بيروت، صيدا: (خاص) - الرأي الأردنية
لم يكن من المتوقع أن تنجح المساعي العربية في الأمم المتحدة. هناك في نيويورك حيث المعركة الديبلوماسية على أشدها بين الوفد العربي والوفود الدولية للأعضاء الخمسة في مجلس الأمن. لكن ما أن حلت الثانية عشرة والنصف ليلا وتابع اللبنانيون موافقة أيهود أولمرت على بنود القرار الأممي حتى بدأت تنفرج أسارير الناس هنا. مبدئيا، فمنهم من يقول (وما الفائدة واسرائيل ما زالت تضرب لبنان) والآخر يقول (عنزة ولو طارت) أي أن القرار هو ما تمكن لبنان ومعه المجموعة العربية من الحصول عليه. أما وقف إطلاق النار فهو بحسب جوديث غريفيث الهولندية (ليس أكثر من مجرد كلام في الهواء لأن اسرائيل لها تاريخ حافل جدا في عدم تطبيق القرارات الأممية).
في بيروت حيث قضيت هذه الليلة لا مع زملائي في الجريدة الموفدين الى بيروت راكان السعايدة وعبد الله أيوب. بل مع فريق متعدد الجنسيات عزم جميع أفراده على التوجه الى الجنوب اللبناني في الصباح الباكر. في ساحة النجمة المقابلة لمبنى البرلمان اللبناني كان الجميع يقف أمام الشاشات ينتظرون صدور القرار وهم متوقعون أن القرار سيوقف النيران التي ما تزال ملتهبة وعلى أشدها في جنوب لبنان تحديدا. وإذ قررت اسرائيل في ساعات الليل تنفيذ هجومها البري الموسع قالت جوديث (على العالم ان يفهم أن اسرائيل لا تريد وقف النيران) أما زميلتها الأميرية كريستن شايد المقيمة في لبنان والمتزوجة من لبناني فهزت رأسها موافقة كلام جوديث وبدأت تقول (حرام على العالم أن لا يوقف هذه المهزلة الحاقدة على هذا الشعب الطيب إن كان هنا أو في فلسطين فإن ما يحصل هو تحت بصر العالم وسمعه). كريستن مدافعة قوية وشرسة عن الحقوق العربية خاصة في فلسطين ولبنان، وهي قبل ثلاثة أعوام أطلقت الحملة الشهيرة بمقاطعة البضائع الأميركية يوم غزو العراق. وهي باحثة وأكاديمية اميركية تحصلت على الدكتوراه من جامعة برنستن العريقة في الصراع العربي الإسرائيلي.
لم نكن وحدنا في هذه القافلة التي ستسير في الصباح الى صيدا ومنها الى النبطية وبعد ذلك الى صور إذا أمكن. لغاية الثانية بعد منتصف الليل بقينا في ساحة النجمة، وفي وقت كان مجلس الأمن يصدر قراره كان الطيران الإسرائيل يحلق فوق مدينة بيروت بقوة وشراسة غير آبه نهائيا بقرارات الأمم المتحدة. وكان قبل حوالي الساعة قد قصف قافلة النازحين الآتية من بلدة مرجعيون بموافقة الجيش الإسرائيلي وبمراقبته البصرية، فذهب ضحيتها حوالي أربعة قتلى من بين المدنيين وحوالي عشرين جريحا. اعتبرت ملاك خالد وهي منسقة الحملة المدنية أن اسرائيل (توجه رسالة لنا هنا في لبنان بأن كل العالم لن ينقذكم إذا بقيتم صامدين) وأنه (علينا ان نعلن الهزيمة رسميا حتى تتوقف اسرائيل وهذا لن يحصل أبدا).
في الصباح وبعد أن تلقيت مكالمة هاتفية طويلة جدا، غادرت البيت متوجها الى مكان الحملة في ساحة البرج laquo;ساحة الشهداءraquo; وانطلق الموكب الذي يضم أشخاصا من قوى سياسية لبنانية مختلفة وأفرادا من بلدان مختلفة ينتمون الى منظمة laquo;الفريق الزهريraquo; وهم من هولندا وفرنسا وإيطاليا وأميركا وكندا والنروج والسويد والدانمرك وعددا من الصحافيين من بعض الوكالات والصحف اللبنانية. وما ان وصلنا الى منطقة الناعمة القريبة من بيروت على طريق صيدا ـ بيروت الساحلي حتى اعترضتنا قوة من الأمن العام اللبناني طالبة منا العودة الى بيروت لأن في هذه الرحلة خطرا كبيرا على حياة الجميع. الطريق من بيروت الى صيدا ليست خطرة نسبيا فالقصف الإسرائيلي مركز في مناطق الجنوب اللبناني لغاية صيدا، وحتى الضاحية الجنوبية فهي لم تعد تتلقى الكثير من الضربات كما في السابق، فقد انتهت الأهداف العسكرية فيها بشكل كامل وسويت منطقة المربع الأمني بكاملها في الأرض. وأصبح القصف الإسرائيلي يطاول أحياء متاخمة للمربع الأمني وليست ضمن المربع.
فأحياء حي السلم وبرج البراجنة والشياح التي طالها القصف وأودى هناك بقتل حوالي الأربعين قتيلا ومئة جريح، ليست سوى منطقة مدنية لا أكثر ولا أقل ولا يوجد فيها أي مركز عسكري لحزب الله.
حاول المسؤولون عن الحملة التفاهم مع الأمن العام في الصباح لكن التعليمات من القيادة المركزية كانت تقول أن على (القافلة التي تبلغ حوالي الخمسين سيارة مدنية أن تعود أدراجها الى بيروت وأن لا تكمل الطريق الى الجنوب). أبلغت أحد المسؤولين عن الحملة أني سأتركهم هنا وأستقل سيارة أجرة ذاهبة الى صيدا. فقد أخذت القرار منذ ليل أمس بالتوجه الى الجنوب ولن أعود من منتصف الطريق مهما كلف الأمر. في الناعمة اشتريت راديو صغير وعلبة بطاريات له لكي أستعين به في معرفة آخر أخبار الحرب وما يستجد فيها، فقد قصف الطيران الإسرائيلي في الليل محطة الكهرباء التي تعطي التيار الكهربائي الى مدينة صيدا وجوارها ما يعني أنها بدون كهرباء.
والطائرات أيضا تسيطر على مجاري المياه ويمكنها القصف في أي وقت لتقطع المياه أيضا. ما يعني أن عشرات الآلاف من النازحين إضافة الى مئات الآلاف من سكان المدينة، سيعيشون في خضم كارثة محققة. فقد نزح الى صيدا التي تعتبر آمنة عشرات الآلاف من النازحين من مناطق الجنوب في الأيام الثلاثين الماضية. والمدينة استوعبت مئات الآلاف منهم في السابق، أي في العام 1996 حين قامت اسرائيل بالغزو. يومها كنت في منطقة النبطية أغطي العمليات العسكرية من هناك، وحال سماعنا بوقوع المجزة في قانا توجهنا إليها فورا وكانت الطرقات ميسرة رغم إنعدام الأمن، لكن ليس كما في هذه الحرب، حيث قامت اسرائيل بقطع كامل الطرقات الحيوية والرئيسية التي تعتبر شرايين التواصل الحيوية بين القرى والبلدات.
كما قامت بقطع الطرقات الدولية المسماة laquo;الأوتوستراد العربيraquo; الذي كان الحديث في وقت السلم أنه سيصل من اسطنبول في تركيا وحتى الإسكندرية في مصر مخترقا اسرائيل، واصلا إياها بالبلدان العربية الأساسية على ساحل المتوسط. فهذه الحرب على ما قال ليل أمس في بيروت روبرت فيسك مراسل الإندبندت البريطاني (تهدف الى تمزيق لبنان وفصل شماله عن جنوبه بشكل كامل كما فصل القرى عن بعضها البعض أيضا) وكان روبرت يتحدث الى أعضاء الحملة laquo;القافلةraquo; حول مدى صعوبة الوصول الى النبطية أو الى صور. فالقافلة مثل هذه لا يمكن إلا أن تتعرض للقصف لأنها تشكل تحديا الجيش الإسرائيلي وهو لن يقبل بذلك.
وصلت الى صيدا وكانت المدينة تعج بالبشر من النازحين وغيرهم. فالطريق التي سلكتها السيارة من قرى شرقي صيدا ذات الغالبية المسيحية لم تخل أيضا من النازحين الذي تقطعت بهم السبل ولم يتمكنوا من الوصول الى بيروت، فآثروا البقاء حيث هم. في قرية عين الدلب التي تحدتث مع رئيس بلديتها المهندس حبيب سميا على الهاتف دون أن أنزل كان فارغة كليا من الناس، ما خلا بضعة شبان يقفون أمام بيوتهم ينتظرون انفراج هذه الأزمة على خير.
قال حبيب سميا (الكهرباء قطعت من الليل وأننا في البلدية نحاول تأمين مولد كهرباء لسحب المياه لا أكثر ولا اقل) لكنه أكد (أن سكان القرية بخير وأن النازحين المقيمين في المدرسة جميعهم بخير وأن لا مشاكل لديهم). نزلت السيارة بي من عين الدلب الى حارة صيدا ذات الغالبية الشيعية والمحاذية لمحطة الكهرباء التي قصفت في منطقة laquo;طلعة المحافظraquo; وعرجت الى صيدا للوقوف على آخر الأخبار فيها والمآسي التي تشهدها.
في قلب المدينة النازحون في كل مكان، وفيما خلا العمارات السكنية التي يقطنها أهالي المدينة امتلأت المدارس حتى آخرها بمن تركوا بيوتهم في الجنوب. حصلت عدة قصص خاصة بالنازحين ومواضيع الإغاثة واتصلت بأحد المصورين العاملين في الأسوشيتد برس لسؤاله عن إمكانيات المرور الى صور أو النبطية فقال لي (أن الطريق قطعت بالكامل في منطقة الزهراني وأن المرور شبه مستحيل وأن طائرات الإستطلاع تضرب أية سيارة تحاول قطع الطريق).
في مقهى الديماسي في صيدا التقيت بعدد من الصحافيين اللبنايين ومراسلي الوكالات الأجنبية واعلمت منهم ان الطريق الى صور مستحيلة في هذين اليومين. اتصلت بالدكتور رضوان السيد في بيروت وهو صديق شخصي ومستشار لرئيس الحكومة للإستعلام عن الموقف ومستجداته فقال لي) لا نعرف القرار الذي أصدر يعنى بوقف العمليات العسكرية لا إطلاق النار وننتظر مشاورات عبر الوسطاء الدوليين من أجل التوصل الحقيقي لوقف النار)، بعده بقليل هاتفت والدتي وأعلمتها أني في صيدا وعائد فورا الى بيروت. فالعمل في بيروت أكثر أهمية اليوم بسبب المفاوضات السياسية ومن هناك يمكن إجراء الإتصالات مع المسؤولين اللبنانيين بسهولة أكثر وكذلك التواصل معهم. كما أن أحدا لا يعرف إذا كانت اسرائيل في هجومها البري ستقطع منطقة الليطاني، وهي إذا فعلت ذلك يعني أنها ستقطع الطريق بين صيدا وبيروت بشكل نهائي.
هذه الرحلة الماراثونية بين صيدا وبيروت لم تخل من الخطر. فالقصف الإسرائيلي لا يميز أحد عن الآخر. وهو يستهدف كل شيء يتحرك ويشك بأنه خطر عليه. والى أن تنجلي الأمور في اليومين القادمين كما قال لي الوزير مروان حماده على الهاتف أيضا فإن التصعيد العسكري الإسرائيلي مرجح لأن يتزايد أكثر من أي وقت مضى.
- آخر تحديث :















التعليقات