خالد القشطيني

عندما تأسست المملكة العراقية لم يكن هناك في العراق أي زي معترف به أو سائد بين الناس. لبس الأكراد في الشمال السراويل الفضفاضة وفي الجنوب لبسوا الدشداشة الخام، وفي بغداد والمدن الرئيسية لبس رجال الدين والمتعلمون الجبة والعمامة. ومن خدم في الجيش العثماني والإدارة العثمانية لبسوا السترة والبنطلون. يقال مثل ذلك عن شعار الرأس في تنوعه. لم يكن المواطنون يعطون صورة مقبولة لوحدة الوطن. ولهذا بادر الملك فيصل الأول الى الإيعاز بتوحيد الأزياء. ولكن الحكومة لم تجد من المناسب أو الممكن فرض ذلك على احد. لم يكن العراق قد عرف الدكتاتورية بعد. فكروا فقط بالنشء الجديد. أولاد المدارس. أصدرت وزارة المعارف تعميما لكل المدارس العراقية بمطالبة الطلبة جميعا بلبس البنطلون والثوب والسترة. لا يجوز دخول المدرسة بالدشداشة والطاقية (العرقجين).

نفذ الأمر، بيد ان مدير مدرسة الكرخ، الاديب والشاعر ناجي القشطيني لاحظ صبيا واحدا ظل يلبس الجبة والعمامة، فنادى عليه وسأله عن اسمه فقال اسمي عبد الرسول الخالصي. أمره بإطاعة النظام وتغيير زيه. في اليوم التالي، جاء التلميذ بنفس الجبة والعمامة، ولكن معه أمه. ذهبت فورا للمدير وشرحت له الأمر وتوسلت به ان يتغاضى عن هذا التلميذ ابنها بالذات. وشرحت له السبب. قالت انها قضت عدة سنوات وهي عاقر ولم ترزق بطفل. ثم نذرت للرحمن عز وجل ان تكرس للدين ابنها اذا من الله عليها بولد وتلبسه الجبة والعمامة. وهي كامرأة مؤمنة لم تشأ ان تخرج عن نذرها لله. واذا أصرت الادارة على غير ذلك فستسحب ابنها من المدرسة. كانت امرأة صالحة لم تشأ أن تعصي الله لترضي الحكومة، وهو ما يفعله الكثيرون منا.

كان ناجي القشطيني من الأساتذة المتنورين والمتسامحين فأصاخ لكلامها ولم يشأ تحويلها عن قسمها بالله. فترك الصبي عبد الرسول يأتي للمدرسة بالجبة والعمامة. ولما كان هذا الزي لا ينسجم مع دروس الكشافة والرياضة فقد أعفي منها ايضا. بعد بضعة اشهر زار المفتش الانجليزي المدرسة ولاحظ هذا التلميذ الشاذ. سأل المدير لماذا سمح لهذا الصبي بهذا الزي خلافا للتعليمات. شرح له حقيقة الأمر. فوافق المفتش على الاستثناء ولم يأت بالدبابات البريطانية لفرض ارادته على الصبي.

مرت السنوات وأكمل الولد دراسته بالجبة والعمة ودخل كلية الحقوق وتخرج منها محاميا. وما انفك في التقدم في مهنته حتى اصبح وزيرا للعدل. فتخلى عن لبس الجبة والعمة ولبس السترة والبنطلون من اجل المنصب. كانت له اولويات مختلفة عن اولويات امه. وكان من أول ما لحظه على طاولة الوظيفة عريضة من سعدون القشطيني طلبا لوظيفة قاض. سأل عنه فأجابوه ان سعدون هذا هو ابن ناجي القشطيني الذي سمح له بالدراسة بالجبة والعمامة. تناول القلم وشرح على العريضة: يعين فورا قاضيا في المحاكم العراقية.


www.kishtainiat.com