جهاد الخازن
(ملاحظة: كتبت المقال التالي للنشر قبل اسبوعين، وأجَّلته عندما اقتتل الفلسطينيون، ثم أجَّلته مرة أخرى بسبب أحداث لبنان. وعندنا من قتلوا البسمة مع الناس).
رجل الأعمال المـــعروف نجــــــيب ساويرس عــــضو في مجـــلس إدارة مؤسسة الفكر العربي مــــثلي، وقلت له يوماً: أنت في laquo;البزنـــسraquo;، تربــــح وتخسر، أنا صــــحافي أتعامل مع الســـياسة العربية وكلها خسارة.
هل هذا عدل؟ لم يعد يهمني، من حظي، انني اختار دائماً المسار الأبطأ في الطريق، وأن السائق أمامي هو الذي ينام على المقود عندما نتوقف أمام إشارة المرور. بل انني لم أعد أطلب قهوة في الطائرة، لأن فنجان القهوة في يدي يسبب مطبات هوائية، وتبدأ الطائرة تهز كنعش رقّاصة.
هذه أمور لم أعد أتحدث عنها. وتجربتي من نوع آخر، فأنا إذا اشتريت تذكرة مفتوحة، بأعلى سعر، أسافر في اليوم المختار وأعود كذلك. ولكن إذا حاولت التوفير واشتريت تذكرة من النوع الذي لا تعدل المواعيد فيه، لأنها أرخص، يحدث دائماً ما يمنع السفر.
وتجربة الأسبوع (الماضي) هي مهرجان السينما في laquo;كانraquo;، فقد كان أصدقاء دعوني وزوجتي الى حضور المهرجان معهم، والإقامة على يخت فخم مقابل قصر المؤتمرات طوال المهرجان، واشتريت تذكرتين قبل ثلاثة أشهر من النوع الذي لا يتغير موعد الرحلات، المسجَّل عليه على سبيل التوفير. ولم يمض أسبوع حتى وجدت أن مؤتمر الشرق الأوسط للمنتدى الاقتصادي العالمي سيعقد في الأيام نفسها، وطار الأصدقاء جميعاً الى laquo;كانraquo;، وطرت الى عمان، وطـــارت تذكرتي طبعاً، ومعها 400 جنيه استرليني، وكل هذا من أجل جولة جــــديدة من خسائر السياسة العربية.
حاولت أن أعزي نفسي بالقول إنني لا أحب الزحام، ولا بد من أنني سأضيق بوجود ألف سابحة فاتنة حولي في laquo;كانraquo;، وقد فكرت يوماً لرغبتي في الوحدة ان أنضم الى حزب البعث اللبناني فأجلس في مكاتبه وحدي.
لا بد أن القارئ يتـــفق معي أن احتواء الخسائر العربية في مؤتمر عالمي أهم من مهرجان الســـينما والأفلام الجديدة والممثلات الشابات. وإذا كان القارئ يصـــدق هذا الكلام، فهو laquo;على نيّاتهraquo; أكثر مما تصورت.
طبعاً احتواء الخسائر يعني الاعتراف بها، مثله ترشيد الإنفاق، فهو تعبير المقصود به عدم الحصول على زيادة في المرتب آخر السنة، على الأقل، الخسائر المادية والمعنوية، الشخصية والقومية، تثبت أنني صاحب روح رياضية، فالإنسان لا يستطيع أن يدعي انه صاحب روح رياضية إلا إذا خسر.
هناك كثيرون يعتقدون بأننا ربحنا لأننا نقيم في لندن، غير ان الاسم الآخر للندن هو الغلاء، فهي أغلى مدينة أعرفها في العالم كله (لم أزر طوكيو)، وقد حاولت مرة أن أنضم الى جمعية مكافحة التضخم، إلا انني وجدت أنهم رفعوا سعر الاشتراك.
في لندن قررت تقليص ديوني، ووجدت أن الطريقة الوحيدة هي وضعها على ميكروفيلم، خصوصاً بعد أن اشتريت سيارة جديدة. لست من هواة السيارات، وسيارتي القديمة كان عمرها ثماني سنوات، لذلك يفترض أن أسرّ بالسيارة الجديدة، إلا أن الخسائر مستمرة، ووجدت ان التكنولوجيا الجديدة لحقتني الى السيارة، فبين المقعدين الأماميين هناك كرة، ذكرتني بفأر الكومبيوتر، وهي تدبر كل شيء في السيارة من المحرِّك الى الموسيقى، وجهاز الإرشاد الخاص بالطرق عبر الأقمار الاصطناعية، ووجدت أن السيارة لا تأخذني حيث أريد وحسب، وإنما تتحدث معي، ولم يبق سوى أن تجــــادلني: لماذا تزور سامي؟ إذهب الى زياد، لم تره منذ اســـبوعين. بلاش كسل. وفوق كل هذا فكتاب التعليمات في 400 صفحة.
أمس ذهبت بسيارتي الجديدة الى استوديو تلفزيون عربي في لندن، وسئلت عن توني بلير وغوردون براون، وعن نائب الرئيس تشيني، وأجبت كأنني أعرف ما أتحدث عنه، في طريق العودة الى البيت تذكرت أشياء كان يجب أن أقولها وغابت عني، وأشياء قلتها وكان الأفضل أن أتجاوزها. طبعاً، مشكلة التلفزيون أن الكلمة التي تخرج في برنامج مباشر لا تعود، وقد تقدمت التكنولوجيا كثيراً إلا أنهم لم يخترعوا بعد ممحاة للحكي، كما عندنا للكتابة.
لماذا أكتب هذه السطور اليوم؟ ليس السبب ما فاتني من حِسان laquo;كانraquo;، وإنما تجربة أتعرض لها للمرة الأولى في حياتي.
منذ ما قبل دخولي المراهقة، وبيت الأسرة لا يخلو من قطة أو كلب، أو الاثنين معاً، وقد حافظنا على هذا التقليد في لندن، فعندنا قطة انكليزية وكلب ياباني.
قبل أيام لاحظنا أن القطة تتصرف بطريقة غريبة، وباختصار، فقد وجدنا أن laquo;كوكوraquo;، واسمها تيمناً بكوكو شانيل، عميت. وهناك قط أعمى قلب في الجوار كان يتحرش بها كأنها شابة، وأتصور انه يقول لها إنه مستعد أن يموت من أجلها، وهي تسأله: كم مرة؟ على أساس ان للقطط سبع أرواح.
هي تجاوزت 17 سنة من العمر ما يجعلها فوق الثمانين بسن البشر، والطبيب يقول إنه لا يستطيع أن يفعل شيئاً لها، ويقترح أن نتركها في البيت لأنها تعرف طريقها. وهي تعرف فعلاً، إلا أنها تصطدم بباب مغلق أو قائمة طاولة أو كرسي وتموء، والكل يحزن عليها ويدللها.
لن اختتم بحزن أو غضب، فالكلب الياباني الذي ناصبها العداء منذ دخل البيت، شعر، كما يبدو، بأنها عميت، وهو لم يعد ينبح عليها، بل يصمت إذا اصطدمت به وهي تمشي، ولم يعد يسرق أكلها، ويبدو أن لبعض الحيوان من الإحساس ما ليس للبشر.















التعليقات