكمة الفدرالية العليا، والذي كان يتم، غالبا، حسب أهواء الرئيس وميوله الحزبية، وليس بناء على الكفاءة، مع تميز القضاء الأمريكي باستقلاليته، دستوريا، عن السلطتين التنفيذية والتشريعية، فالمادة 3 من الدستور تنص على أن قضاة المحاكم الفدرالية، ومنهم قضاة المحكمة العليا، يُعيّنون مدى الحياة «ما دام سلوكهم حسناً»، ولا يمكن عزلهم إلا عبر إجراءات معقدة Impeachments من الكونغرس، وليس بقرار من الرئيس أو السلطة التنفيذية.

للمحكمة الفدرالية العليا صلاحية تفسير القوانين ومراجعة دستورية أعمال الكونغرس ورئيس الدولة، ولا تملك السلطة التنفيذية حق التدخل في أحكام القضاء أو تعديلها، وإن كان بإمكان الرئيس أن يؤثر سياسياً عليها، من خلال اختيار المرشحين للمناصب القضائية العليا، ولوحظ في الفترة الرئاسية الحالية قيام الرئيس ترامب باتخاذ قرارات كان من الممكن أن تبطلها المحكمة العليا، لولا الأغلبية «المحافظة» التي يمتلكها، والتي كان لها دور في اختيارها، والتي «صوتت»، في أكثر من مناسبة، إلى جانب قراراته، وكان بعضها مثيرا للجدل، ومع هذا يبقى استقلال قضاة المحكمة العليا أمرا مسلما به.

كما يحدد الكونغرس، وليس وزير العدل، أو السلطة التنفيذية، رواتب قضاة المحكمة العليا، ورواتب باقي القضاة الفدراليين، وتدرج رواتبهم بقانون ضمن الموازنة الاتحادية. كما ينص الدستور الأمريكي صراحةً على أنه لا يجوز خفض رواتب القضاة الفدراليين أثناء وجودهم في مناصبهم؛ لضمان ألا يُستغل ذلك كوسيلة ضغط أو عقاب، ويمكن فقط زيادتها.

خلال الفترة القصيرة نسبيا التي عملت فيها في مقاولات المباني، قبل 50 عاما، فازت الشركة بعقد بناء مسجد على أرض المعارض. تطلب الأمر زيارة مسؤول في الأوقاف لمد التيار من جهة تابعة لها وقريبة من موقع البناء. تصادف وجودي في مكتبه، بانتظار طباعة كتاب الموافقة، وجود عدد من أئمة المساجد، وأزعجني المعاملة السيئة التي كانوا يلقونها من المسؤول أثناء تقديم طلباتهم المتعلقة بطلب سلفة أو تسوية وضع مالي، أو طلب إجازة عمل أو معاملة نقل، وكيف كانوا يتعرضون للقسوة في القول، دون اعتبار لمكانتهم، فكيف نتوقع منهم هداية الغير وهم بتلك النفسية؟

ما كان يتعرض له هؤلاء، ولا أدري عن وضعهم حاليا، مع «الوزير الإصلاحي» يتعرض له غيرهم من أصحاب المناصب الحساسة والخطيرة، بعد تقاعدهم، حيث تختفي فجأة الهالة التي كانت تحيط بهم، وهم يتقدمون لمن هم أقل منهم، سنا ومكانة، بمعاملات التقاعد، بعد سنوات خدمة طويلة ومضنية.

أمثال هؤلاء يستحقون معاملة افضل، تحفظ كرامتهم من الأذى، وهم على أبواب بدء حياة جديدة، فهنالك طرق إلكترونية حديثة يمكن اتباعها في تخليص معاملات تقاعدهم، دون الحاجة لحمل أوراقهم والانتقال بها من غرفة لأخرى.


أحمد الصراف