المراقب لما ينشر عبر منصة "إكس" وبقية وسائل التواصل الاجتماعي، يجد حالة من الاحتقان التي تعاني منها الفضاءات العامة المختلفة في طرائق التعبير لدى البعض، قد تكون جلية في المجال الرياضي، إلا أنها تمتد إلى حقول عدة سياسية وثقافية ودينية؛ وذلك بسبب وجود عدد من الخطابات التي تستخدم الحدة في الطرح أو تتوسم الشتائمية في التعبير عن رأيها حيال من تختلف معه في الرأي، معتقدة أن ذلك جزء من حقها الأصيل، أو ممارسة لحريتها في التعبير، غافلة عن الأضرار الاجتماعية وحتى السياسية والأمنية التي من الممكن أن تترتب على هذا النوع من الطرح الانفعالي المبالغ في الغضب! إن هذه المبالغات في التعبير تنقل النقاش من دائرة "الآداب الفردية" إلى فضاء "الأمن المجتمعي العام"، لتطرح قاعدة أساسية يغفل عنها كثيرون رغم وضوحها: إن الجمع بين صراحة الرأي والتأدب في الطرح أمرٌ ممكن، بل واجب ومهم، وذلك لأن الحديث هنا يلامس جوهر التعدد الفكري لدى أي مجتمع، وهو تعدد يجب صونه واحترامه والتعامل معه بوعي وسلوك مدني. إن الطرح المتزن القائم على النقاش الهادئ البعيد من التحريض أو الكراهية، يمنع تحول التباين في وجهات النظر إلى صراع بين الأفراد تتسع رقعته، خصوصاً في شبكات التواصل الاجتماعي، مهدداً السلم المجتمعي، وحافراً في الأنفس جروحاً غائرة قد لا تتشافى سريعاً. خطورة الخطابات الحادة تكمن في قدرتها على صناعة عداوات مجانية لا طائل منها، وتحويل الأخوة والأصدقاء، الذين هم جزء من "الذات" إلى خصوم! على المستوى الاجتماعي البحت، لو تبصرنا في تجارب الأمم، نرى كيف أدى الخطاب المتعصب في ملاعب كرة القدم الأوروبية في الثمانينات إلى ظاهرة "الهوليغانز". تلك الظاهرة لم تبدأ بالعنف الجسدي وإنما بدأت بأهازيج تحقيرية وشتائم متبادلة بين الجماهير، وتطورت لتصبح "ثقافة كراهية" راسخة حولت الرياضة من أداة للتقارب إلى ساحة للمعارك الدامية، التي هددت الأمن العام في بريطانيا وعموم أوروبا. في واقعنا الراهن ومع سطوة وسائل التواصل الاجتماعي، نلحظ تمدد هذه الحالة، خصوصاً من الناشطين القليلي الخبرة والسريعي الانفعال. الحوارات الفكرية أو الاجتماعية تتحول إلى محاكم تفتيش للنيات، تستخدم فيها مفردات حادة وتسفيه للرأي الآخر لا ينتج وعياً، وإنما يدفع الأطراف المختلفة إلى التقوقع والتمترس خلف قناعاتها، ما يلغي مساحات المشترك الإنساني والثقافي. إن الرأي السديد والعميق يستمد مكانته من تماسك المنطق وقوة الحجة، ومن القدرة على نقد الفكرة المقابلة بهدوء ومنهجية، لا من خلال حدة الصوت أو بذاءة اللسان؛ وتلك سمة المجتمعات المتحضرة التي تدرك أن الاختلاف سنّة كونية، وتديره بأدوات الحوار، واحترام القانون، وقبول الآخر كما هو دون إلغائه أو محاولة فرض وجهة نظر خاصة عليه.
- آخر تحديث :

















التعليقات