د. أحمد القديدي
كلمة عابرة قالها وزير الأمن الإسرائيلي يوم الخميس لا بد أن نضعها نحن العرب في سياقها التاريخي وهو يتحدث عما سماه تهديد أمن إسرائيل من قبل حماس وصواريخ القسام، حين قال للإذاعة العسكرية الإسرائيلية: لا بد من حسم الصراع بيننا وبينهم عسكريا. وهنا يجب أن نتوقف لحظة ونتأمل ما يقصده الوزير، ونحن نشهد تواصل المواجهات بين الفصائل الفلسطينية مجهولة الهوية والأغراض ولا نقول بين فتح وحماس،لأنهما نحسب والله أعلم ملتزمتان باتفاق مكة.
وحيث يملأ الملثمون شوارع غزة مسلحين ومتأهبين، وحيث يغرق مخيم نهر البارد في المأساة، ويهرب الأبرياء منه تحت قصف المدافع اللبنانية، وحيث اختطفت قوات إسرائيل يوم الخميس 33 شخصية من حماس على رأسها ناصر الدين الشاعر وزير التربية والتعليم لاستخدامهم كرهائن، وحيث تستهدف إسرائيل اليوم خالد مشعل وإسماعيل هنية لتصفيتهما.
فالوزير الإسرائيلي لا ينطق من فراغ ويقصد بعبارته (الحل النهائي أو العسكري) طي ملف القضية الفلسطينية على الطريقة النازية لا أكثر ولا أقل، أي الإبادة الباردة والممنهجة والتي لا تثير ردود فعل ولا راد لها مادام الرأي العام الدولي وحتى العربي والمسلم واقعين تحت التخدير الإعلامي المدروس، وما دامت القوى العظمى لا ترى مانعا من إنهاء الصراع بهذا الشكل.
انها القارعة وما أدراك ما القارعة، تطرق أبوابنا الموصدة لتعلن عن بداية الحل النهائي لشعب عربي أصابته نكبة 1947 وسلبته بقية وطنه نكبة 1967 وهو يبعث حيا من جديد كلما اعتقدنا بأنه مات وأمحت معالمه من الوجود.
هذا الشعب الذي كنت حاضرا وراء الرئيس بورقيبة في ميناء بنزرت لاستقبال زعيمه ياسر عرفات وبقية مجاهديه المغادرين لبيروت بعد النكبة الأخرى عام 1982 وهم يلوحون لنا من على ظهر الباخرة التي أقلتهم من لبنان إلى قبرص ومن قبرص إلى بنزرت لتبدأ مرحلتهم التونسية استعدادا للخديعة العالمية الكبرى التي تسمى اتفاق السلام بأوسلو، وهي نكبتهم الرابعة حتى لو عاد منهم من عاد إلى جزء يسير من تراب الوطن السليب.
تلك النكبة التي انتهت بمجزرة جنين وقتل أبو عمار بالسم، وهو الذي قبل بأوسلو وصافح سفاحي شعبه وقاتلي محمد جمال الدرة والشيخ أحمد ياسين والدكتور عبد العزيز الرنتيسي والشهداء البررة. لم يشفع له غصن الزيتون ولا التنازلات التاريخية فقتلوه وكتب بعد ذلك الصحفي الإسرائيلي أمنون كابليوك في مجلة لوموند دبلوماتيك بأن الذين قرروا تصفيته بالسم ثلاثة هم أرييل شارون رئيس الحكومة وشاؤول موفاز وزير الدفاع وسيلفان شالوم وزير الخارجية.
وهو ما أكدته صحيفة هاآرتس يوم 9 نوفمبر 2005 وأقام الحجة عليه كتاب صدر عن دار هاشيت الباريسية بعنوان laquo;حرب إسرائيل السابعةraquo; الذي يقول بالحجة بأن شارون خاطب بالهاتف الرئيس بوش ليقول له يوم 4 نوفمبر 2004 بأنه في حل من وعده بالإبقاء على عرفات حياً.
هذه بعض نكبات فلسطين، فهل يمكن إضافة حلقة laquo;فتح الإسلامraquo; الراهنة في مدينة طرابلس اللبنانية إلى هذا المسلسل الكارثي؟ ولبنان يتعرض بالرغم عنه إلى عملية تدويل غير بريئة، بداية من ضخ السلاح الأميركي وانتهاء إلى إنزال الجيوش الأجنبية لأداء المهمة عوضا عن الجيش اللبناني كما وقع عام 1958 مع الرئيس كميل شمعون.
فالفرصة التاريخية متوفرة اليوم أمام أعداء لبنان والعرب، لتحويل لبنان بدعوى حمايته إلى بؤرة اضافية من الصراع الدولي حول مناطق الهيمنة وفضاءات التأثير، وتحويل جيش لبنان عن عقيدة مواجهة المحتل الإسرائيلي إلى عقيدة قتال الأشقاء في حال انتشار اللهيب.
ألم يحن الوقت ولم تأزف الساعة لكي يجتمع العرب على كلمة سواء وأن يضغط القادرون منهم كما طالب بذلك الشيخ فضل الله على واشنطن وتل أبيب حتى على ضوء العلاقات القائمة بينهم وبين هاتين العاصمتين، من أجل تيسير الخروج من النفق بأقل التكاليف، أي برفع الحصار المضروب على الشعب الفلسطيني، وبتحقيق القرارات الأممية بشأن لبنان وبداية التخطيط لحل سياسي عادل في العراق.
هذه هي الحلول الجذرية للأزمة العميقة التي تعصف بالشرق العربي كله وهو شرق بلا حدود لا جغرافية ولا طبيعية ولا ثقافية ولا تاريخية، وهو إقليم يقع في قلب العالم ويربط بين القارات والحضارات منذ ثلاثة آلاف سنة. ولا بد طال الزمان أم قصر أن تتوسع كوارثه إذا لم تعالج إلى العالم بأسره. وحينئذ لا قدر الله ستكون القارعة العربية قارعة عالمية... وما أدراك ما القارعة!















التعليقات