تركي الحمد
laquo;الشيزوفرانيا Schizophrenia، أو الفصامraquo;، كلمة مشتقة من الكلمة الإغريقية shjzofrequot;neja، والتي تعني انفصام العقل، وهي عبارة عن وصف طبنفسي (طبي ـ نفسي)، لحالة من اضطراب العقل يمكن ملاحظته بضعف في الإدراك وفي فهم الواقع، وبقدر كبير من الاختلال الاجتماعي والوظيفي.
والمصاب بالفصام عادة ما يتصف بعدم القدرة على التفكير المنظم، ويعاني من أوهام وهذيان، وخاصة الهذيان السمعي (موسوعة ويكبيديا الإنترتية). ويمكن القول إن التعريف الشائع لليشيزوفرانيا، كما هو وارد في معاجم علم النفس هو أنها ضعف الترابط المنطقي في التفكير والسلوك. فيمكن للفرد أن يسلك ويتحدث ويتعامل مع الآخرين بطريقة تبدو طبيعية تماماً، ولكنه قد يقوم ببعض التصرفات وكأنه فرد آخر في أحيان أخرى، وذلك بسبب أوهام تنتاب هذا الفرد وما يصاحبها من تصورات بحيث يتهيأ له أن هنالك من يحدثه أو يأمره بأفعال غير معينة. كل هذه الاضطرابات الفكرية. تجعل علاقة مثل هذا الفرد بمن حوله مختلة، وعلى الرغم من ذلك فإنه يظل على يقين بأن ما يراه أو يسمعه هو حقيقة واقعة، ويظل يرفض تماماً أن يعترف بأنه مريض ويحتاج إلى علاج.
وهناك خلاف بين كثير من علماء النفس حول الشيزوفرانيا، أهي شيزوفرانيا واحدة أم عدة laquo;شيزوفرانياتraquo;، أو لنقل عدة مستويات من الشيزوفرانيا، فليس من الضروري أن تكون حالة الفصام من درجة واحدة، أو بتلك الحدة التي صورها لنا فيلم laquo;عقل جميل A Beautiful Mindraquo;، والذي يتحدث عن حياة جون فوربز ناش، الحائز على جائزة نوبل في الرياضيات، بل أن الحالة قد تكون أخف من ذلك بكثير، بحيث لا يكون ملاحظاً أن الشخص مصاب بالشيزوفرانيا. من ناحية أخرى، يجب التفرقة بين حالات الشيزوفرانيا وحالات laquo;اضطرابات الشخصية الفصاميةDissociative identity disorderraquo;، وكذلك بين هاتين الحالتين وحالة laquo;العمى الإيديولوجيraquo;، كما يمكن أن نسميها، وذلك عندما تكون الثمالة الإيديولوجية في أقصى درجاتها، فلا يرى المؤدلج إلا عالماً نابعاً من الإيديولوجيا المهيمنة على عقله، بحيث يتعامل في النهاية مع كل ما حوله تعاملاً قريباً من تعامل من كان مصاباً بالفصام أو قصام الشخصية، وفي كثير من الأحيان تتداخل هذه الأمور، بحيث لا يُدري عن أي حالة نتحدث.
حديث الشيزوفرانيا وغيرها طرأ على البال حقيقة وأنا أتابع حديث الأخ العقيد معمر القذافي على قناة الجزيرة، عشية انعقاد القمة العربية التاسعة عشرة في الرياض. مرت حياة الأخ العقيد في الذهن مروراً سريعاً وأنا أتابع ذلك اللقاء، منذ أن دخل إلى الحياة السياسية العربية بانقلاب عام 1969، وحتى ظهوره على قناة الجزيرة، فأدركت أننا أمام حالة من حالات الشيزوفرانيا لدرجة القرب من الاعتقاد بالنبوة في كثير من المواقف، أو اضطرابات الشخصية بالتنقل بين العروبة المطلقة والأفرقة المطلقة دون شعور بالتناقض، أو العمى الإيديولوجي الذي يجعله يرى عالماً مختلفاً تمام الاختلاف، أو كل هذه الأمور بدرجة ومقدار معين. يطيب للكثيرين أن يصفوا الأخ العقيد بأنه ممثل، أو باحث عن الإثارة والزعامة في منطقة لا يُصفق فيها إلا لهذا النوع من الزعماء، ولكني لا أرى ذاك صحيحاً تماماً، فالعقيد حقيقة صادق مع نفسه حين يتحدث، وهنا تكمن المشكلة. فهو لا يمثل ولا يبحث عن مجرد الإثارة، بل يعتقد في نفسه كل تلك الكفاءات التي يدعيها، ويلام الناس، لا هو، حين لا يؤمنون بعبقريته وبصيرته وتاريخيته وبكونه فلتة لا يجود الزمان بمثلها في كل حين. قد يكون الأخ العقيد باحثاً عن زعامة، ولكنها زعامة ليست كأي زعامة عربية عرفناها، بقدر ما أنها زعامة فيها شيء من النبوة المتجاوزة لقدرات البشر.
والحقيقة أن الأخ العقيد ليس حالة فريدة في الحياة العربية من هذه الناحية، وإن كان حالة حادة، بل أننا نجد أن الفصام، وبكل أنواعه، في الشخصية العربية، وسواء كان ذلك نتيجة حالة مرضية أو إيديولوجية، ظاهرة تكاد تكون عامة بحيث نلحظها في سلوكيات الكثير من الناس، العامة والخاصة على السواء. بل أن laquo;حالة الفصامraquo; هذه تكاد تكون ظاهرة ثقافية عامة في حياتنا، بحيث نعيش ذهنياً في واد، ونمارس حياتنا الواقعية في واد آخر، دون أدنى إحساس بتناقض من أي نوع.
ففي زمن خلى مثلاً، وعندما كان المد القومي هو المهيمن على الساحة العربية، كان لي صديق، وفي الحقيقة لم يكن صديقاً بقدر ما كان منظراً ومعلماً، وكان هذا laquo;الصديقraquo; يتنفس القومية العربية أكثر من الهواء نفسه، ويكره أميركا وإمبرياليتها، ويقول فيها ما لم يقله مالك في الخمر، بل أنه لم يكن يدخن إلا سجائر laquo;جولد ستارraquo; الأردنية، كنوع من المقاطعة للسجائر الأميركية، التي كانت تمثل الشركات عابرة الجنسية في نظره. وحين كنا نجتمع معه في مناسبات متفرقة، لم يكن الحديث يتجاوز ما قاله عفلق والرزاز والبيطار والحوراني، وأبو خلدون ساطع الحصري، والمنطلقات النظرية للحزب، والتضحيات التي يجب أن تُقدم كي laquo;تُبعثraquo; الأمة العربية من جديد، فقد كنا بعثيين حتى النخاع، وما كان عبد الناصر بالنسبة لنا إلا مجتهداً في قوميته ولكنه لم يكن قومياً حقيقياً. كنا في ذلك الوقت نكره أميركا، بل وكل الغرب كما يفعل الإسلامويون اليوم، لنفس الأسباب، وإن تغيرت العناوين. كانت أميركا بالنسبة لنا تمثل أعلى مراحل الرأسمالية وأعلى درجات الإمبريالية، وهي اليوم الشيطان الأكبر ورأس الكفر بالنسبة لهم. كانت أميركا عدوة القومية العربية وانبثاقها، فالقومية العربية تهديد لها ولحضارة الغرب أجمع، وهي اليوم عدوة الإسلام وعودته، فالإسلام تهديد لها ولحضارة الغرب أجمع. وكان الغرب عدو تاريخي للقومية العربية، وهو اليوم عدو تاريخي لكل ما هو مسلم. في النهاية تغيرت الأسماء والعناوين، ولكن المضمون بقي واحداً. المهم، وبالعودة إلى laquo;صديقيraquo;، اكتشفت بعد فترة، وحين خبا الحماس والهوس القومي، أن صديقي هذا لم يكن يتحدث في بيته ومع أفراد أسرته إلا باللغة الإنجليزية، وأن كل أولاده يتعلمون في مدارس أميركية، وبعضهم في أميركا نفسها، ولا يثق إلا بأخبار البي بي سي باللغة الإنجليزية، ولم يكن laquo;صديقيraquo; هذا يرى في سلوكه ذاك أي تناقض مع المبادئ القومية.
وكنت أعرف صديقاً شيوعياً، أيام كان للشيوعية سوق رائجة، كان يرى أن العالم كله سوف يتحول إلى laquo;اتحاد سوفيتيraquo; واحد، وكان واثقاً أن laquo;الحتمية التاريخيةraquo; لا راد لها، كما هو القضاء والقدر. كانت جملته المفضلة التي لا يمل من تردادها هي مقولة كارل ماركس في laquo;أطروحات حول فيورباخraquo;: laquo;ليس المهم تفسير العالم، ولكن المهم تغييرهraquo;. كنا نختلف كثيراً، وخاصة فيما يتعلق بالمسألة القومية، فقد كان مهووساً بالشيوعية، وكنت مهوساً بالقومية، ولكن ما أن تنتهي نقاشاتنا، ونعود laquo;أناساًraquo; دون إضافات، حيث لا بعثيا ولا شيوعيا، حتى نجد أنفسنا أصدقاء دون خلافات: نشرب الشاي في المقاهي، ونتبادل النكات، ونتمشى في الأسواق، ونأكل كما يأكل الناس. ورغم شيوعية صديقي المفرطة هذه، إلا أنه كان من أشد المتابعين والمعجبين بالسينما الأميركية، وعندما كان يشتري بضاعة ما من السوق، كان يحرص على أن تكون أميركية أو إنجليزية بصفة خاصة. وعندما كنت اسأله عن ذلك، كان يقول لي باستغراب، وقد جحظت عيناه: laquo;غريب أمرك..ألم تقرأ ماركس؟raquo;، فأجيب: laquo;بلى..قد كلت عيناي من قراءة رأس المال ولكن.. ما العلاقة؟raquo;، فيجيب: laquo;الرأسمالية الناضجة هي المرحلة الأخيرة لانبثاق الاشتراكية، وبالتالي فإن أفضل المنتجات حالياً هي منتجات الرأسمالية، أما الاشتراكيون في الاتحاد السوفيتي (وكان معادياً للماوية بصفتها نوعاً من الردة)، فهم يمهدون الطريق لوراثة الرأسمالية..raquo;، ثم وهو يضحك مسروراً: laquo;ألم تقرأ مقولة لينين بأننا سنشنق الرأسماليين بحبال نستوردها منهم.. فهمت؟raquo;، قلت له: laquo;فهمتraquo;، ولو أنني حقيقة لم أفهم، ولكنني كنت أدعي الفهم كي لا يقال أنني لا أفقه ماركس ولينين، وقد كانت نقيصة تلك الأيام.
وفي احدى المقابلات مع قائد إسلاموي كبير، ولا أريد أن أقول laquo;قاعديraquo; عتيد، يعيش في بريطانيا، ويحمل جنسيتها هو وأسرته، بعد لجوئه إليها هرباً من دياره المتشدقة بجمال الإسلام وعدالة الإسلام وإنسانية الإسلام وبتطبيقها للإسلام في كل مجالات الحياة، ويعيل نفسه وأسرته من ضمانها الاجتماعي، ورغم ذلك يدعو إلى laquo;الجهادraquo; ضدها، ويصفها بمرحاض ما أن ينتهي منه حتى يتركه. وفي مقابلة أخرى مع قائد laquo;قاعديraquo; كبير، يعيش في فرنسا هذه المرة، كان يشتكي من العنصرية الفرنسية، والتفرقة بين المواطنين بحيث أنهم أصبحوا مواطنين من الدرجة الثانية، وكيف أنهم يضيقون عليهم في بناء مساجدهم، وفي حجاب فتياتهم، وهم الذين كانوا يقادون بالعصا في ديارهم فيقبلون العصا تأدباً، ويجمعون التبرعات لبناء زاوية يسمونها مسجداً، فلا يؤذن لهم. هذا laquo;القائدraquo; يعلن أن فرنسا أصبحت مهيأة للإسلام، ولم يبق إلا إعلان الجهاد كي تتحول أوروبا كلها إلى إسلام طالباني، ويتحول العالم إلى دين الحق، وفق تفسيره ورؤيته بالطبع.
وكان لي قريب لا علاقة له بالسياسة أو الثقافة من قريب أو من بعيد، كان يشاهد التلفزيون ويدخن ويستمتع بحياته كثيرا، وفي نفس الوقت كان يؤدي فروضه الدينية كما يُفترض بالمسلم الصالح أن يفعل. كنت أجلس مع قريبي هذا كثيراً، وكنا نتحدث كثيراً، فقد كان ذا روح مرحة، ولم أكن أتطرق إلى قضايا السياسة والثقافة معه، بل كل ما في الأمر أحاديث متعة ذات شجون. ما لفت نظري في أحاديث صاحبي، الآن وليس حينذاك، هو أنه كان يعشق السينما والمسرح وكل ما له علاقة بالفن، ولكنه في ذات الوقت لا يريد أن يكون ذلك حاضراً في بلده. سألته ـ بعد سنين مرت وتغيرات طرأت على مظهره ـ عن تبرير لما يفعل، فقال: laquo;أن تأثم وتقر بإثمك، فذلك ذنب لله أن يغفره أو يعاقب عليه، ولكن أن تأثم ولا تقر بأنك آثم، فذاك هو الكفر بعينهraquo;، وبمثل هذا المنطق كان يتصالح مع نفسه، ويعيد إليها سكينتها.
نظرت إلى هذه المواقف، وغيرها كثير، فلم أجد لها تفسيراً إلا أنها نوع من أنواع الشيزوفرانيا الاجتماعية إن صح التعبير، أو هي اضطرابات في الشخصية الفردية والجماعية والثقافية على السواء، أو هي ثمالة إيديولوجية من هذا النوع أو ذاك، بهذه الدرجة أو تلك، أو هي شيء من هذا وشيء من ذاك. أنا حقيقة لا أملك جواباً شافياً للسبب والحل معاً، بقدر ما أنني مجتهد في هذا المجال، ودون نصيب ربما، لحالة لم تعد خافية على كل من لديه شيء من اهتمام. هو سؤال مفتوح بقدر سعة السؤال: ما الذي أوصلنا إلى هذه الحالة، وكيف الخروج؟















التعليقات