أبو خلدون
من هو المثقف؟ العرب، في الماضي، كانوا يرون أن المثقف هو الذي يأخذ من كل علم بطرف، ولا يشترطون الاختصاص، فلو كان الإنسان أعلم أهل زمانه في الهندسة والرياضيات والجبر، فإنهم يأخذون عليه مثلا عدم إلمامه بالطب والفلسفة والفلك والأدب والحديث والشعر، ويسقطونه من عداد المثقفين، والسبب هو أنهم كانوا ينظرون إلى العلوم باعتبارها متداخلة، تداخل الحاجات الاجتماعية، وإتقان علم ما يتطلب الإلمام بآخر.
وفي بريطانيا استخدم الكتاب كلمة مثقف للمرة الأولى عام 1652 كما تشير معاجمهم، للدلالة على الشخص الذي يمتلك قدرات ذهنية فائقة.
والمثقف في بريطانيا هو الذي يمتلك قدرات ذهنية كبيرة، ويستعمل هذه القدرات بشكل أو بآخر. وحيث أن الاستعمال يمكن أن يكون في النواحي السلبية، كما هي الحال بالنسبة لروديارد كيبلينج الذي تحولت قصائده إلى مرجع للمستعمرين في معاملة سكان المستعمرات، فإن بريطانيا، والولايات المتحدة التي حملت إرثها الثقافي بعد ذلك، لم تكونا تقيمان كبير اعتبار للمثقفين، وها هي أمريكا تضع شاعرا مثل عزرا باوند في مصحة للأمراض العصبية والعقلية لمدة تزيد على 19 سنة، لمجرد أنه عارض الحكومة في موقفها من الحرب العالمية الثانية وهاجم الهيمنة الصهيونية على أمريكا، وعندما عارض المثقفون الحرب التي يقودها بوش ضد ما يسميه الارهاب وضع آرثر ميلر وغيره من المثقفين في خانة طالبان.
وفرنسا هي التي أعطت مفهوما عصريا للمثقف، عندما تزعم أميل زولا مظاهرة صاخبة في باريس احتجاجا على إدانة الضابط اليهودي ألفريد درايفوس بالتجسس، وكتب مقالا بارزا حول محاكمته بعنوان: ldquo;أنا أتهمrdquo; وقد استغل زولا اسمه وشهرته في الأدب، واسم وشهرة الذين شاركوا في مظاهرته للضغط على الحكومة الفرنسية من أجل إعادة النظر في المحاكمة. ومنذ ذلك الحين بدأت تتردد في الأوساط الثقافية عبارة ldquo;ثورة المثقفينrdquo; والمقصود بالمثقف في هذه العبارة: ldquo;أي شخص حقق نجاحا كبيرا في مجال من المجالات، في الأدب أو الشعر أو الفن أو حتى في الفيزياء والطب، واستغل الشهرة والجماهيرية اللتين ترتبتا على هذا النجاح للدفاع عن قضية إنسانية، وهكذا فإن سارتر، في نظر الفرنسيين، مثقف ليس لأنه كتب ldquo;الوجود والعدمrdquo; وإنما لأنه استغل الشهرة التي حققتها الفلسفة له للدفاع عن حق الجزائريين في تقرير المصير.
وقبل مدة صدر في فرنسا كتاب بعنوان ldquo;قاموس المثقفين الفرنسيينrdquo; يحتوي على أسماء عدة قد لا يشعر المثقفون في الخارج أنها تنتمي إلى عالمهم، وسقطت منه أسماء يرون أنها نجوم لامعة في عالم الثقافة. والجديد في هذا القاموس هو أنه لا يسرد المعلومات عن المثقفين فقط، وإنما يذكر المناسبات التي ناضلوا من أجلها.
ونظرة المثقفين عندنا، منذ انفتاحهم على الأدب الملتزم كما تحدث عنه سارتر، فيها شيء من النظرة الفرنسية التي تعتبر المثقف حارسا على الإرث الأخلاقي للأمة، ولكن المراجعة السريعة للقاموس الفرنسي تكشف لنا أن النضال لا ينبغي أن يكون سياسيا، فالأم تريزا التي ساعدت المحتاجين في الهند مثقفة، ولكن على الصعيد الإنساني، وجين فوندا مثقفة لأنها حركت مظاهرات ضد فيتنام.
وإني أسأل المثقفين العرب الذين يزحمون صالونات الفنادق في العواصم العربية، ويجلدوننا بين الحين والحين بقصيدة يشتموننا فيها: ماذا فعلتم؟ هل استغللتم الشهرة التي حققتموها من أجل الدفاع عن قضايا شعوبكم؟














التعليقات