الثلاثاء: 2006.06.06

عبد الباري عطوان


الأخبار القادمة من العراق غير سارة علي الاطلاق، فالحرب الاهلية الطائفية تتكرس يوما بعد يوم، ورئيس الوزراء العراقي الجديد ما زال يبحث عن وزيرين لملء حقيبتي الدفاع والداخلية بعد ستة اشهر من اجراء الانتخابات، وفظائع مجزرتي حديثة والاسحاقي، تتكشف للعيان وتكشف مدي اجرام القوات الامريكية التي جاءت تحت شعار تحرير العراق
.

وكالات الانباء العالمية لم تعد تحصي عدد القتلي العراقيين، ناهيك عن الجرحي، فالارقام مرعبة، وتتغير ارتفاعا، بعد كل ساعة، وربما كل دقيقة. فأرواح العراقيين ليست مهمة، والمحتل الامريكي لا يهتم الا بتوثيق عدد قتلاه فقط.
مشارح مستشفيات بغداد تزدحم بالجثث، وغرف العمليات لم تعد تكفي للتعامل مع موجات الجرحي والمصابين من كل الاعمار والاجناس والطوائف، ومعظم القبور لا تحمل ما يشير الي هوية ساكنيها.

رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي وعد في خطبة حماسية امام البرلمان بانه سيضرب بيد من حديد ضد الارهابيين، وسيضع حل الميليشيات علي قمة اولوياته، ولكن منذ ذلك الحين والاوضاع تتدهور، ومعدلات القتل تتضاعف ويتسع نطاقها، كذلك عمليات الخطف، وبات الجميع مستهدفا بغض النظر عن طائفته، او قوميته او وظيفته.

العراقي في العراق الجديد لا يعرف من اين ستأتيه الرصاصة القاتلة، من الميليشيات الطائفية، ام مــــن القوات الامريكية، ام من قطاع الطرق وعصابات السطو المسلح، فالكل يمارس القتل دون اي تمييز.
وكأنه لا يكفي الادارة الامريكية ان تكون مسؤولة مسؤولية كاملة عن هذا الوضع الكارثي في العراق، فجاءت قواتها، التي من المفترض ان تمثل قمة الانضباط والاخلاق العسكرية لقوي عظمي تدعي انها زعيمة العالم الحر، لتمارس القتل بدم بارد في مدينة حديثة والاسحاقي، وتزهق ارواح عوائل بكاملها.

لا نعرف ممن تتكون جينات هذا الجندي الامريكي الذي يطلق النار علي طفل في الثانية من عمره بعد ان يفجر جماجم اشقائه وشقيقاته وكل افراد عائلته، هل هذا هو الجندي الذي جاء الي هذا البلد المنكوب تحت شعار حماية حقوق الانسان ونشر الديمقراطية وحقن دماء العراقيين؟

لا شيء يتقدم في العراق الجديد غير الفساد والقتل ونهب المال العام في وضح النهار، فالعراق يشهد حاليا اكبر عملية سرقة في التاريخ، في كل عصوره الحديثة والموغلة في القدم.

الميليشيات التي جاءت الي العراق علي ظهور الدبابات الامريكية رافعة لواء الاسلام تتقاتل في البصرة فيما بينها ليس حول كيفية تطبيق الشريعة ومقاومة المحتل، وانما علي السرقات النفطية، من يسرق اكثر، ومن يبيع اكثر، ومن يسيطر علي اكبر قدر من الحقول وانتاجها.

لا أحد يعرف كم يصدر العراق من النفط، ولا اين تذهب عوائده، بل لا أحد يريد ان يعرف، بمن في ذلك البريطانيون والامريكان، لان المعرفة خط احمر يمكن ان يؤدي الي اشتباكات والغام جانبية تستهدف القوات المحتلة.
آبار العراق النفطية هي الوحيدة في العالم التي لا تعرف العدادات، وعوائدها تذهب الي قادة الميليشيات والطبقة السياسية التي تتزعمهم وتدعي الاسلام، والي حساباتهم السرية والعلنية في الخارج، فالعراق بالنسبة الي هؤلاء مجرد محطة ترانزيت لنهب اكبر قدر ممكن من المال، فعوائلهم ما زالت في المنافي التي طالما عبروا عن ألمهم للتواجد فيها، وحنينهم غير المحدود للعودة الي بغداد المحررة وتناول السمك المسكوف علي شواطيء دجلة والفرات.
اعداد العراقيين في المنافي تتضخم وتتضاعف، فالمنفيون القدامي بقوا في الربوع الاوروبية يكتبون الشعر ويلعنون النظام السابق، ويرفضون الحديث عن الحاضر او التطرق الي المستقبل، اما الهاربون الجدد من جحيم الديمقراطية المزدهرة، ونعم التحرير فيتكدسون في الاردن وسورية واي دولة عربية تقبلهم، والقلة منهم تتجه الي اوروبا وامريكا، لان ابواب اللجوء قد اوصدت اقفالها، ولم تعد هناك ذريعة صدام حسين كجواز مرور للسويد والدنمارك وبريطانيا وهولندا وامريكا، حيث البيوت والمعاشات الشهرية المغرية.

لم تعد هناك طبقة وسطي في العراق الجديد، هناك طبقتان فقط، طبقة المنطقة الخضراء وطبقة المنطقة المنكوبة التي هي كل سكان العراق. ابناء الطبقة الاولي هم ابناء المعارضين السابقين، واغنياء الحرب الذين اثروا بامتصاص دماء الشعب العراقي، وسخروا انفسهم في خدمة مشاريع التفتيت والقتل والتدمير الامريكية.

الحكومة العراقية الجديدة لم تؤد الي تحسين الاوضاع الامنية، بل علي العكس من ذلك تماما، جاء تشكيلها ليخلق انقسامات جديدة بين اعضاء التحالف الحاكم نفسه، بسبب التنافس علي المقاعد الوزارية، والدسمة منها علي وجه الخصوص، والنتيجة انها لم تبق طائفية ولم تصبح وطنية، وينطبق عليها مثل الغراب الذي اراد ان يقلد الحسون، فلم يبق غرابا ولم يصبح حسونا.

خيبة الامل الكبري هي تلك التي يعانيها الرئيس جورج بوش وحليفه توني بلير، فقد عولا كثيرا علي هذه الحكومة في تحسين الاوضاع الامنية، وبما يسمح لهما بسحب قواتهما من العراق، ولكن الوقائع علي الارض تثبت ان المالكي ليس افضل من الجعفري، ولن تتحسن الأمور حتي لو ترأس السيد علي السيستاني الحكومة العراقية بنفسه.

نتمني ان يتحلي فرسان العراق الجديد في واشنطن ولندن وحواريوهم من الشعراء والمفكرين والسياسيين والمثقفين العراقيين بالحد الادني من الشجاعة، ويعترفوا بأنهم خدعوا الشعب العراقي، واغرقوه في حمام الدم الحالي، والحرب الاهلية الطائفية، نتمني عليهم ان يقروا ان العراق اصبح كله مقبرة جماعية بفضل حلفائهم الامريكيين.

نعلم جيدا ونقولها بكل ثقة، انهم اجبن من ان يعترفوا بخطئهم وخطيئتهم لانهم ما زالوا اسري الماضي ولا يريدون ان يروا الحاضر، او يتطلعوا الي المستقبل لان عراق اليوم بلا حاضر، اما المستقبل ففي رحم الغيب، ولكن ارهاصاته ليست مطمئنة علي الاطلاق.