عبدالعزيز بن عثمان التويجري

تحركت القوى الأجنبية لإشعال نار الفتنة الطائفية والمذهبية في العراق، وللزجّ بشعبه في أتون من الفوضى العارمة التي ربما انتقلت عدواها الى مواقع أخرى يقتل فيها المسلمون بعضهم بعضاً، في حرب أهلية يصعب تصوّر نهاية لها.

وأول ما يلاحظ عند التمعن في انفجار الوضع في العراق بين السنّة والشيعة، هو أنه يأتي في أعقاب الانتفاضة الايمانية التي هب فيها العالم الإسلامي من أقصاه الى أقصاه احتجاجاً على نشر الرسوم الكاريكاتورية المسيئة للرسول الأكرم، عليه الصلاة والسلام. فقد تحرك المسلمون في كل مكان خلال الفترة الأخيرة في استنكار عارم لهذا الجرم الشنيع، وكان لهذا التحرك أصداؤه الواسعة في العالم أجمع، بحيث ظهر للعيان بالوضوح الكامل وقوف المسلمين قاطبة موقفاً موحداً من أجل هدف واحد أجمعوا عليه، وهو رفض الاساءة الى خاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلم. وكأن القوى المعادية للإسلام الحاقدة عليه والرافضة لكل القيم النبيلة والمبادئ السامية أرادت أن ترد على هذا الموقف الجماعي الذي وقفه المسلمون، وأن تخلق بؤرة للتوتر الشديد في العراق الذي أصبح قابلاً للانفجار كلما شاء أعداء الإسلام والأمن في هذه المنطقة من العالم أن يزيدوا في إذلال هذا الشعب وفي احتلال هذا البلد.

إن تفجير ضريح الإمامين علي الهادي والحسن العسكري، رضي الله عنهما، في سامراء والهجوم على عدد كبير من المساجد في مناطق مختلفة من العراق، قد شحنا النفوس القلقة التي تعيش أوضاعاً غير مستقرة منذ سنوات عدة، مما دفع بعشرات الآلاف من أبناء الطائفتين السنّية والشيعية الى حال من الاستنفار يتوقع أن تؤدي الى مزيد من الاضطراب بتوسيع دائرة الانفجار الشعبي الكاسح الذي لا يجد أمامه حاجزاً يصده عن الاندفاع نحو المهاوي السحيقة والمسارات التي لا يعلم نهايتها أحد. وقد سقط حتى الآن عشرات القتلى في صفوف الجانبين.

وإذا كنا ممن لا ينساقون مع نظرية المؤامرة في كل الأحوال، فنحن اليوم لا يخامرنا الشك في أن أيادي مجرمة يحركها الحقد والكراهية هي التي أشعلت فتيل الصراع المفتعل بين السنّة والشيعة في العراق الذين توحدهم عقيدة واحدة، ويتجهون الى قبلة واحدة، ويرتبطون بمصير واحد. وهذه الأيادي المجرمة هي التي زجت بهذا البلد الشقيق العريق في إسلامه وعروبته والاصيل في حضارته ومجده التاريخي في هذه الفتنة، وهي التي فجرت الوضع لغرض خبيث - تسعى اليه - ذي وجهين، أولهما التغطية على الموقف الموحد الذي اتخذه العالم الإسلامي من نشر الرسوم المسيئة الى رسول الله الأكرم وصرف الانتباه عن الوحدة الشعورية التي تمثلت فيها الرابطة الإسلامية التي تجمع المسلمين، وثانيهما اغراق العراق في بحر جديد من الدماء والدموع بالفتنة الطائفية والمذهبية التي كانت نائمة، مما يُبعد الأنظار عن الجرائم التي ترتكبها قوات الاحتلال الأجنبي لهذا البلد العربي المسلم.

إننا نعلم يقيناً أن القوى التي تسعى الى زعزعة استقرار العالم الإسلامي وتمزيق صفوقه وادخاله في دوامة القلاقل والاضطرابات التي تؤدي الى الحرب الأهلية هنا وهناك، لها مصلحة في اشعال نار الفتنة المدمرة في العراق لتغطي على الجرائم التي ترتكبها، ولتخفي ولو موقتاً، فشلها الذريع الذي منيت به في العراق، وهو فشل مكشوف يؤكد اخفاق السياسة العدوانية والتوسعية التي انتهجتها الدولتان اللتان تحتلان العراق اليوم، يشهد به ويعترف من يملك الشجاعة من أحرار الفكر من مواطني هاتين الدولتين، وهم كثر. وينبغي أن لا يغيب عن الأذهان لحظة واحدة، أن إسرائيل هي المستفيدة مما يجري في العراق، وأن ثروات هذا البلد هي المستهدفة، وأن تشويه صورة الإسلام باقتتال المسلمين بعضهم بعضاً هو الهدف الذي تعمل له، إضافة الى تحويل الأنظار عما تمارسه اسرائيل ضد الشعب الفلسطيني من سياسات استيطانية استئصالية عدوانية.

ويتزامن ظهور نذر الحرب الأهلية في العراق مع الجهود والمساعي التي يقوم بها حكماء العالم بالدعوة الى إقامة تحالف بين الحضارات الإنسانية يهدف الى زرع الثقة وتعزيز الاحترام المتبادل وترسيخ أسس التفاهم والتعايش والحوار البناء، مع قيام بعض القيادات الأوروبية بالتجاوب مع هذه الدعوة الإنسانية الى التحالف بين الحضارات، والى كسر دائرة العنف والتعصب والإرهاب، والعمل معاً من أجل استتباب الأمن والسلام في العالم أجمع. ومن المؤكد أن من الأهداف المتوخاة عرقلة هذه الجهود والحيلولة دون المضي في المساعي الرامية الى إقامة تحالف حقيقي بين الحضارات.

إن ما يجري اليوم في العراق هو أمر خطير للغاية بكل المقاييس، سيكون له عواقب وخيمة إذا لم تتحرك الإرادات الحية وذوو النيات الحسنة والعقول الراجحة لوضع حد له. وان العالم الإسلامي الذي تروّعه الأحداث الدامية والأوضاع المتفجرة في العراق، يتطلع الى تطبيق استراتيجية التقريب بين المذاهب الإسلامية التي صادق عليها مؤتمر القمة الإسلامي العاشر الذي عقد في ماليزيا سنة 2003. هذه الاستراتيجية التي اشترك في وضعها وصوغها علماء وفقهاء ومفكرون وأكاديميون من المذاهب الإسلامية تحت اشراف laquo;المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافةraquo; (ايسيسكو) التي تدعو المسلمين قاطبة الى نبذ الخلاف والفِرقة والتشتت والخصومة المذهبية والصراع الطائفي، والى الرجوع الى الاصول المشتركة بين كل المذاهب الإسلامية التي لا خلاف حولها، والى تغليب مصلحة الإسلام أولاً وقبل كل شيء على أي مصلحة أخرى مهما تكن.

لقد آن الأوان لتتحرك القيادات الدينية في العراق وفي باقي دول العالم الإسلامي من علماء السنّة والشيعة وفقهائهم، ومن كل ذي إرادة حازمة ونية حسنة وعقل راجح لمناشدة الجميع الكفّ عن ممارسة كل الأعمال التي تلحق الضرر بالإسلام والمسلمين على تعدد مذاهبهم. والمسؤولية في المقام الأول تقع على عاتق هذه القيادات الدينية العراقية، كما تقع على قادة الدعوة والفكر الإسلامي والعمل الإسلامي المشترك في الدول العربية الإسلامية، خصوصاً شيخ الأزهر الشريف والأمين العام لرابطة العالم الإسلامي والأمين العام لمجمع الفقه الإسلامي والأمين العام للمجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية والأمين العام لمنظمة المؤتمر الإسلامي والمدير العام للمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة، وغيرهم.

ولست في حاجة الى القول إن انفجار الفتنة الطائفية في العراق سيكون مقدمة لما هو أدهى وأخطر، فأعداء الإسلام ينظرون الى هذا الانفجار كأنه تجربة أولى ستعقبها تجارب يخططون لها. وهذا منتهى الخطر الذي يجب على أولي الرأي والنباهة والحصافة أن يعوه جيداً، وأن يقدروه حق قدره.

إن القوى المعادية للإسلام - وينبغي أن نقر ونعترف بأن ثمة قوى معادية للإسلام وحاقدة عليه - تتربص الدوائر بالمسلمين في كل مكان، وهي تنفذ اليوم في العراق حلقة من مخطط عام وضعته في غفلة من العالم الإسلامي، وهو اشعال الحرب الطائفية في العراق، تمهيداً لتقسيمه، ثم تأتي الحلقة التالية التي علينا أن نعمل من الآن لمنع تنفيذها، وذلك بالمزيد من التضامن والتآزر ومراعاة المصالح العليا للأمة الإسلامية، وفضح المخططات الاجرامية التي تقف وراءها القوى المعادية للسلام وينفذها عملاؤها المندسون بيننا.


المدير العام للمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة (ايسيسكو).