سليم عزوز
أكتب عن عمرو خالد، وقد بحثت عن لقب أسبق به اسمه، فاكتشفت أنه لا يسبقه بلقب الداعية كما كان يفعل من قبل، ومن الواضح انه يستنكف من ان يكون مسبوقا بلقب الشيخ، شأن كل الوعاظ، لدرجة ان حازم ابن صديقنا الشيخ صلاح أبو اسماعيل رحمه الله، قرأت اسمه مسبوقا بالشيخ علي شاشة قناة الرسالة ، مع أنه محام، وعضو مجلس نقابة المحامين المصريين.
عمرو خالد أصبح يضع اسمه علي شاشات التلفزيونات التي يتعامل معها، كنجوم الفضائيات، فالاسم يتم وضعه مجردا من الألقاب، كما لو كان حمدي قنديل، او فيصل القاسم، او حتي لميس الحديدي وبعلها عمرو أديب.
ولا أقول كنجوم السينما، فنادية الجندي تسبقه بلقب اختارته لنفسها، وهو نجمة الجماهير، وعادل امام يسبقه بالنجم الكبير، واسم أمينة رزق يوضع مسبوقا بلقب الفنانة القديرة.
يبدو، والله أعلم، أن عمرو خالد ترك الفراغ استعدادا لان يضع أمام الاسم دال نقطة، فعندما ترك مصر بإرادته او غصب عنه، قال انه مسافر ليدرس الإسلام في بريطانيا، ويحصل علي درجة الدكتوراه من إحدي الجامعات هناك، وهو ما دفع الشيخ يوسف البدري، في حوار أجريته معه قبل سنوات، لأن يعلق علي ذلك بقوله: انها خيبة الأمل راكبة جمل. ليس لان الفتي يسعي للحصول علي الدكتوراه، ولكن لقراره بأن يدرس الإسلام في لندن، وأمامه الجامعات الإسلامية العتيقة، ومن جامعة الأزهر في مصر، الي جامعة أم القري في السعودية، الي جامع الزيتونة في تونس. لكن لا أظن أنه قادر علي النجاح والحصول علي الدرجة العلمية في مثل هذه الجامعات، وهو الأمر الذي سنبينه بعد قليل!
عمرو، لا يسبق اسمه بأي لقب، وعندما اذكر اسمه مجردا فأنا لا اهدف لأن أقلل من شأنه، فقد خشيت ان اختار له لقبا قد لا يعجبه، ولهذا فقد أخذت بالأحوط وانا اكتب عنه، ومناسبة الكتابة ان شهر رمضان كان فرصة لي لان استمع له، وان أشاهد محاضراته في كثير من الفضائيات المختلفة، لعلي أجد علي النار هدي، فاكتشف انني كظمآن رأي سراب بقيعة حسبه ماء، وما هو بماء!
اكذب عليكم اذا قلت أنني ظننت ان السراب ماء، فالمشاهدة الرمضانية المكثفة عززت من رأيي السابق في عمرو خالد، وهو رأي كتبته من قبل، لكن حجم الإعجاب به شككني في نفسي، فقلت اذن اسمعه بانتظام فربما كان هذا دافعا لفهم هذه الظاهرة، المثيرة للجدل، فأخذت اقلب كفيّ علي الوقت الذي بددته في الاستماع إليه، مع اني خالي شغل، وأعاني من الفراغ القاتل!.
كان رأيي ان صاحبنا محظوظ، واستقر الرأي عندي بعد المشاهدة الدؤوب علي صدق المثل الشعبي سالف الذكر: قيراط حظ، ولا فدان شطارة. فالدنيا حظوظ وهي اذا أقبلت باض الحمام علي الوتد، واذا أدبرت طار اليمام من القفص. وقد أقبلت علي عمرو خالد فأصبحت له شعبية جارفة، مع انه بالمقاييس العلمية يبدو متواضع الإمكانيات للغاية، لكن يا سبحان الله!.
عمرو ليس خطيبا مفوها كالشيخ عبد الحميد كشك، أو فقيها نحريرا كالدكتور يوسف القرضاوي، وليس متحدثا لبقا كالدكتور عمر عبدالكافي، ولا عالما بحجم الشيخ محمد الغزالي، كما انه لا يمتلك صوتا نديا كالشيخ محمد جبريل، فلا هو أقرأهم، ولا أجودهم، ولا أعلمهم، وحظه من كل هذا هو الكفاف، وان شئت الدقة فقل العدم!
هناك من قالوا ان عمرو خالد يقلد قسا بالكنيسة الإنجيلية في مواعظه، وانه قبل ان يدخل هذا المجال كان من مستمعيه، وكان يحرص علي ان يحضر دروسه وعظاته، لكن قد تكون المشكلة ليست في الأصل، ولكن في التقليد، فلا أظن انه متمكن من أدوات الواعظ الناجح، حتي يقال انه تعلم من احد، او أنه يقلد أحداً!
صاحبنا يتحدث بالعامية، ليهرب من الفصحي التي لا يجيدها، والتي لا يلم بقواعدها، ولو فعلها لجعل سبويه يتململ في قبره. وقد كانوا يبررون هذا الهروب بأنه يتحدث بلغة الشباب ويقترب منهم، ويعد هذا مقبولا عندما كان حديثه موجها للمصريين، ولكن لماذا يصر عليها وهو يتحدث للعرب جميعا؟، وقد كان الشيخ الشعراوي يفسر القرآن في مصر بالعامية، لكنه عندما يحاضر خارجها فقد كان يتمسك بالعربية الفصحي، ولم يكن حديثه في الأولي نتيجة جهل بالأخري، وكذلك الحال بالنسبة للشيخ كشك الذي كان يخطب الجمعة بلسان عربي مبين، أما الدرس عقب الصلاة فقد كان بالعامية، ويلقي فيه النكات، التي لا نسمع معظمها الا منه، وقد سعي كثيرون الي تقليده وفشلوا.
وصاحبنا يهرب من القرآن الكريم، فلا يستشهد بآياته الا نادرا وفي الشديد القوي، لأنه يلحن فيه، ويرتكب أخطاء فادحة، وربما لهذا لم نسمع انه اعتلي منبرا وخطب الجمعة، لأن خطبة الجمعة ستكشف أمره، وستكشف فقره الخطابي، وجهله بالقراءة الصحيحة لآيات الذكر الحكيم، وعدم قدرته علي الحديث بالعربية الفصحي، وهي من التقاليد الراسخة للخطبة، فلا يصلح معها الرغي وأسلوب الحكي، فلكل مقام مقال!
وعلي الرغم من هذا، فان صاحبنا نجم من نجوم الدعوة، ليس علي مستوي مصر فقط، وانما علي مستوي العالم، الي درجة ان مجلة تايم الأمريكية اختارته ضمن أهم مائة شخصية في العالم. وأعلم ان الاختيار تم علي أساس حجم الشعبية، وليس لأهمية ما يقوله، علي النحو الذي ذكره الباحث والصحفي حسام تمام في مقاله المنشور بجريدة القدس العربي !
هذه الجائزة هي شبيهة بجائزة عمرو دياب التي منحتها له جهة أجنبية، وكانت عبارة عن صينية لا اكثر، وصاح بعدها انا فنان عالمي، وطالب من الجميع ان يعاملوه بما يليق بقدره ومقداره العظيم، مع ان الجائزة رشحته لها نقابة الموسيقيين، ولا تمنح لجودة الصوت ولا لقوته، ولكن لعدد الالبومات المباعة، وقد قال أحد قيادات النقابة ان ألبوم محمد هنيدي كامن نانا كان اكثر توزيعا، بيد انه لم يكن عضوا في نقابة الموسيقيين فوقع الاختيار علي عمرو لانه عضو!.
لقد طلبوا من عمرو ان يغني عقب استلامه للجائزة ورفض، فهو يعرف قدر نفسه ولا يغني خارج الأستوديو، تحت أي ظرف، ولو كان الأمر مرتبطا بالقيمة الفنية لسحبت الجائزة وقتها، لكن الجائزة منحت للشعبية الغنائية، كما هو حال عمرو خالد!.
وكما حدث تضخم لعمرو دياب عقب منحه الجائزة الدولية، وصاح في البرية انا مطرب عالمي، حدث الشئ نفسه لعمرو خالد، والذي تصور انه سيغزو بلاد الفرنجة بأفكاره، وسيدخل الخواجات بفضله في دين الله أفواجا، وحكي لنا كيف ان كيسنجر.. وكيسنجر شخصيا اعجب به، وانبهر بالإسلام الذي يسمعه لاول مرة، مع انه لم يأت بالذئب من ذيله، وليس مثلا مفكرا بحجم الشيخ الغزالي او الدكتور سليم العوا، أو خالد محمد خالد، الذين قدموا إسلام الاستنارة، الذي لا يقف عند القشور، ولا ينشغل بتقطيع الأيدي، ولكنه هو دين الحرية والعدل.
ان سؤالا يطرح نفسه من أين جاءت شعبية عمرو خالد، وهو لا يستطيع ان يقول جملة مستقيمة لغويا؟!
لابد من النظر في بدايات هذه الظاهرة.. ظاهرة عمرو خالد، فهناك حالة من النزوع للتدين ليس في مصر وحدها، ولكن في كل الأقطار العربية، بدأت في السبعينيات بالتدين الحماسي، علي يد الجماعات الإسلامية، وهذا المشروع لقي هزيمة نكراء في العالم العربي، بسبب القبضة الحديدية للحكومات، وبعد هذا كان الاهتمام بالتدين المعدل، الذي يترك ما لقيصر لقيصر، وما لله لله، وهو النموذج الذي وجدت فيه طبقة الأثرياء علي الأخص ضالتها، وهي الطبقة الباحثة بحكم الدور عن تدين، لا ينسيها حظوظ الدنيا، ولا يصطدم مع نمط المعيشة، وأسلوب التنشئة الاجتماعية، وكانت البداية مع ظاهرة الفنانات المعتزلات، وهن ينتمين لهذه الطبقة بحكم الدخل، وكان اللجوء للشيخ الشعراوي، ثم سرعان ما اكتشفوا داعية علي القرب منهم، بحكم السكن، والملبس، هو الدكتور عمر عبدالكافي، فهو حاصل علي الدكتوراه من كلية الزراعة، أي ليس من رجال الدين التقليديين، والأزهريون فيهم غلظة،تحول دون إقامة علاقة مودة معهم!
وفضلا عن ذلك فان عبد الكافي كان يرتدي افخر البدل، وأشيك رابطات العنق، ومسجده كان بمنطقة الدقي الذي سيطر عليه بعد رحيل الشيخ إبراهيم عزت، المنتمي لجماعة الدعوة والتبليغ، وكان في غيابه يتبادل الخطابة عليه مع الشيخ صلاح ابو إسماعيل وغيره.. ما يروج له عمر عبد الكافي هو إسلام بلا مشاكل، فلا يصطدم مع أجهزة الأمن، ولا يمثل مخاطرة من أي نوع لاتباع الرجل، الذي قيل ان وزير الداخلية وقتها عبد الحليم موسي يصلي الجمعة خلفه!.
التفت الفنانات المعتزلات، والطبقة الراقية حول عبد الكافي، الي ان تقرر أمنيا القضاء علي ظاهرته، قبل سفره مؤخرا لدولة الإمارات العربية، وهنا ظهر شاب في نادي الجزيرة الراقي يتحدث في الدين ويجمع الشباب حوله، وقيل انه كان ينتمي لجماعة الإخوان المسلمين واعتقل معهم، وقت ان كان طالبا بالجامعة، وقد نفي هو ذلك، وهو نفي له ما يبرره، فليس في صالحه ان ينتمي للإخوان، ولو تاريخيا، وقد قيل انه عندما بدأت شعبيته في الازدياد، تلقي رسالة مفادها، اما ان يترك الجماعة المحظورة، واما يتوقف عن دروسه، فاختار الأولي، ورحبت الجماعة بقراره، فجذب الناس لساحة التدين يصب في النهاية في رصيد الاخوان، حتي وان كان الانتماء للجماعات الإسلامية المعادية، فإذا كان الاستقطاب والعداء يحدثان في ساحة الدين، فالشارع السياسي لا يوجد فيها إلا الإخوان، ومرشحو الجماعة اقرب لهؤلاء من مرشحي الحزب الحاكم وغيرهم من المنتمين للأحزاب الأخري!.
في بداية ظهور عمرو خالد التقطته فضائية ال آيه. آر.تي لصاحبها الشيخ صالح كامل، كما التقطت في نفس التوقيت هالة سرحان الباحثة عن نفسها، والتي فشلت في عملية البحث عن طريقة الكتابة في الصحف، علي الرغم من أنها حصلت علي فرصة الكتابة أسبوعيا في أخبار اليوم ، وفي الوفد بعد ذلك. وكانت هذه هي بداية عمرو خالد الظاهرة، وتلازم هذا مع المنع القسري لعبد الكافي من الخطابة، ووجد عمرو فراغا تمدد فيه، بعدها سافر للخارج ليجد كثيرا من الفضائيات تفتح له الأبواب!
انه ظاهرة تلفزيونية، وقد يكون هذا السبب في شعبيته، علي الرغم من انه ليس فقيها، ولا عالما، ولا خطيبا، ولا قارئا، ربما تكون ميزته الوحيدة انه يصلح للدخول في مسابقة حول أشيك رجل في العالم، وقد يفوز بالجائزة كأول عربي بعد الرئيس السادات.
وقبل هذا هو الحظ الذي هو كفيل بأن يجعل الأعمي ساعاتي!















التعليقات