عصمت الموسوي

حسب المفكر العربي الطيب تيزيني فإن العالم الغربي يريد اصلاح العالم العربي سياسيا واقتصاديا واجتماعيا لا من اجل تحريك حياتنا الجامدة المعتمة وانعاشها بالحريات والعدالة والديموقراطية والمساواة، انما هو يفعل ذلك من اجل ايجاد اسواق تستطيع استيعاب منتجاته وخدماته وسلعه، كيف؟

هذا ما يفصله تيزيني في محاضرة القاها مؤخرا في مدينة حمص السورية، يقول فيها: اكتشف العالم الغربي ان النظم التي انشأها وساندها وارادها ان تكون دكتاتورية الطراز، ومن موقع لنظام الرأسمالي الامبريالي ما عاد ممكناً لها ان تعيش ضمن النظام العالمي الجديد المحمل بثلاث متغيرات.

الاول: سقوط الاتحاد السوفيتي الظهير والصديق العظيم الذي كان يمنع وصول الغرب الى عقر الديار العربية والاسيوية، وبسقوطه انكشف مستور هذه البلدان التي قيل انها كانت تشكل جبهة الصمود والتحدي والمقاومة، واتضح انها ليست سوى جبهات فساد وافساد.

والمتغير الثاني هو ان هذا الغرب المدجج بالسلاح الحضاري والاقتصادي والمعلوماتي والعسكري والاتصالاتي، صارت يده قادرة على الوصول الى كل مكان، فكان السؤال هو كيف ندخل هذا العالم الديكتاتوري المتخلف الى عالمنا وكيف نماهي بيننا وبينه بمقدار او بآخر؟ لكن هذا النظام المنفتح صار يرى هذه النظم تقف عائقا في وجه التدفق العولمي، فالغرب الذي يريد ان يمتلك العالم كله بين يديه كي يصدر اليه ما عنده من صادرات اقتصادية وعسكرية (وليس منابع النفط فحسب)، يريد ايضا الزام الاخر باستيراد كل شيء، ولانه يصعب عليه تحقيق ذلك في البلدان العربية ذات الانظمة الدكتاتورية، وحيث تعيش الشعوب على عشرة ٪ من مواردها فقط، اذ تنفق هذه الحكومات عشرة ٪ فقط على البلد وتسرق الـ٠٩، يقرر تيزيني ان تعبير بلدان العشرة ٪ تردد كثيرا ومنذ زمن في المحافل الاقتصادية والسياسية الغربية، وهم تبعا لذلك استنتجوا ان بلاد العشرة ٪ لا يمكن ان تكون سوقا حقيقية لعملية التدفق الاقتصادي الآتي من النظام العولمي الجديد، ما لم يتغير واقع الحال الراهن ويعاد بناء الهياكل الاقتصادية والسياسية لهذه البلدان بحيث تصير القوة الشرائية في الداخل مناسبة وقادرة ان تأخذ ما يتدفق اليها من الخارج، ويصير المواطن قادرا على الشراء.

واما المتغير الثالث فهو احداث الحادي عشر من سبتمبر والتي منحت الفكرة صدقية دقيقة، فكان لابد من ادانة العالم برمته وفق ثنائية الارهاب والديموقراطية، فإما ان تكون ارهابيا او تكون ديموقراطيا، وبالتالي كان لابد من اعادة النظر في بلدان العشرة ٪ التي اسس لها الغرب سياسيا ولكن من موقع آخر.

ولهذا السبب حسب الطيب تزيني غيَّر الغرب موقفه من الانظمة الدكتاتورية وفرض عليها الاصلاح السياسي واجبرها على منح انسان هذه المنطقة حقوقه لكي يعيش ويتملك وينتج ويشتري ما ينتج الغرب، فالغرب دعا الى الاصلاح السياسي المرتبط حتما بالاصلاح الاقتصادي من اجل الهدف الثاني المحقق لمصلحته، لذا شرع في الضغط على انظمة العالم العربي من اجل الاصلاح السياسي اولا ومساندة الحوكمة الرشيدة والعدالة الاجتماعية والتوزيع العادل للثروات.

رؤية تيزيني ليست جديدة، لكن السؤال الراهن هو: هل سيساعد الاصلاح المدعوم من الخارج في تغيير بلدان raquo;العشرة ٪laquo; اقتصاديا وسياسيا؟ وهل تسمح الانظمة التي اعتادت احكام السيطرة على كل منابع المال ان تغيرنهجها الذي درجت عليه دون ثورات برتقالية او خضراء او زرقاء؟ اشك في ذلك...