يحق للحكومة السورية أن تفخر بأنها أول دولة عربية تشهر أرقام الفقر رسميا وتحدد خارطته ومستوياته، ورغم أن الفقر واتساع مساحته في سورية إضافة الى ازدياد عدد الفقراء شيء لا يمكن الفخر به، رغم ذلك يستحق رجل تكنوقراطي صار نائبا لرئيس مجلس الوزراء هو الدكتور عبد الله الدردري الثناء لأنه فقط قال: «ليس من المعيب أن نستعرض ارقام الفقر بل العيب هو ألا نستعرض هذه الأرقام، نحن فخورون باستعراض أرقام الفقر، وهناك فرق بين مرحلة لم نكن نملك فيها الرقم ومرحلة بتنا نملك فيها الرقم,,».
كذلك يحق لرجل مثل الدردري، أن يسطع نجمه في سورية ويحظى بسمعة طيبة في أوساط أوروبية وغربية متابعة للشأن السوري طالما أشرف أيضا على التقرير الوطني للتنمية البشرية السوري الاول الذي دعا الى «استنهاض الديموقراطية في مختلف المؤسسات الاجتماعية» والى «عقلنة ودمقرطة اشكال السلطة التربوية»، رغم غياب مفاهيم حقوق الانسان والشرح الجاد للدستور السوري في المناهج التعليمية السورية.
لكن رغم ذلك فالأرقام مخيبة لكنها دقيقة عن حال التنمية والتعليم في سورية تعتبر خطوة ضرورية على طريق إحداث إصلاح حقيقي وعلى اسس علمية دون جعجعة الكلمات السياسية والمواقف المسبقة, نعم فشيء من هذا ربما ما تحتاجه سورية اليوم أكثر من أي شيء آخر، نقصد الحقيقة والرقم وما نحن عليه، لأن من دون ذلك لا نعرف كيف سنبدأ ومن اين؟، ومن دون ذلك سنظل في دائرة الادانة لكل شيء والشتيمة ولعن الماضي.
لقد نوه تقرير التنمية بنجاح الحكومة السورية بـ «ديموقراطية التعليم»، لكنه دق ناقوس الخطر في شأن مستوى التعليم بكل مستوياته، كذلك في ما يتعلق بارقام الفقر يجب أن ننتبه الى أن الإشهار الرسمي لحال التنمية والتعليم وأرقام الفقر، لم يكن رسميا خالصا، نقصد لم يكن حكوميا محضا وخرجت به مؤسسات بيروقراطية سورية معروف عنها أن ليس من تقاليدها إعطاء الأرقام الصحيحة، بل نقصد بالرسمي، الموافقة الحكومية منذ ايام على إشهار الأرقام في دراسات رصينة عن الفقر وواقع التنمية في سورية أعدها مكتب البرنامج الأنمائي التابع للأمم المتحدة في سورية بالتعاون مع هيئة تخطيط الدولة التي يرأسها شخص مثل عبد الله الدردري الذي عينه أخيراً الرئيس بشار الأسد نائبا لرئيس الوزراء، وبإشراف فريق متخصص مثل علي الزعتري «تونسي» ممثل برنامج الأمم المتحدة الانمائي في سورية .
في ما يتعلق بالفقر كانت الأرقام حديثة، حيث ترصد الفترة الممتدة بين عامي 1996 و2004 ، كذلك كانت الدراسات رصينة لناحية خبرة الفريق الكبير والمتنوع الذي انجزها وبالتالي مصداقيتها اذ شارك فيها 11 خبيراً دولياً وعلى مدار عامين، وأخيرا لناحية ما خرجت به من مفاجآت كان في مقدمها أن أكثر السوريين فقرا هم ذاتهم الذين يعيشون في أكثر المناطق والمحافظات امتلاكا للثروات، سواء منها الزراعية أم النفطية، نقصد المنطقة الشمالية الشرقية من سورية .
وإذا ما اضفنا ما يسمى رسميا «مناطق المخالفات» حول مدينتي دمشق وحلب، وهي تسمية مواربة ومهذبة لأحزمة الفقر، إذا ما أضفنا نحو مليوني سوري يسكنون فيها نكون أمام لوحة سوداء، حيث الشباب المحبط، ما يعني ضرورة قيام السلطات المختصة «بجراحات عاجلة» في هذه المناطق، دون نسيان البعد الاجتماعي النفسي للفقراء من ساكني هذه الأحياء، حين يجتمع الفقر مع البيئة المدنية التي غالبا ما تفرز ظروف مباغتة وانفجارات غير متوقعة,
وتقول الأرقام أنه يوجد في سورية اليوم نحو 3,5 مليون فقير، يشكلون 30 في المئة من السكان، بينهم مليونا شخص لا يتمكنون من «الحصول على الحاجات الأساسية من الغذاء وغيره»، وتصل معدلات الفقر إلى 60 في المئة بين اهالي المناطق الشمالية والشمالية الشرقية، وهي الأغنى في الموارد الطبيعية، من نفط وغاز ومياه ومحاصيل زراعية, وان 58 في المئة من الفقراء يعيشون في الإقليم الشمالي الشرقي الذي يضم نحو نصف سكان سورية، أما الأفقر من بين جميع المناطق فكانوا سكان ريف حلب حيث وصل الفقر الى أكثر من ضعف المتوسط الريفي على المستوى القومي والى ثلاثة اضعاف مستويات الفقر في المناطق الحضرية,
ما يهمنا من الأرقام وما هو ملفت فيها مسألتان:
أن خارطة الفقر حيث يتركز الفقراء السوريين في المحافظات الشمالية والشرقية، لا يمكن قراءتها إحصائيا وجغرافيا فقط، بل لا بد من قراءة عميقة لهذه الأرقام والنتائج، بمعنى، يجب معرفة الأسباب التي تقف ووقفت وراء ازدياد الفقر والفقراء في هذه المنطقة دون غيرها، ومن يتحمل المسؤولية، كذلك من غير الجائز أن نمر مرور الكرام على الأسباب التي جعلت هذه المناطق وسكانها، من أكثر الناس فقرا رغم امتلاك أراضيهم للنصيب الأكبر من الثروات القومية، وفي مقدمة هذه الأسباب الإهمال الحكومي وفيما كان مقصودا أم لا، ولماذا؟
كذلك فإن الأرقام تفيد في تحقيق فهم للكثير من التطورات السياسية وربما «الأمنية» التي حصلت في سورية في الآونة الأخيرة (أحداث القامشلي)، فإضافة الى الآثار المترتبة على سورية جراء ما حصل في العراق بعد الاحتلال الأميركي له، وخصوصاً تطورات المسألة الكردية، يجب أن ننتبه الى أن جزءا من الخلفيات الكامنة وراء الكثير من التطورات السياسية الأمنية في منطقة الجزيرة السورية يعود في بعض منه الى تلك الارقام المتعلقة بالفقر وفقراء المنطقة، وإذا ما أضفنا بعض السياسات والقرارات الحكومية السابقة منذ الستينات كقانون الاحصاء الاستثنائي الذي يحرم اليوم نحو مئتي ألف كردي سوري من حق الجنسية، إذا ما اضفنا ذلك الى أرقام الفقر في «الجزيرة» نكون على مسافة أقرب من فهم ما يجري، وربما سيجري، إذا لم تتخذ إجراءات عاجلة أو «جراحات عاجلة» .
وعليه يجب على الخطاب الاعلامي الرسمي الذي اتهم يوما «الأكراد» بعلاقة مفترضة مع جهات خارجية بغية التآمر على الوحدة الوطنية عقب أحداث القامشلي، يجب على هذا الخطاب أن يتفهم ويأخذ الظرف الاقتصادي الاجتماعي الذي يعيشه أبناء تلك المناطق من فقر وبطالة ومستوى معيشي متدن، وحالة الإحباط التي يعيشها عشرات الآلاف من الشباب في مناطق أخرى.
وأهم ما يجب قراءاته في خارطة الفقر كذلك ، أنها تعطي تفسيرا للكثير من الاتهامات بالاهمال التي غالبا ما يطلقها أبناء الشمال (حلب وادلب والرقة) وأبناء الشرق (دير الزور والجزيرة) الى المركز ومن يحكم المركز,.
هذا الاحساس خطير جدا على أيقونة «الوحدة الوطنية» التي اعتاد المسؤولون التغني بها,!
كاتب سوري













التعليقات