لا أحد في الإقليم ولا في العالم يريد أن يرى إيران تتشظَّى أو تتفكَّك، ليس تعاطفاً مع النظام بل لأنَّ انهيار دولة بحجم إيرانَ لن يكون حدثاً محلياً يمكن عزله. إنَّه زلزال جيوسياسي تطول ارتداداته الشرق الأوسط كله، من أسواق الطاقة إلى الأمن الحدودي، ومن طرق التجارة إلى خرائط النفوذ. والمنطقة التي أنهكتها الحروب لا تحتمل اضطراباً جديداً بهذا الحجم، فيما هشاشة استقرار أواخر 2025 تزيد القلق من الحدث الإيراني.

لكن القلق وحده لا يكفي لاحتواء الاحتجاجات ومعالجة أسبابها. لذلك فإن المقاربات التي تكتفي بالخوف من انهيار إيران، وتراهن على أن الأزمة ستنتهي بالقوة أو بمرور الوقت، تتجاهل حقيقة أساسية هي أن إيران دخلت مرحلة مختلفة، قد لا تسقط السلطة فوراً، لكنها لن تمر من دون أثر عميق في طبيعة الحكم ومعادلات الدولة والشارع.

هذه الاحتجاجات لا تشبه سابقاتها، ليست فقط لاتساعها الجغرافي وكثافتها، بل لأنها انفجرت في لحظة حساسة للنظام، إذ تزامنت مع تراجع قدرته على المناورة عبر الساحات الخارجية بعد انهيار شبكة الوكلاء، وتقلص هامش «تصدير الأزمة» الذي لطالما حوّل الضغط الداخلي إلى تعبئة سياسية وأمنية، ما يجبره على مواجهة الداخل بأدوات أقل فاعلية وأعلى تكلفة. الحكم فقدَ جزءاً من السطوة أمام شعبه بعد الضربات الأميركية - الإسرائيلية التي أصابت الدفاعات الجوية، وألحقت أضراراً جسيمة بالمشروع النووي، ما رسّخ شعوراً بأن دولة «القوة والاقتدار» لم تستطع حماية أمنها بالمعنى الرمزي قبل العسكري. وهذه ليست تفصيلاً، لأن الأنظمة التي تبني شرعيتها على «معادلة الحماية» تدفع ثمناً مضاعفاً حين تنكشف هشاشتها.

أما الاقتصاد فهو نقطة الاختناق المميتة، أوضاع معيشية خانقة، وعقوبات تعمق العزلة وتسد منافذ التعافي، لتظهر الحقيقة التي يؤجلها النظام بأن طريق الخروج شبه الوحيد يمر عبر تفاهم مع واشنطن، أو تسوية تخفف العقوبات وتنعش الاقتصاد وتعيد وصل إيران بالنظام المالي العالمي. لذا فالأزمة بنيوية لا ظرفية، لأن الاعتراف بهذه الحقيقة يفرض على النظام تنازلات تمس سرديته التأسيسية القائمة على المواجهة، وموقعه الإقليمي، وطريقة إدارته الداخل.

أخطر ما في الاحتجاجات نوعيتها لا حجمها: إنها تسقط محرمات النظام. شعار ولاية الفقيه بعد الفشل في الداخل والخارج مع تصاعد التنديد برموز الثورة، ما ينقل الاحتجاج من الاعتراض على السياسات إلى الطعن في شرعية النظام ومنطقه. وللمرة الأولى، يحضر بقوة دور المعارضة في الخارج، خصوصاً رضا بهلوي في عنوان رمزي لدى جزء من الشارع.

وتأتي هذه التطورات في زمن دونالد ترمب الذي لا يتصرف كأنه حارس للنظام الدولي، ويفضل الضغط الأقصى وكسر القواعد على الأدوات الدبلوماسية التقليدية، ما يبقي السيناريو الإيراني مفتوحاً على تدخل مباشر أو غير مباشر، أو على الأقل تصعيد الحصار لفرض تنازلات وكسر الجمود في مفاوضات لم تتوقف عملياً وإن تبدلت عناوينها.

لكن، سواء تدخل الخارج أم لم يتدخل، وسواء نجحت السلطة في احتواء الموجة الحالية أم لم تنجح، يبقى أن إيران بعد هذه الاحتجاجات لن تكون كما كانت قبلها. ومن هنا تتعدد السيناريوهات، لكن الثابت أنه لن يُسمح بتشظي الدولة، الأمر الذي يفسّر تريث التدخل الأميركي. الأرجح أن تتجه الأمور إلى تسوية يحفزها أركان النظام الذين لا يريدون التضحية بمكتسبات عمرها عقود، ويدركون أن عليهم تقديم تنازلات موجعة تنقذهم عبر تخفيف العقوبات والعودة إلى المجتمع الدولي وتفاهمات مع الغرب. ربما أيضاً بتغيير في تركيبة السلطة لصالح تيار براغماتي يدرك أن القبضة وحدها لا تنقذ الدولة. وقد يرافق ذلك مسار تسوية وطنية أو حكومة اتحاد وطني تضم معارضين أو مستقلين إذا تراكمت الضغوط الداخلية والخارجية.

الأكثر رجحاناً ليس بسقوط فوري ولا إصلاح وردي، بل بانتقال طويل ومؤلم. هذه الاحتجاجات ليست حادثاً بل إشارة إلى أن زمن إدارة الحكم بالشعارات يقترب من نهايته، وأن إيران بحجمها وتاريخها وتركيبتها المتعددة لا تملك رفاهية قطيعة أبدية مع العالم. لذلك لم يعد السؤال: هل تنتهي الاحتجاجات؟ بل أي إيران ستخرج منها؟ وكيف ستعيد تعريف نفسها بين شعب لم يعد يخاف وعالم متغير وإقليم أنهكه عدم الاستقرار؟