(الحلقة الأولى)


حسن العلوي

laquo;إذا ظهرت البدع فعلى العالم أن يظهر علمهraquo;، فكيف الحال إذا ظهر ما هو أخطر من البدع، يكتسي رداء المقدس الذي لا يمكن التشكيك فيه على الإطلاق؟
حسن العلوي في كتابه الأخير laquo;عمر والتشيع... ثنائية القطيعة والمشاركةraquo;، الصادر عن دار الزوراء في لندن (2007)، فعل ما تغاضت عنه العمائم، وتجنبه الكثيرون من اصحاب اللحى، وهو العلماني الهوى، الهاشمي النسب، العراقي الجنسية، والعربي القومية، والاسلامي الدين.
لقد اقتحم العلوي، ابن السبعين عاما، مدارات صلبة الاختراق من دون تدوير الزوايا الخلافية، او الابتذال بالطرح، فكان معالجا بارعا لعلاقة سيدنا عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) مع سيدنا علي (كرم الله وجهه) بلغة بسيطة استقرأت المرويات وحللتها بما لا يخرجها عن السياقات التاريخية والاعراف الاجتماعية.
العلوي بهذا الطرح خرج عن المألوف او المتعارف عند البعض بوضع علي في منصب المستشار لعمر، فهما عنده يتحركان مع بعضهما، يؤسسان الدولة الفتية الجديدة، وينظران إلى مرضاة الله والاقتداء بكتاب الله وسنة نبيه المصطفى محمد (عليه افضل الصلاة والسلام)، فعلي عند عمر يؤتى ولا يأتي، وعمر عند علي مكانه عند العرب مكان النظام من الخرز يجمعه ويمسكه. هذا اذا ما تناسينا مصاهرة عمر لعلي من ابنته ام كلثوم التي انجبت له زيدا. انها علاقة بين شخصيتين ينحدر عنها سيل المشاركة ولا يرقى اليها طير القطيعة.
ثمانية عشر الف صلاة اقيمت في المسجد النبوي خلال حكم سيدنا عمر... كم كانت ايام المدينة الخوالي سعيدة وعظيمة رغم الدموع على فراق رسول الرحمة والمحبة والهدى للعالمين. لكن الدولة استمرت، لان فيها رجالات مثل عمر وعلي يقيمون القسط في ارجائها من مركزها المنور.
العلوي غاص في بساتين التاريخ الغضة المرتوية من اللجج النقية، متحسرا على الواحات التي أحرقتها المياه الاسنة بالجهل، ورغم غوصه الرائع كان العلوي يتحرك بتواضع معترفا بانه ليس فقيها او عالما بالدين، بل يسبر غور واحته بمنهج علمي النفس والاجتماع، مستفيدا من تجربتي المفكر العراقي علي الوردي، والمفكر الايراني علي شريعتي من دون ان يغفل تعاطي المدرسة المصرية مع شخصيتي عمر وعلي.
لقـــــد اقــــــام العـــلوي اسقاطــــــات تاريخيـــــة وخصوصا في تأسيس الخمينــــــي في ايران للجمهوريــــة الإسلاميــــــة، اذ يـــــرى العلــــوي ان التجـربــة العمريـــــة كانـــــت امـــــام الخميني شاخصــــة بعـد تأسيســـه الدولـــة الشيعية.
هذا كله والعلـــــوي يكتــــب بمـــــداد ترفده شهـــــادة ابن الاعظمـــــية عـــــثمان بن علي العبـــــيدي، ذلك الشـــــاب الذي انقذ سبعة اشخاص من الغرق في نهر دجلة بعــــد حادث تدافع جسر الائمة الشهير في بغداد خلال اقامة مراسم الذكرى السنوية لاستشهاد الامام موسى بن جعفر الكاظم عام 2005، لكن العبـــــيدي اثناء انقـــــــاذه للشخص الثامن خارت قواه، فهبط الجســــدان في الماء وتعانقت الروحان سمواً إلى بارئهما، laquo;فســـــلام على النخل ذي السعفات الطوال، وسلام على التشيع، وعلى ابن حنتمة (سيدنا عمر) الف سلامraquo;.


العلوي يحلق في فضاء شخصية عمر الفذة
في مقدمة بديعة يستهل العلوي رحلته الممتعة مع الكتاب بأسلوب أدبي محدداً المنهجية التي اعتمدها. ولذلك ينطلق الكتاب من أساس عربي وعراقي معتمداً على laquo;منهج تاريخي يؤصل للصراع ويحيله الى القائلين أولاً بالقطيعة التامة والكاملة والمؤبدة بين الإمام علي وسلطة الخلفاء الراشدين الثلاثة، واستخدام خطاب تقليدي يتعرض فيه الدعاة والخطباء لمقامات الصحابة فيثيرون حفيظة الغالبية العربية والاسلامية، في وقت لا يشكل فيه الشيعة نسبة قادرة على تحمل أعباء العزلة والقطيعة وهي تنتقل من تخوم التاريخ الى درابين الحاضر.
والكتاب يروج لنظرية المشاركة في سعيه لرفع الحصار عمن ينحدر الكاتب من أصلابهم... وجداً بعمر وسيراً على طريق السلم الأهلي الذي يبدأ عندي من لحظة التصالح مع التاريخ حتى يسهل لدعاة المشاركة أن يتصافحوا في الحاضر.
وبئس كتاب يزعم الدفاع عن عمر... فمن يحتاج الى هيئة لكتب الدفاع هم الذين لم يكتشفوا عمر حتى الآن. وجزء من الكتاب هو ليس الكتاب، وان كان التجزيئيون من أهل القطيعة سيفعلونها، مثلما جزأوا التاريخ المشترك لعلي وعمر في القرار وروح المسؤولية التي أدير بها المركز الجديد لادارة الشرق القديم على حصيرة من سعف النخيل فوق تراب المسجد النبويraquo;.


السفر الى ابن حنتمة
ارتسم سيدنا عمر في مخيلة العلوي ابن الكرادة عندما كان طفلاً بشخصية تشغل وظيفة مسؤولة عن عذابات الإمام علي وعائلته. لكن صديقاً له من الكرخ سأله يوماً لماذا يكره أهل الكرادة عمر؟ لقد كان هذا السؤال فاتحة لأسئلة جديدة حاول العلوي البحث عنها في ما بعد.
لكن التأثيرات التي بدأت تشكل وعي العلوي بدأت في الخمسينات من القرن الماضي عبر شقيقه هادي الذي كان مهتماً بالنشاط الحوزوي الديني قبل أن يتجرد نهائياً عن أي اثر ديني من دون ان يبرح دائرة الحضارة العربية والاسلامية حتى وفاته، فتصدى لسلمان رشدي ما اثار حفيظه اصدقائه الماركسيين والليبراليين. لقد لقنه هادي ما وقع عليه من كتب ومراجع تقيم شخصية عمر المتماهية بشخصية علي.
أما عن والده فيقول العلوي: laquo;لقد اثار استغرابي وهو سيد علوي، انه لم يكن يحمل ضغينة على عمر، وكان من الذين يحيلون الأمور الى النوايا والى الله الذي سيحكم بين الناس.
وعن الخلاف المتداول المشتعل في أروقتنا بين علي وعمر، كان والدي يفضل الإمام علي بلا شك، إذا ما قورن بغيره من الصحابة، وفيما عدا ذلك كان ينظر الى عمر وأبي بكر باحترام. وقد شغلني موقفه فيما بعد، وما اذا كان اعتداله غير المتوقع موروثاً عن أبيه السيد سلمان فقيه الكرادة وامامها، فاكتشفت أن عاملاً آخر هو الذي اثر فيه، فقد كان صديقاً حميماً للقاضي مصلح الدين الدراجي، عضو المحكمة الكبرى في الحلة، وهو من أهل السنة وقد يكون هذا الصديق الذي كان والدي يجله ويسرف في الحديث عن عدالته وعلمه هو الذي أوجد هذا الانعطاف فيهraquo;.


دِرة عمر
ويضيف العلوي: laquo;كان العام يمضي فأقترب خطوة الى موقع متقدم في رحلتي الى ابن حنتمة، فإذ دخل عامل مهم بعد تحولات هادي العلوي، كانت مفاجآتي كبيرة فيما سمعت من والدي، ولم اكتشف حتى ذلك الحين تلك العلاقة بين عصا الخيزران بقبضتها الجلدية البنية التي لا تفارق يمنى والدي في المنزل والزقاق والعمل، وبين دِرّة عمر.
ظل والدي حتى أيامه الأخيرة يخفق المارة بدرته، إذا ما رأى في بعضهم خروجاً على الذوق العام، أو خروجاً على ما هو شرعي. وكان الناس في تلك المحلة، يتقبلون الخفق عن طيب خاطر، وكأنها رحمةraquo;!.
ويشير العلوي الى الدافع لتأليف هذا الكتاب بالقول: laquo;يدفعني إلى كتاب عن عمر حاجة الأمة الى حاد يحدوها لا يتعالى عليها ولا يجلدها وفي الوقت نفسه لا يتملقها أو ينافق حادٍ يحب قومه و(قبيلته)، ويريد لهم الخير والتقدم، لكنه لا يكره الغير ولا يحتقرهم. وإني لأرجو الله أن أكون في صف هذا الحادي الذي ينكر على بعضهم هجاء الأمة وتاريخها ولغتها وعقيدتها، ولا يرى في الأمة خيراً لا في قديمها ولا في حاضرها. يدفعني الى عمر حاجة الأمة الى شيء من بعض عمرraquo;.


كونية عمر
يفرد العلوي الباب الأول laquo;كونية عمر... البرية والدولة والرعيةraquo; للحديث عن تنشئة سيدنا عمر وحياته وشخصيته الفذة. فسيدنا عمر ترعرع في بادية السماء فوقه ناعمة ممتدة الى نهاية القدرة على النظر، والأرض تحته ناعمة منبسطة ممتدة الى نهاية القدرة على البصر... laquo;ففي تلك البيئة نشأ عمر وعليها تربى ونما، وربت سريرته ونما وعيه، فوق برية ليس فيها حواجز وتضاريس، فنشأ مخلوقاً سهل النفس، منبسط السريرة،. بعيد النظر. ولم تكن الحياة خاضعة لسلطان يتزلف اليه. ولا ذهبت به طبيعة العيش الى المداورة والمداجاة. فانكشفت سيكولوجيته عن وحدة لا ازدواج فيها، مشرقة واضحةraquo;.
وبالتالي laquo;كان بري الحياة، وهو رئيس أكبر دولة في الشرق القديم، في هزئه بالترف، وافتراشه الأرض، وزهد عيشه، وبساطة لباسهraquo;. ولذلك كان يلاحق كل القضايا وحتى الصغيرة، أو هو القائل: laquo;لو أن جدياً مات بطف الفرات لخشيت ان يحاسب الله به عمرraquo; ويلاحق بعيراً من ابل الصدقة، فيسأله الإمام علي عن عدوه، فلما عرف سره قال له: laquo;لقد أذللت الخلفاء من بعدكraquo;.


قانون بأطراف الدِِرة
يقول العلوي: laquo;ان عمر بن الخطاب شاخص مادي وروحي لاجتماع الحرية والقانون. ولكون القانون طارفاً أو ناشئاً في تلك المجتمعات، ولميل عمر نحو إلزامية القانون، كانت ولايته صعبة وثقيلة على قطاع من المتمرسين على الحياة بالقليل من القانون. وكان القانون في شخصيته يتكلم بأطراف الدرة في قضايا المخالفات العابرة والصغيرة، ويأخذ مداه في مؤسسة القضاء، التي كتبت المقادير ان تنتعش بمستخرجات هذا البري النادرraquo;.
ويضيف: laquo;ان درة عمر تشبه الاشارات الضوئية في ايامنا في تنبيه المارة الى حق الحركة والتوقف، فكانت بداية بسيطة لعصر سيدخل المجتمع العربي فيه الى عالم القضاء الاسلامي المتشابك في عروق الاحتمالات والاشكالات ومزدحم الحلول المطروحة في مذاهب الفقه، ودرة عمر الاجلي تعبيرا عن مشترك الذاكرة البرية وقانون المدينةraquo;.


هل وأد ابنته؟
يناقش العلوي مسألة وأد سيدنا عمر لاحدى بناته، وهل كان ذلك صحيحا، فيقول: laquo;لعلها فرية كبرى اراد بها اتباعه ومحبوه ان يبرهنوا على ما احدثه فيه الاسلام من انعطاف وما كان هو عليه في جاهليته من جهل وقسوة تكون ذروتها ان يدفن الاب ابنته حية وكأنها ظاهرة يومية وعرف لا تحيد عنه، فيما يروى ان عمه عمرو بن نفيل كان بسبب احساسه الانساني ونبذه لتلك العادة التي فرضت اخبارها علينا يدفع ثمن من يراد وأدا فيتبناها او ان يترك لاهلها مالا يعيلون به الموؤدة.
فلماذا لم يدفع لابن شقيقته جملا او جملين ثمنا لشراء ابنته لتبقى حية؟ اذا كان عمر لا يجد في قبيلته من يعيل طفلة؟ كما يقول العقاد.
ولماذا لم يئد ابنته حفصة التي ولدت قبل البعثة النبوية، وهل عرف عن بني عدي انهم يئدون بناتهم، ام ان المعروف والسائد في الروايات ان زعماءهم كانوا على سنة عمرو بن نفيل؟
عندما امر على هذه الرواية اتذكر المرحوم حندش ابن عمة والدتي محمد بن محمود وهو دليمي من قرية الكرابلة هذه التي صارت اسما يتداوله صحافيو العالم لرفضها الوجود الاميركي، اقول اتذكر حندش بطيبته وفطرته ونقائه يبارك لصديقه الحاج مهدي عودته من اداء فريضة الحج قائلا بين حشد من اهل الكرادة: سبحان الله سبحان الله، كيف يتغير الانسان بالحج وماذا يفعل الايمان، اتذكر يا حاج مهدي قبل ثلاثة أشهر كيف كنت تسرق الدجاج من بيت جوري؟
ان المؤرخين الذين يتحدثون عن وأد عمر لابنته، لا يختلفون عن رأي حندش بالحجي مهدي.
ان التشهير بعمر الجاهلي، لا يخدم عمر الاسلامي، وخياركم في الجاهلية خياركم في الاسلام.
اما حياة عمر باسلوب الحياة الجاهلية، فهو لا ينتقص منه مثلما لا ينتقص من اي صحابي قادم الى الاسلام من العصر الجاهليraquo;.


اسلام عمر
يستحضر العلوي الكاتب المصري عباس محمود العقاد في حديثه عن اسلام سيدنا عمر، وخصوصا ما روي في هذا الصدد، اذ تشير احدى الروايات الى انه ذهب الى الكعبة للطواف فرأى رسول الله يصلي، فاقترب منه ودخل تحت ثوب الكعبة، فلما سمع القرآن رق له قلبه فبكى ودخل الاسلام، ويعلق العلوي على هذه الرواية فلا يرجحها لافتقارها لعنصر الصدمة، ولان عمر من مثقفي الجاهلية فلا يعقل ألا يكون قد سمع القرآن من قبل.
اما الرواية الثانية، فتشير الى ان عمر خرج يريد قتل رسول الله، فلقيه نعيم بن عبدالله وعندما علم مراده، قال له: افلا ترجع الى بيتك فتقيم امرك؟ اختك وابن عمك سعيد بن زيد بن عمرو، واختك فاطمة فقد اسلما وتابعا محمدا على دينه، فعليك بهما، فرجع عمر الى بيت اخته وختنه وحين دنا من البيت سمع قراءة خباب القرآن عليهما، فعندما دخل سأل عن الصوت فأنكرا، فقال: بلى والله، لقد اخبرت انكما تابعتما محمدا على دينه، وبطش بختنه سعيد بن زيد فقامت اليه اخته فاطمة لتكفه عن زوجها ، فضربها فشجها عندها قالت له: نعم لقد اسلمنا وآمنا بالله ورسوله فاصنع ما بدا لك.
وعندما رأى ما صنع ندم - فطلب من اخته الصحيفة، التي سمعهم يقرأون عنها، فقرأ صدرا من سورة طه، فقال ما احسن هذا الكلام، واكرمه ولما سمع خباب ذلك خرج اليه وقال له: يا عمر، والله اني لارجو ان يكون الله قد خصك بدعوة نبيه فإني سمعته امس وهو يقول: اللهم ايد الاسلام بأبي الحكم بن هشام أو بعمر بن الخطاب فالله الله ياعمر، فقال له عمر، دلني ياخباب على محمد حتى آتيه مسلما، فقال له خباب: هو في بيت عند الصفا معه نفر من الصحابة، فذهب اليه واسلم.
يناقش العلوي هذه الرواية التي اشرنا اليها باختصار على ضوء التحليل النفسي لشخصية عمر ونظرية الصدمة وملاءمة الرواية للواقع الاجتماعي آنذاك فيقول:
laquo;1 - لا نظن ان عمر خرج ليقتل النبي، اذ كيف سيتمكن من ذلك وهو يتوجه اليه والنبي في بيت محاط بفرسان الصحابة امثال الحمزة بن عبدالمطلب وعلي بن ابي طالب وعدد كبير منهم.
2 - لا نعتقد ان نصيحة نعيم بن عبدالله وتهديد عمر بما سيفعله بنو عبد مناف به في حال قتله للنبي قد غير فيه لان ذلك سيعزز من عزيمة عمر المعروف بعنفوانه واقدامه.
ان قارئ عمر وعارف سيكولوجيته سيرفض رواية يبدو فيها عمر وكأنه شخصية مهزوزة يثني ارادته تخويف من عابر سبيل، فكيف والامر يتعلق بمسألة على مستوى اغتيال النبي محمد؟
المرجح هو أن عمر كان في زيارة روتينية لشقيقته فاطمة وزوجها سعيد ابن عمها وفي بيت فاطمة واجه عمر عددا من الصدمات المتلاحقة.
- الصدمة الاولى: سماعه هينمة او صوتا خافتا.
- الصدمة الثانية: وجود الصحابي الخباب بن الارت.
- الصدمة الثالثة: احساسه السريع بانهما قد اسلما، اي ان الاسلام اصبح في عقر داره، ومن اسلمت هي اخته وابن عمه فأين هو مقام عمر ومكانه في العائلة؟ الصدمة ان تصبح اخته وابن عمه وهما عدويان من قريش تلميذين بامرة القين مولى ام انمار بنت سباع الخزاعية الذي اهداه والدها اليها.
ان الخباب في تلك اللحظة لم يكن بالنسبة لعمر العضو السادس في اول خلية اسلامية شكلها ابو بكر، وانما هو عبد لسباع بن عبدالعزى.
- الصدمة الرابعة: انه اهان ابن عمه سعيد امام زوجته، واهان اخته امام هذا المولى الغريب.
وعليك ان تقترب من وجدان عمر ومنظومته القيمية ليرتسم امامك حجم رد فعله، وهو الخاضع دائما للشعور بالاثم وعتاب الضمير لاعمال هي اقل مما حدث له في بيت اخته، فإذا نهض نهضت من لاوعيه احتجاجات ضاربة وصراعات متضاربة، فماذا كان عليه ان يفعل؟
لقد استفرغ شحنة الغضب برميه ابن عمه على الارض، ونفحه اخته في وجهها فبدا يستعيد توازنه، فيأخذ الصحيفة ويقرأ ثم يصاب بالذعر، ويتوقف بعد ذكر البسملة قبل ان يستعيد عزمه لقراءة الايات الاولى من سورة طهraquo;.


عبقري السقيفة
يشير العلوي الى سقيفة بني ساعدة، التي كانت من اجتهاد الصحابي سعد بن عبادة وجمع من الانصار، فيقول عنها: laquo;لم يكن الوحي حاضرا في غياب الرسول، وليس للقرآن رأي في السقيفة، فهي فكرة بشرية خالصة، وقرار سياسي ورغبة جماعة من الصحابة صيرها عمر بما اوتي له من حيوية قريش ومهارتها في تصريف الأزمات حدثا لايزال الرجل يواجه المعترضين عليه! فبدا مجيل اللحظة وقابض الزمن برغبة ليس لها سقف، لجعل يوم السقيفة هو اليوم الاول والاخير لفراغ السلطة، فيتقدم اليوم التالي متصلا باليوم السابق حين كان للمشروع صاحبه منذ اربع وعشرين ساعة، ولم يحدث الفراغ، ولا حتى الفجوة ولم تترك فرصة لاسباب الخلاف ان تتنفس في حينها لكنها ظلت تلاحق تاريخ عمر وتاريخ الاسلام، فتصير السقيفة مكان الكيد عند فئة ومكان الفتح عند باقي المسلمين.
إن السقيفة كانت المكان الذي غاب عنه المقدس، فكان بداية الزمان لحياتنا المقدسة بعد اربعة عشر قرناً. وكان عمر قامع الفرقة في ذلك اليوم وحق له ان يحظى بلقب قفل الأمة.
حركة عمر في السقيفة انجبت حركة حضارية لأمة كانت تتشكل على الأرض، فصارت حركة خلاف مذهبي يتصاعد مع التصاعد الحضاري للأمة، ومشكلة دينية تقوم على رفضها عقائد وعلى احترامها عقائد. والاحتكام إلى المعايير السياسية في نشوء الدول والحضارات، تصبح السقيفة بأعمدتها الأربعة التي انجبت اربعة خلفاء لم يتكرروا في التاريخ قراراً وليس مؤتمراً بألا تموت الدولة الناشئة بموت مؤسسهاraquo;.


الحذر من شبح القيصرية
مع الفتوحات الإسلامية الواسعة في عهد سيدنا عمر لم يحصل تحول في رئاسة الدولة التي اسسها النبي باستبدال حصران النخيل بعروش قيصر وكسرى.
وهذا بعض سر نزوع عمر في زهد الدولة، كي لا تصل او يصل بها الى مشارف كسروية ففضلها محمدية على غرار بري وطبيعي وعفوي. وهنا المشترك الأوثق والأوضح بين سيكولوجية علي وعمر وروحية كل منهما وسر مبدأ المشاركة، وكل منهما قد نافس الآخر على النوم فوق التراب.
لقد كان الإمام علي وعمر يشتركان في هذا الحذر بدرجة أكثر حساسية مما لدى اصحابهما الآخرين، الذين لو أتيح لبعض منهم إدارة دفة الدولة في المقام الأول لأخذوا الكثير مما تجنب عمر وعلي أخذه من تجربة الدولتين الكسروية والقيصرية.


سياسة التعيينات
يرى العلوي ان لعمر في سياسة التعيينات جرأتين وسابقتين وقوتين.
laquo;جرأته في تكليف رجال قريش السابقين ورجال مكة شديدو المراس، وبعضهم ممن اسلم قبيل الفتح قليلاً او بعده ليعودوا من قادة في معسكر قريش إلى قادة في دولة الإسلام.
وجرأته الثانية في المحاسبة والمكافأة واستبدال الولاة والعمال بسهولة ويسر، ويسرد اكثر من راو بأن ابا بكر سن اول محالات الإفادة من خبرة قريش ولكنه لم ينزع نزعة عمر في شدة المحاسبة والرقابة والإقالة، وان كان شديداً على اهل الردة وحازماraquo;.
فسيدنا عمر لم يكن يتساهل بدينار وكانت يداه ترتجفان وهويأخذ من بيت المال، وكان اكثر من مرة يأمر بلال الحبشي للتحقيق مع العمال والولاة وشملت واحدة منها التحقيق مع خالد بن الوليد لمنحه الأشعث بن قيس عشرة آلاف دينار، ولهذا قصة يمكن الرجوع اليها لمن اراد الاستزادة.
لقد كان سيدنا عمر اذا ما اكتشف جانباً خاصاً من اصحابه ادخره ذخرا لمهمة ستأتي في المستقبل. كما انه استفاد من الخبراء. كما الحال من العسكريين القدامى في الجيش الساساني رغم بقائهم على دين المجوسية، وكذلك بعض القادة الذين شاركوا في تزعم حركة الردة في خلافة ابي بكر، وذلك بارسالهم إلى الثغور فأبلوا بلاءاً حسناً.


إلزام الوالي بالكشف عن امواله
استخدم سيدنا عمر ما يعرف اليوم برفع السرية المصرفية عن الذين يعملون في الحقل العام كالنواب والوزراء ورؤساء الدول، ولذلك كان يراقب الولاة والقادة والأمراء ويخضعهم للإعلان عن اموالهم السائلة والجامدة، وكان يراقب نمو الأموال، وكان ينزع نصف مال الوالي إذا لاحظ نموه بشكل غير طبيعي، ولذلك منع دخول الولاة والأمراء ليلاً إلى المدينة كي يتسنى لأهل المدينة رؤية ما تحمله قوافلهم وتنقله من متاع وأموال.
وفي احدى المرات بلغه ان عياض بن غانم الوالي في إحدى مدن الشام اخذه ترف القصور، فاستدعاه إلى المدينة وتركه ثلاثة أيام قبل ان يدخله اليه، فأحضر اليه جبة صوف كالرعاة وعصا وثلاثمئة شاة من اموال الصدقة وتركه يرعاها في البراري ليسمنها، وتركه على هذه الحال لمدة ثلاثة شهور قبل ان يعيده إلى عمله.


خلافة السلم الأهلي
تتمتع خلافة سيدنا عمر بالهدوء والرخاء الاقتصادي، فلم يسمع عن معارضة سياسية له، ولم يكن لديه جهاز مخابرات سري للقمع، رغم حزمه مع الولاة على الامصار اذا ما وجد في بعضهم ميلاً عن نهجه السياسي.
يقول العلوي: laquo;لعمر كاريزما كما نقول في ايامنا هذه، وأجمل ما فيه عندي، ان اراه يسرع في امر من هامش الأمور فيندفع لحظة ثم ينسحب قبل مرور اللحظة التالية، فيتأثم وهو غير آثم، وتتحول حركة خاطفة من درته يعلو بها كتف رجل او امرأة إلى حركة ضد نفسه، فيطالب المخفقين خطأ ان يخفقوه، وهو ممن يمارس النقد الذاتي على نفسه بمرارة، ثكلتك أمك يا ابن الخطاب أأفقه منك امرأة ثكلتك أمك يا ابن الخطاب ان لم تقلها، وأراه لحظتها يسارع إلى رأس الإمام علي فيقبله ولا اقامني الله في ارض ليس فيها أبو الحسنraquo;.
ويضيف: laquo;كيف صيّر الرجل زعيم فرقة ورئيس مذهب وعنواناً لطائفة، وهو الذي كان ينكر على الناس اختصاصهم بمجالس خشية ان يدعوهم ذلك لأن تكون لهم آراء متفرقة متباينة تنتهي بالتحزب والانقسام؟
روى ابن عباس ان عمر قال لناس من قريش: بلغني انكم تتخذون مجالس، لا يجلس اثنان معاً حتى يقال من صحابة فلان؟ من جلساء فلان؟ حتى تحوميت المجالس (اي تحاشاها الناس).
وأيم الله ان هذا سريع في دينكم، سريع في شرفكم، سريع في ذات بينكم.
ولكأني بمن يأتي بعدكم فيقول: هذا رأي فلان، قد قسّموا الإسلام أقساماً، أفيضوا مجالسكم بينكم، وتجالسوا معاً، فإنه أدوم لألفتكم وأطيب لكم في الناسraquo;.